مهند إبراهيم أبو لطيفة: الحرب الإلكترونية الشاملة في الخليج

مهند إبراهيم أبو لطيفة

بعد إسقاط إيران لطائرة إستطلاع أمريكية بدون طيار، وما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” عن إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمرا سريا بشن هجمات إلكترونية إنتقامية ضد إيران، بدأت ملامح المواجهة القادمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ، تتضح أكثر، خصوصا في حال عدم التوصل لإتفاق سياسي، يُبعد شبح المواجهة  العسكرية عن المنطقة، التي ستكون نتائجها وخيمة، ومدمرة عسكريا وبشريا وسياسيا وإقتصاديا.

عندما إخترع ماركوني أول جهاز إتصال لاسلكي، قبل بضع سنوات من إندلاع الحرب بين روسيا والإمبراطورية اليابانية عام 1904، والتي تعد أولى الحروب التي أستخدم فيها الراديو والإشارات اللاسلكية، من قبل القوات البحرية في الجيشين، لم يكن يخطر في باله ، مقدار التطور الهائل ، الذي سيشهده هذا الحقل، مع تطور نًظم البرمجيات، وظهور ثورة تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، وتعدد وتوسع تطبيقاتها.

سيكون العنوان الأبرز في  أية مواجهة عسكرية بين الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة، هو الإستخدام الواسع للقدرات الإلكترونية لدى الطرفين، كجزء رئيسي من ترسانتهما العسكرية، والتي على أساسها بالإمكان حسم  نتائج المعركة إلى حد كبير.

منذ سنوات طويلة، تسعى الجيوش الحديثة في العالم، خصوصا جيوش الدول العظمى، لتطوير منظومتها الإلكترونية لدورها في حروب المستقبل، وتخصص لها ميزانيات ضخمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

حسب بعض المصادر تمتلك إيران منظومة دفاع إلكتروني، يُعد الأقوى في العالم بعد الصين، حسب تصنيف ” ريتشارد دكلارك “، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ومؤلف كتاب ” الحرب الإلكترونية ” الصادر عام 2010. وحسب مصادر آخرى، كثفت إيران من تطوير إمكانيات جيشها الإلكتروني، بدأ من عام 2012، وباتت تمتلك على تقنيات واسعة في هذا المجال.

تكمن أهمية تطوير القدرات الإلكترونية، في حماية منظومة الصواريخ الإيرانية، والتي تعتبر الهدف الأبرز ، في حال إندلعت مواجهة عسكرية في المنطقة، إضافة  للأهمية المركزية للمنظومة الإلكترونية للجيش بشكل عام، والتي تُعتبر الجهاز العصبي في إدارة المعركة، وستسعى الولايات المتحدة لمحاولة شل حركته بالتأكيد ، كجزء من خطة المواجهة العسكرية فيما لو تم إعلان الحرب.

للمنظومة الإلكترونية أهدافها الدفاعية وأخرى هجومية، وتشمل التجسس على الأهداف وتحديدها، الإستطلاع والتخطيط ثم التوجيه لمختلف أنواع الأسلحة الجوية والبرية والبحرية.  فيما يتعلق بالجمهورية الإيرانية، من ضرورات أمنها القومي أن تكون لديها خطة دفاعية قوية ومدروسة بدقة لحماية منظومتها الإلكترونية وقت الحرب ، من التشويش والتعطيل والتحييد.

لن تتردد الولايات المتحدة ولإعتبارات كثيرة متعلقة بمركزها الإمبراطوري العالمي، في إستخدام آخر ما توصلت له صناعتها العسكرية، من أجهزة ومعدات لخوض حرب إلكترونية شاملة ، ضد الجمهورية الإيرانية، في حال تم إتخاذ قرار شن الحرب، وستكون أولى أهدافها المتوقعة:

بعد الإستطلاع الِإشعاعي الكهرومغناطيسي، وتحديد مفاصل القوات الإيرانية ووسائلها ومعداتها، ستحاول تعطيل إمكانياتها على إستخدام المجال المغناطيسي، وحرمانها من كشف الأجهزة والمعدات المستخدمة في الجيش الأمريكي، ثم توجه لها ضربة  شاملة، تساهم فيها جميع قطاعاتها العسكرية، من جوية وبحرية وبرية، وأقمارها الإصطناعية.

