مهند إبراهيم أبو لطيفة: حل تدريجي أم تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية؟

مهند إبراهيم أبو لطيفة

ثلاثمائة عام قبل إنعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، نشأت الفكرة الصهيونية. والتي كان ضحيتها الشعب الفلسطيني.

 منذ التحولات الفكرية التي شهدتها أوروبا في أوائل القرن السادس عشر، ومع بدأ حركة النهضة الأوروبية، وحركة الإصلاح الديني، وظهور اللاهوت البروتستانتي، بدأ التنظير لإقامة كيان صهيوني في فلسطين.

واصبحت فسلطين في فكر النُخبة الأوروبية، أرضا  لليهود، مع إغفال تام للتاريخ والوجود العربي الفلسطيني فيها. لعبت الكتابات الدينية، والشروحات التوراتية، في هولندا بتأثير الكالفينية من أمستردام، وفي ألمانيا بتأثير اللوثرية وتحديدا من مدينة هامبورغ، وفي انجلترا إنطلاقا من لندن، دورا تمهيديا لظهور المشروع الصهيوني وتبلوره ، وفكرة الوطن القومي في فلسطين.

ساهم لاحقا عدد من الكتاب والأدباء والسياسيين، من الدنمارك والسويد وفرنسا في تعزيز هذه الفكرة. وكان لكتابات بعض الفلاسفة والعلماء والأدباء في القرن السابع عشر والثامن عشر مثل :

 جان جاك روسو في كتايه” دراسة في التاريخ العالمي”،وجون لوك في ” تعليقه على رسائل القديس بولس”، واسحق نيوتن في ” ملاحظات حول نبؤات دانيال”، وكتابات هردر، دافيد هاركلي، جون برسكي، بليزباسكال، وملتون في قصيدته الشهيرة ” الفردوس المفقود” و ” عقدة النصرانية”، والكسندر بوب في “قصيدة المسيح”،  وغيرهم العشرات، كان لها دورا في إشاعة أجواء تجعل من المشروع السياسي الصهيوني لاحقا، مشروعا مقبولا لدى شرائح مهمة في المجتمعات الأوروبية.

 وما نداء نابوليون بونابرت في 20 أبرليل 1799،  الذي دعا فيه اليهود في آسيا وافريقيا للالتحاق بجيشه من أجل دخول القدس ضمن الحملة الفرنسية نحو الشرق ، إلا نتاجا وصدى لهذه الأجواء.

ولاحقا، نجح حاييم وايزمن وناحوم سوكولو، في جعل مصابلح الصهيونية، متماثلة مع مصالح بريطانيا، والإستعمار الغربي، واصبح احتلال فلسطين عام 1917، ضرورة استراتيجية، تحت غطاء ” حق تقرير المصير”، ووضعت فلسطين تحت الإنتاب البريطاني، لترك المجال مفتوحا لمصالح بريطانيا المستقبلية في المنطقة.

  ولم يكن بلفور وحده من سعى لاصدار هذا الوعد، ولكن جيل من السياسيين معه من مثل” مارك سايكس، ليوبولد أميري، اللورد ملنر، الميجور غور،هربرت سايد بوثام، روبرت سيسل، ج.س. سميث، ريتشارد هاجن،س.ب.سكوت وعيرهم.

كان هذا الوعد المكون من 67 كلمة، والذي أنكر وجود الشعب الفلسطيني، نتاج نفس الأجواء، وتلاقي المصالح.

وفي مرحلة لاحقة أيضا، وتحديدا  منذ الإتفاق على معاهدة ” بيريتون وودز” الدولية عام 1944، والتي تم بموجبها إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومع إنتقال المركز الإمبراطوري إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبدء العمل بالنظام الإحتياطي الفدرالي، أصبح أسياد المال وهم أقل من 300 شخص، هم من يضمنون ” المصالح المتماثلة” أو المتطابقة بين أمريكا والكيان الصيوني.

