مهند إبراهيم أبو لطيفة: الأمم القوية تنهض من جديد…محطات من تاريخ ألمانيا

مهند إبراهيم أبو لطيفة

في قاعة كنيسة القديس بُطرس في روما، يقف ِشارلمان (Charlemagne) ملك الفرنجة، في يوم عيد الميلاد عام 800م، لكي يتوجه البابا لاون الثالث، أمبراطورا لما سُمي بالإمبراطورية  الجرمانية المقدسة. وفور تتويجه إختار شارلمان مدينة آخن الألمانية لتكون عاصمة له، وبدأ يدعو العلماء والأدباء والشعراء لكي يساعدوه في تنظيم شؤون الدولة فيما عُرف بالنهضة الكارولينجية.

وهو الامبراطور الذي تذكر المصادر التاريحية أنه تلقى هدية من هارون الرشيد ، ساعة وفيل. في زمنه كان المسلمون العرب يسيطرون على البحر المتوسط، ولا تمر سفينة – كما يذكر ابن خلدون- دون اذنهم. وكانت الأندلس منارة للعلم والثقافة.

وهو الامبراطور الذي سماه العرب ” قارله” وسماه الألمان كارل الكبير، وعاش في الفترة ما بين 742م-814م. ليبدأ عهد الإمبراطورية الجرمانية.

كان لكلمة “روماني” في العصور الوسطى دلالة على المسيحية الكاثوليكية، لأن الإمبراطور الروماني المُقدس، يُعتبر حاميا للكنيسة الكاثوليكية، وكان على الملوك أن يتوجهوا إلى البابا لكي يتم تتويجهم ، بعد أن يتم إنتخابهم من مجالس الحكم وينالوا الشرعية والقداسة الدينية. أصبح شارلمان امبراطورا رومانيا على غرب أوروبا.

بعد وفاة شارلمان، بقيت الامبراطورية الجرمانية قرابة أربعين عاما تعاني من الضعف والتشرذم. تقاسم الأبناء الإمبراطورية التي انقسمت إلى مملكتين: مملكة الفرنجة الغربية والتي عُرفت فيما بعد بفرنسا، ومملكة الفرنجة الشرقية والتي كونت ما  عُرف بألمانيا.وكانت تتعرض لهجمات مستمرة من المجريين،ويحكمها أربعة دوقات، على كل منطقة دوقا.  في ساكسونيا، بافاريا، فرانكونيا، ساوبيا. إلى أن تولى العرش الملك الساكسوني أوتو الكبير عام 936م.

بتاريخ 2 فبراير 962م  تم تتويج أوتو الأول كامبراطور للامبراطورية الرومانية. قام البابا يوحنا الثاني عشر بتتويجه ، ليُصبح حاكما لشمال ألمانيا وإيطاليا. نشأ هذا الكيان السياسي من شعوب متعددة الثقافات والأعراق. كان الإسم الرسمي للامبراطورية:

” الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الجرمانية ” وتُعتبر أول إتحاد للشعوب الجرمانية في إمبراطورية واحده، ويسميها الألمان :

 “الرايخ الأول”  و الرايخ الروماني المقدس (Heiliges Römisches Reich).

استمرت هذه الإمبراطورية لمدة ألف سنة من عام 962م  ولغاية 1806م. بينما استمرت الدولة العباسية من 750م-1517م.  وعندما كان يُروج أن هتلر يعمل من أجل إقامة الحكم الألفي، كان يقصد هذا التاريخ بالضبط وليس ما صورته بعض المراجع من أنه كان يسعى لأقامة الُجكم الألفي المذكور في نبوات العهد الجديد من الكتاب المقدٍن وتحديدا في سفر الرؤيا.

يُعتبر الملك  الساكسوني أوتو الكبير، هو المؤسس الثاني والحقيقي للإمبراطورية الرومانية المقدسة، بعد أن تمكن من  الإنتصار على المجريين في معركة ” ليخفيد ” عام 955م ، وتوحيد ألمانيا من جديد. ثم توالت على حكم الإمبراطورية عدة سلالات أو أُسر:

  1. اسرة أوتو الكبير

  2. أسرة كزاد الثاني

  3. أسرة هونشتاوفن

  4. اسرة هابسبورغ ( التي حكمت حتى زوال الإمبراطورية)

 كان يتم إنتخاب الملوك عن طريق النُبلاء، ومرت على الإمبراطورية فترات ، كانت هي القوة العُظمى في أوروبا الغربية كلها. وشهدت فترات سيطرت فيها على البابوية في روما نفسها، خصوصا في زمن هنري الثالث.

 ولأن البابوات كانوا يعتبرون انفسهم خلفاء للمسيح، وورثة كرسي القديس بطرس في روما، رفضوا سلب سلطتهم الدينية والروحية، وأصروا على أن تخضع الإمبراطورية لهم  وليس العكس، على أساس أنهم هم من يمنحوا الشرعية والقداسة للملوك .

ووصل الصراع أشده بعد وفاة هنري الثاني عام 1024م، وهو آخر سلالة أوتو، حين كانت الأمور تُنذر باشتعال حرب بين الطرفين، فعمل  البابا أوربان الثاني، لتجنب الحرب، على توجيه الصراع إلى عدو خارجي ، ودعا للحملة الصليبية الأولى ضد السلاجقة المسلمين عام 1095م.

 كانت الدعوة للحملة الصليبة فرصة للبابا لكي يُعيد توحيد الممالك المسيحية المتصارعة ، تحت قيادة البابوية، ورفع شعار الدفاع عن الحجيج واستعادة الأراضي المقدسة وفي مقدمتها مدينة القدس ،إلى أن تمكن صلاح الدين الأيوبي من تحريرها سنة 1187م.

