مهند إبراهيم أبو لطيفة: العرب بين التنين الصيني والفيل الهندي

 

مهند إبراهيم أبو لطيفة

منذ عقود طويلة، وأصوات كثيرة في العالم العربي، تطالب حكوماتها بالإصلاح، والعمل على تنمية حقيقية لبلدانها. وتحاول جاهدة التركيز على أهمية التكامل الإقتصادي في المنطقة، للإسراع بالتنمية، وإستكمال البنية التحتية، والإستفادة  من إمكانياتها المادية، وعائدات النفط والغاز ، ومن العقول والطاقات العلمية العربية، والأجيال الشابة التي تُنهي تعليمها، لتجد نفسها في أغلب الأحيان على قارعة الطريق، أو أمام سفارات دول العالم، تحلم بالهجرة.

بالرغم من الظروف السياسية والتاريخية التي مرت بها الدول العربية، وخصوصا مرحلة الإستعمار، والحروب التي أهدرت ثرواتها، وغياب السيادة الحقيقية، إلا أنه كان من الممكن في مراحل معينة، الإستفادة من الوقت وعدم تضييع الفرص.

 وها هي القوى الإقتصادية العالمية التي تجاوزت في بنيتها التحتية وأنماطها الإقتصادية الإجتماعية، الواقع العربي بمراحل كثيرة، تبحث عن  توسيع مكاسبها وحضورها في  العالم، وطبعا في منطقة الشرق الأوسط،.

 يكفي أن نتابع ما يحدث في محيط البحر المتوسط، البحر الأحمر، وفي خليج عُمان والقرن الإفريقي (جيبوتي)، لنكتشف الأهمية التي ستكتسبها المنطقة العربية في المستقبل من الناحية الإستراتيجية والإقتصادية، في تنافس القوى الكبرى على الأسواق العالمية.

ماذا تفعل القواعد العسكرية لخمس دول في جيوتي الصغيرة ، من حيث المساحة، والتي لا تزيد عن 23 ألف كيلو متر مربع؟. ثكنة عسكرية عالمية مكونة من فرنسا، أمريكا، إيطاليا، اليابان، الصين.

منذ سنوات تعود روسيا إلى المنطقة تحمل حُلمها الإمبراطوري ، وتتوسع الصين ببطء، وتسعى أمريكا والدول الأوروبية الغربية للحفاظ على مصالحها. وعلى الرغم أن هناك من يروج، أن منطقتنا العربية فقدت جاذبيتها، وأهميتها الإستراتيجية، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكنها لم تفقدها بالكامل، لوجود النفط، وموقعها الجيو- إستراتيجي.

مثل باقي الدول، تسعى إيران، وتركيا بدورهما، للتأكيد على وجودهما في المنطقة. بينما دولنا العربية ما تزال تبحث منفردة عن مكان لها في عالم المستقبل، وتشهد العلاقات العربية- العربية أسوء مراحلها.

يتقدم التنين الصيني منذ مدة نحو إفريقا، والشرق الأوسط ، وأمريكا اللاتينية، وكل دول العالم ، بإنتاجية عالية جدا، وبنية تحتية قوية، وعدد سكان هو الأكبر عالميا، ورأس مال قوي، وجاذبية كبيرة للإستثمارات الخارجية، وسوق داخلي كبير يُمكن الإعتماد عليه في تسويق البضائع. إضافة إلى حجم الشراكة بينها وبين الإقتصاديات العالمية الكبرى.

وها هي الهند بدورها  تتقدم في نموها الإقتصادي، وتتجاز ماضيها الإستعماري، وسيطرة شركة الهند البريطانية( استقلت عام 1947)، وتحث الخطى نحو أن تصبح من أقوى دول العالم إقتصاديا، حيث بلغت نسبة النمو الإقتصداي عام 2018 ، 7,3%. وتعتبر من أسرع  الإقتصاديات على المستوى العالمي.

