مهند إبراهيم أبو لطيفة: الثورات لا تفشل… هي مقدمات لثورات جديدة

مهند إبراهيم أبو لطيفة

يعتبر عدد من المؤرخين، ومنهم المؤرخ الألماني هاينرش ترايتشكه، الفترم ما بعد عام 1800م ، من أكثر الفترات أهمية وازدهارا في التاريخ الألماني. ففي تلك الحقبة من التاريخ ، عاش أهم الفلاسفة والكُتاب والفنانين والموسيقيين الألمان الذي عُرفوا على مستوى العالم، مثل غوته، شيلر،كانت، فيشته، هيغل، انجلز، ماركس،، هايدن، موتسارت، بيتهوفن. إضافة لعدد كبير من السياسيين والاقتصاديين والمخترعين المتميزين.

وبالرغم من أن ألمانيا في ذلك الوقت، كانت تشتمل على عدد كبير من الدويلات، وليس للقيصر سُلطة حقيقة عليها ، وغابت السُلطة المكزية المطلقة، إلا أن هذا الوضع أدى لوجود نوع من الحُرية السياسية ،مما اشاع مناخا مُريحا للابداع والتنوع.

دفعت حالة التجزئة عدد من المثقفين الألمان، لرفع اصواتهم مطالبين بدولة دستورية قومية، وصيغة توحيدية للشعوب الناطقة باللغة الألمانية، كباقي الدول الأوروبية التي سبقتهم. فمثلا كان على التاجر أن يدفع تعرفات جمركية كل ما مر من دويلة إلى دويلة وهو في طريقه لتصريف بضاعته، وتصل أحيانا إلى أضغاف القيمة الحقيقية للسلعة. مما شكل فيما بعد حركة طالبت بتوحيد الرسوم الجمركية في ألمانيا.

ومع ارتفاع مستويات التعليم الأساسي، المهني، الجامعي. وتوفير التعليم بشكل مجاني لجميع أفراد الشعب، تكونت شرائح أجتماعية مختلفة لها طموحاتها الإقتصادية، العلمية، القومية. وكانت نسبة الأمية في كل ألمانيا،هي فقط واحد من بين كل ألف مُتعلم.انتشرت المدارس في كل مكان، كُونت قاعدة أساسية للنهضة الحضارية.

ساهمت المعاهد والمؤسسات التعليمية ، ومراكز البحوث في تحقيق نهضة حقيقية واكبت المكننة والتصنيع التدريجي وتم دعمها من قبل رأس المال.

وفر النمو الإقتصادي والنمو السكاني ، احتياجات جديدة وتحديات جديدة. وصل عدد سكان ألمانيا عام 1890م إلى 45 مليون نسمة. كان ما يميز المرحلة أيضا ، الزيادة في الإنتاج . فمثلا تم انتاج 89 مليون طن من  الفحم في عام 1890م، مقارنة ب 227 مليون طن عام 1914م. وتم إنتاج ملايين الأطنان من الحديد والُصُلب وصل عام 1914م الى 17,6 مليون طن ، ما يزيد عن إنتاج بريطانيا وفرنسا مجتمعة. وكان للفحم والحديد أهمية كُبرى لتلبية احتياجات الإنتاج والتصنيع.

تشكلت طبقة عاملة كبيرة، وكان لها أيضا مطالبها من حيث  تحسين ظروف العمل والمعيشة، خصوصا أن أغلب العمال كانوا ينتقلون من الريف إلى المدينة .

بالرغم من ذلك كله، اندلعت في عام 1840م ثورة عمت ألمانيا كلها، سبقتها ومنذ عام 1832م، موجات احتجاجية  تُطالب بالاصلاح ، وتدعو للوحدة بين الشعوب الألمانية. استلهمت هذه الثورة أفكارها  من الثورة الفرنسية ،وكانت جزءا مما سُمي بالربيع الأوروبي أو ربيع الشعوب الأوروبية،ويعرف أيضا بربيع الأمم، وعام الثورة.

عمت اوروبا سلسلة من الإضطرابات السياسية والموجات الثورية، كان طابعها في الغلب ديموقراطيا، مناديا بازالة الهياكل الإقتصادية القديمة من أجل قيام دولة حديثة.

