مهند إبراهيم أبو لطيفة: الثورة الصناعية الأولى… دُروس الماضي

مهند إبراهيم أبو لطيفة

شهدت انجلترا في منتصف القرن الثامن عشر (1760 م) تحولات نوعية بالانتقال من استخدام وسائل الإنتاج التقليدية في الزراعة والصناعات اليدوية، إلى المكننة والتصنيع بشكل متزايد، مما أدى إلى طفرة اقتصادية انتقلت بالتدريج إلى باقي الدول الأوروبية ، ثم إلى باقي  دول العالم.

 رافق هذه المرحلة تغييرات جذرية اجتماعية ، اقتصادية ، ثقافية اخذت طابعا دوليا، مما اكسبها اهمية خاصة، فعُرفت بالثورة الصناعية الأولى، على اعتبار أن الثورة الصناعية الثانية بدأت عام 1870م مع استخدام الطاقة الكهربائية، والثالثة بدأ من عام 1969م مع إختراع الحاسب الآلي ، الثورة الرقمية ، وثورة الاتصالات العالمية. والرابعة وهي التي بدأت منذ سنوات قليلة مع تطور التقنيات الحديثة ومع البحوث الجينية ، استخدام الريبوتات، الصناعة الدقيقة باستخدام تقنية النانو ،  الذكاء الصناعي، التكنولوجيا الحيوية، انترنت الأشياء، الحوسبة الكوكمية(معالجة البيانات)،الطباعة ثُلاثية الأبعاد.

يُقدر أن حوالي 80% من سكان العالم ، كانو قبل الثورة الصناعية يعملون في الزراعة لسد احتياجات بقية سكان الأرض. وبالرغم من ذلك كانت كثير من مناطق العالم تشهد حدوث  المجاعات.  ومع انطلاق الثورة الصناعية أصبح بالامكان زيادة معدلات الإنتاج خصوصا في مجال الزراعة بشكل ملحوظ. فمع انتقال أساليب العمل من التقليدية إلى أساليب جديدة مع استخدام الآلات بدأ عدد كبير من الفلاحين ينتقلون من العمل بالزراع في مناطقهم للانتقال إلى المُدن للعمل في المصانع والمعامل، وهاجر عدد كبير من الحرفيين والصُناع الأوروبيين إلى انجلترا، فنشأت هناك طبقة عاملة ، وحدثت  بالتدريج نفس التغيرات الديمواغرافية في باقي الدول الاوروبية، بدأ التحول من عصر الإقطاع إلى الرأسمالية.

كان من أهم  الصناعات الأولى التي  ساهمت في هذه القفزة الحضارية:

  • الصناعة القطنية

  • الصناعة التعدينية

  • استخدام الآلة البخارية

وعلى الرغم من أن انجلترا في تلك المرحلة ، لم تكن الدولة الأكثر تقدما وانفتاحا على العالم من غيرها من الدول الأوروبية ، لكنها كانت تملك عوامل ساعدت على أن يكون لها السبق في انطلاق الثورة الصناعية من أراضيها. فما هي أهم هذ العوامل:

  1. تعتبر أهم الانجازات الحضارية التاريخية للمجتمعات ، نتاج تراكم حضاري متواصل تفاعلت فيه ثقافات مختلفة ، استفادة من بعضها البعض ومن تراكم خبراتها وانجازاتها لصناعة نهضتها. وهذا ينطبق على اوروبا بشكل عام وانجلترا بشكل خاص، فهي كباقي الدول الأوروبية استفادت من الإرث اليوناني، الروماني، العربي الأندلسي. فعلى سبيل المثال لا الحصر: كان للعرب تأثير كبير على الفكر الأوروبي في مجالات مختلفة منها الثقافية ، الزراعية ، العلمية، الصناعات التقليدية. تأثر الأدب الاوروبي بالأدب العربي،أثر التصوف العربي الإسلامي على الفكر الأوروبي( ابن عربي، ابن عباد الرندي،كتابات الغزالي). تأثرت الفلسفة الاوروبية  في العصور الوسطى بالترجمات اللاتينية لأعمال ابن سينا، الكندي، الفارابي، ابن رشد الذي كان له تأثير كبير جدا على الفكر الاوروبي). استفاد الاوروبيون من العلوم العربية في مجال الطب، الطبيعة ، الكيمياء، الفلك ، الرياضيات ،علوم الزراعة وترجموا كتب عن الزراعة عن العربية  تتعلق بالأزهار، الفواكه، الأعشاب،، بل واستقدموها من الأندلس. واستفادوا من الصناعات العربية مثل صناعة السُفن،الصابون، استخراج السكر من القصب ليدخل اوروبا. عن طريق العرب دخل الورق الصيني إلى اوروبا. واستفادو من الصناعت الكيميائية العربية ، فن العمارة ، الموسيقى واستخدام الآلات، الفن تحديدا في ايطاليا. اضافة للعديد من بحوث الجغرافيا، قياس محيط الأرض زمن الخليفة المأمون، اكتشاف غيوم ماجلان التي اهتدى بها  في رحلاته حول العالم. وعلى من يشكك باهمية دور العرب ، أن يتذكر أهمية أن تكون منطقتنا العربية مهد الديانات الثلاث، وتأثيرها على الوعي الأوروبي. ناهيك عن تأثير الفراعنة ، الكنعانيين والفينيقيين وارثهم الحضاري الكبير وتأثيره على اليونان والرومان. كما نتعلم نحن  من الثقافة الأوروبية  ونستفيد من انجازاتها إلى ابعد حد في هذه المرحلة التاريخية.