يبلغ عدد سكان الهند قرابة 1,3 مليار إنسان ، ولديها سوق داخلي واسع إضافة لمساحتها الجغرافية. ويتوقع أن تحقق أعلى نسب إنتاج في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

وبالرغم من المشاكل والتحديات التي تعانيها الهند، إلى أنها تراجع سياساتها الإقتصادية، وتعيد هيكلة الإقتصاد، لتحقق مزيدا من النهضة والتقدم. في حين كانت معظم القطاعات(قطاعات البترول، الغاز،الفحم، الصناعات الثقيلة، النقل، البنوك والتأمينات )) ملكية عامة للدولة، أو ضمن شراكة مع القطاع الخاص، بدأت  حسب ضروراتها الإقتصادية تتجه أكثر  نحو الإقتصاد الحر. ما يهم هو أنها تتكيف وتخطط وتحاول بجدية من أجل التنمية والتقدم.

ما زالت الهند تواجه تحديات كبيرة من مثل:

– قلة فرص العمل، حيث  يتقدم كل عام للبحث عن عمل، حوالي 1,2 مليون شاب، بينما نسبة المؤهلين منهم مهنيا لا تتجاوز 5%. لكنها بدأت في برامج التربية والتأهيل، والإستفادة من خبرات دول غربية، وفي مقدمتها ألمانيا، التي تعتبرها شريكا طبيعيا لها.

– تعاني الهند من مجتمع شديد التفاوت الطبقي، نتيجة لعوامل دينية وثقافية. ولكنها تحاول إيجاد فرص عمل لمحاربة الفقر. لا سيما أن 700 مليون هندي يعيشون تحت خط الفقر. وتُجري تعديلات على ثقافتها الطبقية السائدة (الفارنا والجارتي)..

– يعيش أغلبية الشعب الهندي في الأرياف، ويعمل حوالي 50% منهم في الزراعة ( أغلبهم بدون عقود عمل)، ولأن نسبة مشاركة القطاع الزراعي في الناتج المحلي لا تتعدى 16%، تبحث الهند عن بدائل ، وعن تطوير القطاع الصناعي، وإستقطاب الإستثمارات الخارجية بإستمرار.

حيث بلغ حجم الإستثمار الخارجي المباشر في الإقتصاد الهندي 45 مليار دولار أمريكي عام 2018. وكان أهم المساهمين من سنغافوره، ماليزيا. وتسعى الهند لفتح المجال لمزيد من الإستثمارات في قطاعات البناء، الدفاع، وبناء سكك الحديد.

– تعاني الهند من عدم إستكمال بنيتها التحتية، تحديدا في مجال الطاقة الكهربائية، والمواصلات. وتحتاج لتقوية قطاعاتها الإقتصادية تحديدا القطاع الصناعي، إلا أن فرصتها كبيرة لتحقيق أهدافها مستقبلا.

– كما تعاني الهند من حساسية تركيبتها السكانية، الإثنية، العرقية، الدينية، وعلاقتها مع الباكستان. بالرغم من ذلك، فهي جمهورية فيدرالية تتألف من 28 ولاية، وسبعة أقاليم، ولديها نظامها البرلماني.

– تقف الهند أيضا أمام تحدي الفساد، والبيروقراطية، وإستغلال العُمال، وعمالة الأطفال.

رغم هذه التحديات الكبيرة، إلا أن الهند حققت تقدما في مجال تكنولوجيا المعلومات، مراكز الإتصال، إنتاج الأدوية، وغيرها من القطاعات. وينظر العالم إليها على أنها أكبر ديمقراطية  في العالم!

 وهناك رغبة حقيقية في دعمها ، ونقل التكنولوجيا لها ، لإيجاد حالة من التوازن الإستراتيجي ، أمام تقدم التنين الهندي. ولأنها شريكة للولايات المتحدة الأمريكية في ضمان النفوذ في حوض المحيط الهادي. وذلك بالرغم من حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية، وحجم الإستثمارات الصينية في هذه الدول، تحديدا في أمريكا.

هناك دراسات تتوقع أن  تصل الهند إلى المرتبة الثالثة عالميا على الصعيد الإقتصادي في المستقبل ، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، والصين. متجاوزة حتى ألمانيا، بريطانيا ، واليابان.

إن عالم المستقبل يقوم على المصالح الكبرى، والتحالفات الكبرى، والعلاقات الإستراتيجية، ولا يُمكن أن يكون لدولة عربية لوحدها مكانتها في هذه المنظمومة على المدى البعيد، دون تحولات عميقة في السلوك والسياسات، والتخطيط، والتكامل التنموي فيما بينها.

يقول المثل الروسي: من يأني متأخرا…تعاقبه الحياة.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here