 ورافق عملية ربط المصالح هذه أيضا، إشاعة ثقافة تمهيدية منها مثلا: ” مكافحة الشيوعية”، “نشر الديموقراطية”،” النظام العالمي الجديد الليبرالي، الحر”، ” تحقيق الوعد التوراتي”، وساهمت المسيحية الصهيونية في تعبئة الرأي العام لدعم كل السياسات الأمريكية، وضمان أمن الكيان الصهيوني، ولا يخفى على أحد أن منطقتنا العربية كانت من ضحايا هذا التحالف الجديد، إضافة لشعوب أمريكا اللاتينية، وبعض الشعوب الآسيوية.

ومنذ عام 1947 تحديدا، ولغاية إتفاقية أوسلوا، كنا نتابع وبالتدريج ، كيف يقوم هذا التحالف- والذي انضمت إليه بشكل غير معلن، كيانات ونخب طفيلية ، تابعة، تقوم بدورها الوظيفي، وتنتمي (جغرافيا) لمنطقتنا العربية، ربطت مصيرها بهذا المركزوتقوم  بتسويق سلسلة طويلة من الإقتراحات والمشاريع والحلول الوهمية، وحصيلتها كلها، ضياع المزيد من الحقوق العربية الفلسطينية، وتوسع وتمدد الهيمنة والإختراق الصهيوأمريكي.

وهذا بالضبط ما نشهده حاليا  في الإعلام، والتصريحات والتسريبات، حول صفقة القرن وغيرها من ما يُسمى ” الأفكار والحلول التدريجية” لإنهاء الصراع  العربي-الإسرائيلي.

حلقة جديدة من حلقات تصفية القضية الفلسطينية. فها هي  ” النُخب الثقافية والساسية” تقوم بعملية التمهيد الثقافي الدعائي، في مواكبة المشاريع الجديدة، أما الاهداف فهي:

      • الإنتقال لمرحلة جديدة من التحالفات العلنية، والتي تمهد الطريق للتكامل السياسي والإقتصادي والوظيفي، وليس فقط التطبيع.

      • ضمان مصالح المركز ( الأمبراطورية الأمريكية) لأطول فترة ممكنة، لكي يستطيع مواجهة النهوض الصيني العملاق والتفرغ لصراع بحر الصين، والبحر المتوسط من سواحل لبنان حتى سواحل تركيا، والبحر الأحمر، وكلها من أجل النفط والغاز والأسواق العالمية.

      • الحد من التمدد الروسي في المنطقة، ،وابقاء المنطقة محمية أمريكية، تتحقق في ظلها أيضا المصالح الأوروبية.استمرارضمان أمن الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية.

حين سعى نابوليون لقطع طرق التجارة عن الإمبراطورية البريطانية، والهيمنة على المنطقة، والإلتفاف على الدولة العثمانية، قدم نفسه حليفا طبيعيا لليهود والعرب المسلمين، وعندما فشل، استخدمت بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى نفس السياسة ونفس الأساليب. واليوم يتم استخدام الفزاعة الإيرانية  ,وإنتاج الإرهاب، لتنفيذ هذه المشاريع الإمبراطورية. ولكننا وللأسف لا نتعلم من دروس الماضي.

من يستمع للأصوات التي تأتينا من منطقتنا العربية، والتي تتحدث عن الخطر الإيراني ، ومحاربة التطرف، وأهمية التحالف مع الكيان الصهيوني للوقوف في وجه ” التمدد الشيعي” وتعدنا “بالحرية الليرالية” و “التمدن والنهضة” وكما كانونا يروجون لناطحات السحاب التي سيتم بناؤها في العراق والديموقراطية الجديدة، واركوه في خراب ودمار، تنسى  هذه الأصوات دروس التاريخ، وهذا درس منها:

في الحادي عشر من سبتمبر من عام 1922، أقرت عصبة الأمم (تأسست عقب مؤتمر باريس للسلام عام 1919،الذي أنهى الحرب العالمية الأولى)، أقرت الإنتداب أو الإحتلال البريطاني لفلسطين على أساس وعد بلفور. فرضت بريطانيا باحتلالها فلسطين  عام 1917، أمرا واقعا لكي تستطيع إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي”، و الالتفاف على الدولة العثمانية، و التمدد للسيطرة على الخليج كله بثرواته وموقعه الإستراتيجي.