  2. استفادة انجلترا- وباقي الدول الاوروبية- من عصر الاستكشافات. وكانت نقطة البداية بتأسيس المستعمرة البرتغالية في ‘‘سبته‘‘ عام 1415. لتكون المحطة الا,لى لظاهرة الإستعمار. بدأت الحملات الإستكشافية البرتغالية البحرية، واقامة محطات التجارة ونقل العبيد على الشواطيء الافريقية ، بدعم كبير من بابا الفاتيكان أيضا للحد من إنتشار الإسلام. في نهاية القرن الخامس عشر انضمت  اسبانيا لجولات الإستكشاف . مهدت بعثات فاسكو دي غاما البرتغالي، تمويل بعثة كريستوفر كولمبوس، وبعثة ماجلان، لاحتلالات عسكرية مباشرة ,وانشاء مستعمرات في المناطق الغنية، وامكن الحصول على ثروات وكنوز كثير من الشعوب. كان ارسال المستوطنين إلى بعض المناطق المُستعمرة، مثل  احتلال بريطانيا لعدن، مصر، نيجيريا، فرنسا للجزائر  وفيتنام، فرصا استفادوا منها في تراكم الثروة. تمت السيطرة على طرق المواصلات، أمكن الحصول على المواد الخام ( كالقطن المصري، الماس والذهب من جنوب افريقيا، الأسفادة من الأراصي الزراعية في الشمال الإفريقي ولاحقا الهند، امريكا اللاتينية….). ومع تمكن الهولنديين من صناعة السفن  وانجلترا من السيطرة على البحار وتحييد البرتغال، اصبحت ‘‘سيدة البحار‘‘ بلا منازع ووصلت سفنها إلى الهند، والصين والعالم الجديد مع كل ما يعنية أن تصبح القوة العُظمى في العالم.

  3. الحصول على ايدي عاملة جديدة عبر الاسترقاق وتجارة العبيد. فقد تم استقدام ( أو خطف) قرابة 12 مليون من الرجال والنساء الأفارقة من اوطانهم ، للعمل في المناجم والحظائر وحقول السكر والارز والتبغ التي اقامها المستعمرون الإسبان والهولنديون والفرنسيون والدانماركيون والإنجليز، على إمتداد نصف الكرة الأرضية الغربي. فقد وفرت طرق الملاحة البحرية في المحيط الأطلسي هذه الإمكانية. ومهد تراكم رأس المال للاستفادة من الثورة الصناعية.

  4. ادعى بعض المفكريين الأوربيين ، أن تميز العقل الأوروبي، كان سببا في أن تنظلق الثورة الصناعية من انجلترا، فالعالم حاريد دايموند واستاذ التاريخ ديفيد لاندس، برروا صعود الغرب على أنه دليل التميز الجغرافي والبيولوجي الغربي. ولكن الأكثر واقعية وعلمية، أن حركة الإصلاح الديني ، وتخلص العقل الأاوروبي نبسيا من فكر وسلطة العصور الوسطى، هو الذي ساهم في نقلة نوعية ، عصرية ، واقعية قادت إلى الإبتكار والاختراعات والانفتاح على العلم والعالم.كان للكالفينية واللوثرية تأثيرهم الكبير. حتى أن ‘‘مفهوم الأخلاق البروتستانتية‘‘برز في علم الإجتماع والإقتصاد والتاريخ كما عبر عنه ماكس فيبر. ساهم فكر كالفن ومارت لوثر في التأكيد على أهمية العمل، الدقة ، الإنضباط، الإخلاص ، النجاح،التسامح، المثابرة، كعلامة على الخلاص الشخصي بالمسيح أو ضمان الخلاص، وبالتالي أهمية الأعمال الدنيوية وحق التملك ومراكمة الثروة واعتبارها نعمة من الله. وتعززت بالتالي حرية الفرد بعيدا عن سُلطة الكهنوت التقليدية وظلامية العصور الوسطى مع أنه تجدر الإشارة أن الأديرة كانت مراكز للترجمة والعلم.

  5. قامت انجلترا بتوحيد مقاطعاتها تحت نظام ملكي دستوري منذ قيام ثورة وليم اورال عامخ 1869م.

  6. رفعت القيود عن حرية انتقال رأس المال ، والجمارك والضرائب الإقطاعية.