وستعمل على تعطيل أجهزة الرادار العسكرية، وأجهزة الإنذار والمراقبة، والسيطرة على المجال الجوي والبحري، إضافة لتوجيه ضربة للمنظومة الصاروخية.

تمتلك السفن الحربية، والغواصات على قدرات إلكترونية ، لتحديد أهدافها بدقة، وخصوصا في أعماق البحار والمحيطات، والكشف عن الألغام البحرية، وهناك منظومة محمولة جوا مخصصة للحرب الإلكترونية، إضافة لوحدات الأسطول البحري.

ومن المتوقع – حسب آراء الخبراء – أن تتم محاولة تعطيل المواقع الأساسية على شبكة الإنترنت ، مثل العسكرية والمالية، الإتصالات، الأنظمة الحكومية وغيرها.

وبالرغم من إمتلاك جيش الكيان الإسرائيلي ، وبعض الجيوش في منطقة الحليج الموالية للولايات المتحدة، لتقنيات إلكترونية متقدمة، في منظومتها العسكرية ، ولكن على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تقريبا، الإعتماد على قدرات جيشها ، فهل تتوفر الإرادة السياسية لإتخاذ هكذا قرار وتحمل نتائجه ؟.

يمتلك سلاح الجو الإسرائيلي مثلا على  سرب من الطائرات التجسسية من نوع ” نحشون “، يبُسمى بالسرب 122،  وتستخدم هذه الوحدة طائرات من نوع (Guifstream) ، من إنتاج الصناعة الجوية الإسرائيلية، بإمكانها التجسس عن بعد ، ويمكن لطاقمها تحليل المعلومات على متن الطائرة مباشرة، وتقوم بمهام سرية غالبا. وتقوم شركة ” ألتا ” المختصة بالحرب الإلكترونية ، بتزويد الطائرات بأنظمة إنذار مبكر وتقنيات إستطلاعية كبيرة لتحديد الأنظمة الإلكترونية عن بعد مئات الكيلومترات.

منذ مدة طويلة، لا يقتصر إستخدام تقنيات الحرب الإلكترونية، على الجيوش النظامية، بل تمتلك الحركات والجماعات المسلحة – وطبعا قوى المقاومة في لبنان وفي قطاع غزة – منظومتها وخطتها لإستخدام تقنيات الحرب الإلكترونية ولو بشكل متواضع. وستشكل إستراتيجية خوض الحرب الغير تقليدية، سلاحها الأقوى والأكثر فاعلية، إضافة لوسائلها وتكتيكاتها المفاجئة والمحتملة.

ستتغير المعادلة تماما، لو أعلنت بعض الدول وقوفها وبشكل حاسم ، وبما تمتلكه من قدرات عسكرية، إلى جانب الجمهورية الإيرانية، والتصدي للولايات المتحدة الأمريكية، وإجبارها على تقليص سياستها التصعيدية في المنطقة ، وإيجاد إطارعام لحل سياسي.

كانت الجيوش الكلاسيكية، والتي تتعرض لهجوم خارجي، أو عدوان عسكري من قوة أكبر، تضع في حساباتها إحتواء الضربة الأولى، وغالبا ما تتم عن طريق سلاح الطيران عبر ضربات لأنظمة التحكم والسيطرة، ولكن مع توسع إستخدام منظومة الحرب الإلكترونية، بات الأمر مختلفا تماما، ومن المهم الإعتماد على الإستطلاع الإلكتروني والإنذار المبكر والتحديد بدقة للتوقيت والوسائل الدفاعية والهجومية مع إندلاع الشرارة الأولى للحرب، والتي نتمنى أن لا تحدث، وأن يتم التوصل لنوع من الحل السياسي، يحمي المنطقة من دمار شامل، ستدفع ثمنه شعوب المنظقة.

 الحرب الإلكترونية  في إطار الحرب الحديثة وضمن المنظومة العسكرية المتطورة ، ليست لعبة أطفال على شاشة جهاز الحاسوب، فهي تهدد أمن ووجود الأمم والدول.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here