ولكي تنجح في مخططها للهيمنة على المنطقة، وجدت لها حليفا ، ربطت مصيره بها، ووعدته باقامة دولة عربية موحدة ومستقلة وحرة.

كان المطلوب أن يقوم العرب الساعين للاستقلال والانفصال عن الدولة العثمانية، بالانخراط في المجهود العسكري لمحاربة الجيش العثماني، وفي إحدى رسائل السير هنري مكماهون مع الشريف الحسين بن علي (تكونت المراسلات من عشر خطاباتٍ متبادلةٍ في الفترة من 14 تموز/يوليو1915 إلى 10 آذار/مارس1916)، يكتب مكاهون للشريف:

 ” من السير هنري مكماهون، إلى السيد الحبيب النسب، سلالة الأشراف، وتاج الفخار، وفرع الشجرة المحمدية، والدوحة القرشية الأحمدية، صاحب المقام الرفيع، المبجل، دولة الشريف حسين سيد الجميع، أمير مكة المكرمة قبلة العالمين، ومحط رحال المؤمنين الطائعين، عمت بركته الناس أجمعين”.

بهذه اللغة، كانوا يخاطبون الشريف حسين، وبعد الإتفاق على الحدود النهائية للدولة العربية الموعودة، قامت الطائرات الإنجليزية بالقاء منشورات على  تجمعات الجنود العرب في الجيش العثماني، جاء فيها:

“ إلى جميع العرب، وسواهم من الضباط والرجال الموجودين في الجيش العثماني:

سمعنا بمزيد الأسف أنكم تحاربوننا نحن الذين نجاهد في سبيل المحافظة على أحكام الدين الإسلامي الشريف، من التغيير والتحريف، ولتحرير العرب قاطبة من حكم الأتراك.. فنحن نحارب من أجل غايتين شريفتين: حفظ الدين وحريّة العرب أجمع”

ولم يكتفوا بهذا المنشور، الذي حمل توقيع الشريف حسين شريف مكة و”ملك الحجاز”، بل وزعوا خارطة  توضح جغرافيا الدولة العربية وحدودها، وتم رميها مع المنشور. وماذا كانت النتيجة؟

النتيجة كانت أنهم وجدوا حليفا آخر لهم في الجزيرة العربية، وما عُرف ” بمذكرة شرقي الأردن”، وهي  عبارة عن مذكرة،  تقدمت بها الحكومة البريطانية لعصبة الأمم في اغسطس عام 1922، يتم فيها إستثناء شرقي الأردن من الإنتداب البريطاني، والإستيطان الصهيوني، ومنح شرقي الأردن مجرد ” حكم ذاتي”، تحول إلى إمارة.  وفي 25 أيار 1923 ، اعلنت الحكومة البريطانية إعترافها باستلال الإمارة.

وعندما سيطر البلاشفة على روسيا القيصرية في عام 1917، تم الكشف عن الإتفاقية السرية(1916) التي عُرفت باتفاقية “سايكس- بيكو”، بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم المنطقة الى كيانات صغيرة ، وصادقت عليها روسيا القيصرية.

هكذا تبخرت أحلام من وثق بالعهود البريطانية وخاض معها ” الثورة العربية الكبرى”، فلم يتحقق لا حلم ” الدولة العربية” ولا حلم “مملكة سوريا”، و كان الجنرال كلوب باشا يحكم  الأردن  – قبل كنسه-  امتدادا للانتداب البريطاني، وتم تصميم الكيان الأردني بحدوده الحالية، لكي يبقى في حالة تبعية إقتصادية وسياسية وأمنية، ولا يمتلك مقومات الدولة الحقيقية، وبالرغم من أنفة وأعتزاز الشعب الأردني الكريم والأصيل بشخصيته وعروبته وامكانياته الكبيرة ومواقفه الوطنية والقومية المشرفة، إلأ أنه فُرض على الأردن أن يعتاش من المساعدات الخارجية منذ قيامه، والممنوع من إستغلال ثرواته الطبيعية، بينما توسع الكيان الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني.

