مهند إبراهيم أبو لطيفة: الإستراتيجية الإسرائيلية والمشروع الوطني الفلسطيني

مهند إبراهيم أبو لطيفة

يُروج بعض الإعلام الإسرائيلي، أن أغلب الأنطمة العربية ” تلهث” وراء التطبيع، وإقامة علاقات متقدمة مع دولة الإحتلال، وأن القضية الفلسطينية ، قد أصبحت قضية هامشية أو ثانوية بالنسبة لهذه الأنظمة، وما على الفلسطينيين سوى القبول، بما يقدم لهم من حلول أو تسويات، ومنها ما عُرف بصفقة القرن.

 ويبدي هذا الإعلام إستغرابه الشديد وعدم تفهمه ، للموقف الفلسطيني الرافض لورشة عمل المنامة الإقتصادية، والتي تُعتبر حلقة من حلقات تصفية القضية الفلسطينية ، وهي مرفوضة بلا شك.

بالرغم من الوعي الفلسطيني، لحقيقة أن القضبة الفلسطينية، لم تعد هي القضية المركزية بالنسبة لكثير من الحكومات العربية. إلا أن  الثابت هو سعي إسرائيل بدرجة ولهفة أكبر ، نحو توسيع وتطوير علاقاتها مع محيطها الإقليمي.

منذ قيام دولة الإحتلال، والإستراتيجية الإسرائيلية العامة لم تتفير أبدا، وكل ما كان يتم ، هو تغيير في إدارة الأزمات وتكتيكات التعامل مع المراحل المختلفة. ومن أهم ملامح هذه الإستراتيجية ، وهي إستعمارية تفليدية بإمتياز:

أولا: تكريس الإحتلال بشتى الطرق الممكنة وعلى مختلف المستويات ، بالطرق القانونية، الدبلوماسية الدولية، الحروب ” الإستباقية” والنزاعات، إفتعال الأزمات واستخدام سياسات القمع والبطش، توسيع الإستيطان والتمدد.

ثانيا: طمس الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني،  وإدانة الضحية ، وإستغلال كل فرصة لتقديم رواية مزورة  عن التاريخ الفلسطيني ، ورفض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الحرية والإستقلال، ورفض متواصل لفكرة دولة فلسطينية ذات سيادة، وإعتبارها مهددا وجوديا لها.

ثالثا: تعميق الإنقسام في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، وإستغلال التناقضات بين أطيافها وتضخيم أخطائها، ووصفها بالإرهاب.لتسويق عدم وجود الشريك المناسب، أو عدم الثقة بقدرة الشعب الفلسطيني، أن يحكم نفسه. بينما تقدم نفسها كديمقراطية  مسالمة مدافعة عن نفسها في ” غابة العرب المتوحشة “.

رابعا: الإستفادة من الدبلوماسية السرية، لطمس قضية اللاجئين أو إستيعابهم ، ولشطب الذاكرة الحية للشعب الفلسطيني. وخصوصا في السنوات القليلة الماضية، وآخرها محاولة إيجاد بديل عن منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين( الاونروا).

خامسا: تحقيق التفوق التكنولوجي والعسكري، لردع دول الإقليم عن تقديم أي دعم حقيقي لكفاح الشعب الفلسطيني، والمساهمة في إضعاف جيوشها أو ” تأهيل قياداتها” .

سادسا: إقامة شبكة من العلاقات الإقتصادية والسياسية والأمنية ، مع دول خارج الإقليم، مثل العلاقات مع القارة الإفريفية، الدول الآسيوية، ودول حلف وارسو السابقة، ومع تركيا منذ عام 1956.

سابعا: التوسع التدريجي في علاقاتها مع الدول العربية لتحييدها خارج الصراع، بدأ بمصر الدولة العربية الأكبر. وربطها باتفاقيات سياسية وإقتصادية وأمنية، سرية وعلنية. وهي ما زالت تسعى لتأكيد علاقات ” المصالح” مع باقي الدول العربية، دون الحاجة للتطبيع الشعبي.

ثامنا: إعتماد سياسة القفز فوق ” الحالة الفلسطينية ” ، والبحث عن تسويات سياسية مع الإقليم ، بدعم أمريكي،لا يجبرها أن تفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني ، بشكل مباشر، ولا يلزمها بالقرارات الدولية ، ولا بالتعامل مع القضايا الجوهرية مثل: الدولة ، الحدود، القدس، حق العودة …الخ.