  7. توسيع المساحة الزراعية ولاحقا استخدام الماكنات لرفع الإنتاج.

  8. امتلاكها لاسطول بحري ضخم واسطول تجاري الأضخم في العالم.

  9. الاهتمام بتوسيع شبكة الإتصالات والمواصلات البرية والبحرية، بناء الجسور، والقناطر. ربطت طرق المواصلات مفاصل الصناعة والتجارة، وشكلت قاعدة اقتصادية مترابطة مع بعضها ، توفرت قدرة على تنظيم التصدير والإستيراد خصوصا مع تطور سكة الحيد.

  10. توفر مناجم الحديد والفحم الحجري وسهولة استخراجه نسبيا في انجلترا لانه كان اقرب إلى سطح الأرض مقارنة بباقي الدول. وكانت انجلترا تمتلك مخزونا كبيرا من الفحم.كانت محركات البخار تستخدم الفحم البريطاني الرخيص الذي فتح المجال أمام صناعة الفولاذ، والسكك الحديدية كانت بحاجة للفولاذ.

  11. كانت الأجور في بريطانيا مرتفعة وأعلى من مستوى باقي الأجور في الدول الأخرى، بينما كان العامل يتقاضى 11 غرام من الفضة كأجر يومي في لندن، كان في امستردام 9 غرامات، بينما في بكين، البندقية ، فلورنسا أقل من 4 غرامات، وفي دلهي اقل من غرامين. مما دفع أصحاب المصانع للبحث عن الآلات لاستبدال العمالة اليومية وتوفير تكاليف الإنتاج، لا سيما أن تكاليف الوقود رخيصة. وبدأت الشركات تسعى وتدعم الاختراعات والابتكارات واستخدام تقنيات جديدة، مما راكم مزيدا من رأس المال. توفرت المواد الأولية وأيضا مصادر الطاقة.

  12. استفادت انجلترا من القطن الهندي الرخيص، ولكثرة الطلب عليه في السوق، بدأت عملية المكننة لتحقيق المزيد من الإنتاجية والأرباح.

  13. دعم البرلمان البريطاني للابتكار والاختراع، وتقديم حوافز مادية للعلماء. كان الملك في انجلترا هو أكبر مالك للأراضي، وله امتيزات استثنائية مثل الحصول على دخل لقاء منح الاحتكارات وصكوك براءة الاختراع وعقود تأسيس الشركات. وصار النبلاء أيضا يساهمون باستغلال المستعمرات والتجارة لجني الأرباح. ساهمت الأرستقراطية بقوة في توفير مناخات مناسبة للثورة الصناعية.

  14. تأسيس شركات تجارية خاصة وارسال السفن لشتى بقاع الأرض لكسر الاحتكار الإسباني والبرتغالي. فتم تأسيس شركة الهند الشرقية الإنجليزية التي تأسست عام 1600، والتي أقامت مستعمرات في المدن الهندية بحلول القرن الثامن عشر، ونجحت بريطانيا بالسيطرة على أراضي الهند.

  15. استطاعت انجلترا أن يكون لديها إقتصاد مُنظم، وتشريعات مناسبة، ووجود نظام بنكي عملي. واستفادة إلى أقصى حد من التجارة الولية، وتراكم رأس المال خصوصا في القرنين السادس والسابع عشر. سهلت المصارف عملية التبادل التجاري وتمويل المصانع. كان لبنك انجلترا الذي أسسه الاستكلندي وليام باترسون في عام 1694م يقوم بدعم الخطط الإقتصادية للحكومة.

  16. كانت الدولة تضمن حرية المنافسة، توفر مناخ من الإستقرار. وكان الفساد الحكومي أقل من باقي الدول مثل اسبانيا وفرنسا على سبيل المثال.

  17. التنافس الإستعماري مع باقي الدول الأوروبية.

  18. لعبت بعض الابتكارات والاختراعات دورا حاسما في تقدم الثورة الصناعية مثل: اختراع جورج كاي المكوك الطأئر عام 1733م، اختراع جيمس هارغريفز دولاب الغزل عام 1765م، اختراع ريتشارد ادكرايت المغزل المائي عام 1769م، تلاه نظام التعدين والطاقة بعد استخدام ابراهام داربي للفحم الحجري في صهر الحديد بدلا من الفحم الخشبي. وعندما تم ابتكار جيمس واط للآلة البخارية عام 1765م ، حلت الطاقة الحرارية كبديل للطاقة العضلية في عدة مجالات، وساهمت في تطور السكك الحديدية.

بشكل عام ، قامت الثورة الصناعية نتيجة للنهضة الأوروبية العلمية الشاملة التي استفادت منها اوروبا لاقصى حد بدعم الدولة، وطبقة طموحة تسعى للربح من أصحاب رأس المال. رافقتها قوة عسكرية. إنها منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة ،على أسس عملية حياتية واقعية، على درجة عالية من التنظيم والجدية ، في اطار دولة قومية، انتهاز الفرص وتراكم الخبرات.

Berlin

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here