شملت الثورات قرابة خمسين دولة أو دويلة أوروبية- بالرغم من الخصوصيات الثقافية والإجتماعية لكل دولة-، ولم يؤرخ انها كانت تُنسق مع بعضها البعض، ولكنها اشتعلت في نفس المرحلة، لوجود شعور عام بضرورة التغيير وزيادة المشاركة السياسية في صناعة القرار، صياغة أسس جديدة  تقوم عليها الدولة، كتابة دستور جديد.

ورفعت مطالب من أجل الحريات العامة، حرية الصحافة ، مطالب للعمال والفلاحين، والدعوة لاعادة هيكلة الجيش والقوات المُسلحة.

الجدير بالذكر ان فريدرش انجلز وكارل ماركس، كانا من بين الصحفيين الذين راقبوا هذه التحولات عن قُرب، وتحديدا في إنتفاضة بادن في ألمانيا ولاحقا في مدين كولن، حيث عملا كمحررين في جريدة- تم إغلاقها في 9 مايو 1849م بحجة أنها تتلقى تمويلا من  الإصلاحيين الدستوريين، مما اكسبهما بُعدا نظريا في كتاباتهم عن البرجوازية، الدولة، رأس المال، الطبقة العاملة….الخ.

وبالرغم من التضحيات التي قدمتها الشعوب الأوروبية وبلغت آلاف القتلى، إلى أنها حققت بعض المُنجزات وإن لم تحقق تغييرات جذرية شاملة ، على سبيل المثال:

النمسا والمجر: تم إلغاء الإقطاع والقنانة

الدانمارك: نهاية الُلكية الُمُطلقة

هولند: اعتماد البرلمانية الديموقراطية

بروسيا: انهاء الإقطاع

بالرغم من دعم الطبقة الوسطى في هذه المجتمعات للثورات وتبنيها للمباديء الليبرالية الدستورية، إلى أنها ونتيجة الإنقسام بين مكونات الثورة لم تُحقق كل أهدافها.

 بدا ذلك واضحا في ألمانيا بالذات، حيث عادت الأرستقراطية المحافظة وخمدت الثورة، مما اضطر عدد كبير من الوطنيين الألمان للهرب من الإضطهاد إلى الولايات المتحدة الامريكية ومنهم: كارل شورتز، فريدريش هيكر، فرانس سيجل. واشتهروا في الولايات المتحدة بأسم مجموعة الثمان واربعين ، نسبة إلى سنة الثورة ، وسكنوا في تكساس هيل.

ومع حلول عام 1851 ، تم سحب معظم مكتسبات الثورة الألمانية، وتم إلغاء الحقوق الأساسية.

 لم تكن الثورة الألمانية تستند مثل الثورة الفرنسية على دولة قومية دستورية قائمة، فأمكن تجاوزها. بينما كانت القوى المشاركة في الثورة الألمانية تتجادل ما بين يسار ويمين ، محافظ وراديكالي، كاثوليكي وبروتستانتي،أنصار النمسا ضد أنصار بروسيا، وعجزوا عن اقامة تحالف فيما بينهم واضح الأهداف والإستراتيجية، استطاعت القوى الملكية الإلتفاف عليها وعلى مكتسباتها فانتهت الثورة في 31 مايو 1849م، بحل الجمعية الوطنية المُنتخبة في فرانكفورت.

في السياق التاريخي، فيما بعد هذه الحقبة ، جائت موجات أخرى من الإنتفاضات والثورات في القارة الأوروبية، ولم تكن سنة 1848م نهاية التاريخ، ولعل الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م، أهمها على الاطلاق.

مع الأخذ بعين الإعتبار الفوارق الحضارية ، والسياسية والإقتصادية لمنطقنا العربية،فما زلنا نتقاسم الظروف نفسها مع حقبة الربيع الأوروبي. فمنذ تأسيس الجمعية العربية الفتاة في باريس عام 1891م ،والمؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913،

ما زلنا نبحث عن اجابة على السؤال الكبير من نحن؟.