تاسعا: ربط مصالح وأمن دول الإقليم بشكل أكبر، بكيانها وإمكانياته ، وعلاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وشبكة الداعمين هناك، لعزل الشعب الفلسطيني، وتصفية ما تبقى من مشروعه الوطني بشكل تدريجي،وصولا إلى فرض الأمر الواقع ، حين تحين الفرصة.

 ولا يجب أن نستبعد أبدا، أن تقوم إسرائيل مستقبلا بإجتياح شامل  لقطاع غزة، أو بعمليات ترحيل جماعية، فسياستها تعتمد على ” إقتناص الفرص ” ولن تتردد لحظة لو حانت لها هذه الفرصة.

عاشرا: تُدرك إسرائيل بشكل كبير، الهاجس الدائم لدى بعض الطبقة السياسية في بعض الدول العربية، وقلقها على أنظمتها ومصالحها وسلطتها، وهي على إستعداد – كما تفعل منذ عقود- لتقديم نفسها، كمظلة حماية أمنية، فكل المعارضات الوطنية ، والتيارات على مختلف إتجاهاتها، لها موقف معادي من  الإحتلال الإسرائيلي أيضا. وتشكل ” العدو” المشترك. وتستغل إسرائيل بالطبغ الموضوع الإيراني و خطر حزب الله مؤخرا بشكل كبير، لأنها تسعى لتحقيق نقلة نوعية في العلاقات مع بعض الأنطمة في الإقليم، بشكل متسارع، وتكاملي، وعلى مختلف الصُعد. وتلقى تجاوبا كبيرا لأن هذه الأنطمة لم تُبقي لها سوى المظلة الأمريكية والإسرائيلية، لتختبيء تحتها.

تفرض هذه الإستراتيجية، على القيادات الفلسطينية بشكل أساسي، وعلى عمقها القومي، الإسلامي، الإنساني والأممي، إعادة ترتيب أوراقها من جديد. وبرغم الواقع المرير ذاتيا، وإختلال موازين القوى، والحصار المتواصل، إلا أن البحث عن خيارات حقيقية ومواجهة التحديات،  مسألة أصبحت مصيرية.

لم يعد مقبولا على الإطلاق، أن تستمر الحالة الفلسطينية ، أو واقع الحركة الوطنية الفلسطينية ، على ما هي عليه. ليس الهدف هو التحطيم ، ولا تقديم قائمة طويلة جدا من النقد المُبرر ،ولكن آن الأوان لإعادة صياغة ” المشروع الوطني الفلسطيني” على أسس جديدة، يجمع طاقات ومكونات وآطياف الشعب الفلسطيني.

 لا يُمكن أن تستمر حالة تعارض المشاريع الوطنية أو غيابها ، وأن لا يتم الإتفاق على الحد الأدنى من القواسم الكفاحية المشتركة!.

 ملايين من الشعب الفلسطيني ، غير راضة عن حالة الإنقسام، وتحملكم أنتم يا قادة الشعب الفلسطيني المسؤولية عن إستمرار هذا الإنقسام.

لقد قدم الشعب الفلسطيني وجماهيره في كل الساحات،تضحيات كبيرة من أجل شعار: منظمة التحرير هي المُمثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 وهو مستعد لتقديم المزيد من التضحيات ، ولكن على أساس مشروع وطني واحد ( وليس إثنين أو ثلاثة ) جامع وموحد، ووفق إستراتيجية عنوانها : الوحدة الوطنية العملية، وليس تبادل الإتهامات وإختلاق الذرائع والمناورات مع دول الإقليم، ولا الخطاب الشعاراتي الذي لم يعد يُقنع طفلا.

تمر القضية الفلسطينية- كالعادة- بُمنعطف تاريخي ، ولكنه هذه المرة ، الأشد خطورة ، ويحتاج إلى وقفة تاريخية ، مع الضمير أولا ، ومراجعة نقدية حقيقية، والخروج من حالة إما النشاشيبية أو الحسينية، لكي لا تتكرر نكبة فلسطين. فلسطين أكبر من كل العناوين الحزبية.

abulatifeh@hotmail.de

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here