نفس السيناريو تكرر في مصر، التي شارك جيشها في الحرب العالمية الأولى مع بريطانيا، وأرسلت مئة ألف جندي مصري للقتال ودعم الجيش البريطاني، وفيالق من الهجانة لقتال الدولة العثمانية في فلسطين، الحجاز، العراق، السودان ، وساعدوا لورنس، واللنبي في احتلال العقبة، وتكلفت مصر  بتكاليف الحرب لجيشها وهو يحارب(بمئات الألاف) في اوروبا، في جنوب فرنسا، شمال بلجيكا، ايطاليا، اليونان، مالطا. وكانت النتيجة:

خسرت مصر قرابة 600 ألف جندي، ورغم منح مصر الإستقلال  عام 1922،بقي الاحتلا البريطاني  ينهب خيرات مصر وذهبها وكبلها بالديون ، واستخدمها معبرا للهجرة الصهيونية إلى فلسطين عبر ميناء الإسكندرية، وتحكمت بعض البنوك بكل خيراتها، وعائدات قناة السويس  ولمدة 72 عاما، إلى غاية عام 1956 عندما أصدر  عبد الناصر قرار تأميم القناة وشنت عدوانها الثلاثي بعده.

ليس ما يجري الآن إلا إستكمالا لهذه المراحل التاريخية، التي دائما ما يدفع فيها العرب الثمن، وواهم كل من يتصور أن النظام الدولي جمعية “البر والإحسان”  لخدمة الشعوب وتطلعها نحو التقدم والإستقلال، كل من يربط مصيره وامنه الوطني أو القومي ، بالأمبراطورية الرأسمالية، سيكون عليه دفع الثمن، والبدائل دائما جاهزة تحت مسميات كثيرة، مثلا جمهورية بدل حكم ملكي وراثي، كيان لقيط يسمونه ديموقراطي، بدل حكم عائلة أو أسرة، انقلاب عسكري مثل مئات الانقلابات العسكرية في العالم التي تم دعمها لتغيير الحكومات. ألم يتعلم البعض من إجهاض كل المحاولات من أجل ولو الحد من التبعية؟.

إن قوة منطقتنا لا يُمكن أن يتم تصورها دون قوة الشعوب العربية، وتياراتها المتنوعة على إختلاف طيفها وايدولوجياتها، طالما تحمل مشروعا تحرريا حقيقيا، وفي مقدمتها قوتها العقائدية، هي القوة الدافعة الحقيقية في معركة التحرر والإستقلال. ولذلك تروج هذه “النُخب” لفكر يراد منه أن يُفرغ المنطقة من عناصر قوتها ويساهم في تمييع هويتها وشخصيتها.

 وواهم من يظن أن الشعب الفلسطيني سيكون وحده الخاسر من هذا الإنبطاح المتواصل.الكيان الصهيوني بفضل هذا الوهم “باق ويتمدد”، لأن النظام الدولي الذي يرتكز عليه، يزداد في التغول، وأزمته تتعمق، وهو أصلا لا يُعير اهتماما لكل القرارات الدولية، وهو مندفع فوق حدود الدول الوطنية أو القومية، ولا يفهم إلى منطق القوة ولغة التصدي. تاريخية المرحلة، تتطلب وقفة تاريخية.

abulatifeh@hotmail.de

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ألأخ مهند إبراهيم أبو لطيفة المحترم .
    أشكرك على مقالك الذي يجب تدريسه .
    مشكلتنا أننا محكومون من صناع قرار محكومين من السهل استبدالهم بمن مثلهم أو أكثر خيانة منهم . وتماما هذه الجملة قالها لي وزير دولة غربية محورية . اذا أردت أن تحكم شعبا فاقبض بصناع قراره كما يحدث وحدث دائما .
    لقد ناقشت هذا مع صناع قرار عرب والجواب كان “ان لم نحكم نحن فسيأتي آخرون وهم كثر. اذن بقائنا هو ألأفضل لنا ولمن معنا” .
    المفكر العربي مقهورمن حكامه ويسكت خوفا من بطشهم وليس له الا أن ينتظرويعمل على توعية الشعوب ومن المؤسف على طرق شبه خفية ان كان في متناول صناع القرار .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here