منذ كتابات ساطع الحُصري وقسطنطين زريق، ما زلنا لم تتبلور لدينا رؤية واضحة لما نريد. وبالرغم من بعض الإنجازات التي تُسجل للقوى الإسلامية في التحرر النسبي من الإستعمار، والحركات القومية العربية، مثل الإصلاح الزراعي، التأميم، الصحة ، التعليم، مكافحة الأمية، وبعض الحريات للمرأة، واعتبار القضية الفسطينية قضيتها المركزية، ومحاولات التصدي للسياسات الإستعمارية. إلى أنها تحولت إلى تجارب قمعية، أنظمة مخابراتية، طبقة أوليغارشية تُهيمن على المجتمع وتتمسك بالسلطة ، وتهادن المستعمر بل وتربط بعضها علاقات مشبوهة به.

 بالانقلابات في أهم الدول العربية، رسخت الإستبداد كما حصل في مصر،سورية،العراق، ليبيا، السودان. وفاقم من الوضع الصراعات الدونكيشوتية فيما بينها والمغامرات عير المحسوبة، واقصاء قوى المجتمع الحية، بينما فشلت تجربة الاحزاب اليسارية وانحسر دورها لأخطائها القاتلة وكان أولها الاعتراف بقرار التقسيم عام 1947 م. ناهيك عن الشعارات المُنفرة ضد الدين، والتيه ما بين ما هو قُطري وما هو قومي، والإنشقاقات الكثيرة،الفساد المالي، سيادة العقلية الستالينية في الحياة الداخلية، والقيادات والزعامات الخالدة المُخلدة للأبد.

وكان معظمها صدى للبرافدا السوفيتية بدلا من تطوير لغة واضحة تقترب من الشعب. ثم تحول مُعظمها إلى صف الإحتلال أو تخلى عن “مصالح الجماهير ” و ” ديكتاتورية البروليتاريه “.

مثل الثورة الألمانية ، لم ترتكز القوى العربية لدولة حقيقية قومية قائمة، بل إلى كيانات لم تكتمل بعد، مما جعلها تسقط بهذه السهولة.

ما زالت بعض الدول العربية الكبيرة لم تترسخ في عقول مواطنيها أهمية إيجاد كيان عربي مُوحد حقيقي ، يتجاوز ما سمي” بالجامعة العربية ” دائمة الحضور في غرفة الإنعاش.

 ما زلنا بحاجة لايجاد صيغة للنهوض القومي الذي يُمكن أن يحقق التنمية الحقيقية ، والسيادة ، ولكن على أسس جديدة تُلبي طموحات الشعوب في الحرية ، العدالة الإجتماعية، النهضة الشاملة.

لن تستطيع الموجات الثورية ، والاضطرابات الحالية في منطقتنا تحقيق ما نتوقعه منها، ولكنها ستكون المقدمة لموجات اخرى قادمة.

وحد بسمارك ألمانيا منطلقا من بروسيا، الإقليم الأقوى في الإتحاد الأوروبي، بينما اقليمنا العربي الأقوى، واقصد مصر، كان مشاركا في مؤتمر باريس بصفة مراقب  عام 1913م، ولم تترسخ فيه الأفكار القومية إلا بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م ومع عبد الناصر، فهل يكون لمصر دورا مستقبليا في تحقيق هذا الأمنيات؟ .  أم ستتشابه التجربة – مستقبلا- مع  ما حدث في أمريكا،كندا، الهند، البرازيل،استراليا،الأرجنتين، روسيا، حيث كانت الدولة سابقة على القومية.

إن شعوبنا العربية ،واحزابها تنحسر أكثر وأكثر نحو القطرية، العشائرية، الطائفية، العائلية. وما زالت لم تتشكل هويتها الجامعة الحقيقية، ما زال المشروع الحضاري لم يتبلور بشكل واضح بعد. بالرغم من وجود وحضور الجماهير في الشوارع مطالبين بالتغيير والاصلاح.

 ولكن أحلامهم لن تتحق  بدون روافع حقيقية غائبة في الوقت الحاضر ولأسباب عديدة أهمها: الإستبداد، موازين القوى ، وطبيعة الطبقة الحاكمة. ولكن ومع استمرار التناقضات الإقتصادية والإجتماعية، فستأتي الموجة الثانية.

العالم يتغير بشكل مُتسارع، ومنطقتنا في قلب هذا التغييرات، وكل من يًضيع الفرصة سيتحول إلى ذكرى، مجرد ذكرى.

abulatifeh@hotmail.de

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here