خلال القرن السادس عشر، ظهرت الحركة الإصلاحية اللوثرية البروتستانتية، وكانت موجهة ولأسباب دينية وسياسية واقتصادية، ضد الكاثوليكية،و أنتشرت بشكل كبير في عموم ألمانيا. وسرعان ما تحول الصراع إلى صراع على النفوذ في أوربا بعد أن قامت الكنيسة الكاثوليكية بقمع  الحركة واعادت محاكم التفتيش.

شاركت في هذه الحروب – بعد أن تحولت لحروب سياسية- معظم الدول الأوروبية عدا انجلترا وروسيا.

اشتعلت حروب دينية سُميت بحروب الثلاثين عام (1618م-1618م) ،  وكانت حروب طاحنة ، راح ضحيتها حوالي 8 مليون شخص. أنتشرت الأمراض والأوبئة والمجاعات، وكانت ألمانيا مسرحا للمعارك.

 أنتهت الحروب بتقسيم  ألمانيا إلى دويلات وامارات مستقلة، لم يكن للامبراطور سوى سُلطة شكلية عليها.

في عام 1648م وقعت كل الدول الأوروبية على معاهدة فستفاليا، وتم تفكيك ألمانيا بشكل قانوني إلى 314 دويلة  وامارة فيدرالية، وبمختلف الأحجام، واصبحت كل دويلة تتمتع بالحكم الذاتي. كانت أقوى دولتان فيدراليتان : النمسا ، وبروسيا. وتم اجبار النمسا أيضا على التخلي عن اراضي واجبارها دفع 150 مليون كتعويض لفرنسا.

في أواخر القرن السابع عشر، صعدت قوة ألمانية جديدة في شرق البلاد، هي مملكة بروسيا والتي ستصبح إحدى أهم القوى الإقليمية الكبرى في أوروبا.

في سنة 1805م انهارت الأمبراطورية الرومانية المُقدسة ، بعد إنتصار نابوليون بونابرت، على تحالف الإمبراطور الروماني المقدس فرانسيس الثاني، وقيصر روسيا الكسندر الأول في معركة ” أوستزليتر ” ، وهي المعركة الشهيرة باسم معركة الأباطرة الثلاثة.

أصبح فرانز الثاني، هو آخر أمبراطور روماني مقدس في التاريخ، وزالت الإمبراطورية بعد ألف عام. نزع  الإمبراطور نابوليون الأول لقب ” الامبراطور الروماني” عن فرانز الثاني وأجبره أن يأخذ لقب ” امبراطور النمسا “، وتم حل الإمبراطورية.

في عام 1815م تمت هزيمة نابوليون على يد الُحلف المناهض لفرنسا، المؤلف من دول  سبع دول اوروبية بقيادة بريطانيا وروسيا في معركة واترلو قرب بروكسل في بلجيكا. وتم تأسيس ألمانيا الفدرالية المؤلفة من 38 دويلة فدرالية، كان على رأس كل دويلة حاكم مستقل لضمان عدم وحدتها.

تم سحق نابليون بونابرت، وبدأ الألمان يستلهمون فكر الثورة الفرنسية، وعاد طموحهم نحو الوحدة والحرية. نشطت  الحركات التوحيدية، والمطالبة بالتكامل الإقتصادي ، ولعب الإقتصادي فريدرش لست دورا بارزا في الدعوة للوحدة الإقتصادية، كان لست ( Friedrich List 1789-1846) ، يجوب البلاد طولا وعرضا وعلى مدار عشر سنوات ورغم ضعفه الجسدي ، محاولا اقناع السياسيين بأهمية الوحدة. تم طرده من النمسا واعتباره محرضا. لم يجد آذان صاغية من باقي الدويلات لأنها كانت تستفيد من الضرائب التي تجنيها. إلى أن وصل إلى بروسيا ، أكبر دولة فيدرالية في ألمانيا في ذلك الوقت، فتبنت دعوته.

في الفنرة ما بين 1815م- 1866م، كانت ألمانيا عبارة عن فدرالية من عدة دويلات، إلى أن تشكل الإتحاد الألماني الجديد والذي سمي ” الرايخ الثاني ” للامبراطورية الألمانية.

في الأول من يناير من عام 1834، تم رفع التعرفة عن ثماني عشرة دولة فيدرالية ألمانية، فتحت الأسواق لحرية التجارة البينية، ولاحقا انضمت باقي الدويلات للتحالف. تحقق الإتحاد الإقتصادي، واستمرت الدعوة للأتحاد السياسي. ورغم فشل التجربة عام 1848م التي تعرف ” بالثورة البرجوازية الديموقراطية “، إلا أنها لم تقف عائقا أمام الوحدة في مرحلة لاحقة.

حمل بسمارك على عاتقة مسؤولية توحيد المانيا بالدم والحديد- كما قال في اجدى خطبه- وبعد تحييد النمسا بالحرب عام 1866م ، أصبح أمام المانيا أن تتقدم نحو فرنسا.

 بعد أربع سنوات من الإنتصار على النمسا، دخلت القوات الألمانية ضواحي باريس، وتم القضاء على الملك الفرنسي، وازيلت آخر العوائق لتوحيد ألمانيا.

من قاعة المرايا بقصر فرساي في فرنسا، عاد الألمان- بعد أحتلال باريس- في 18 يناير 1871م ، للإعلان عن توحيد ألمانيا من جديد ، بفضل جهود رئيس الوزراء أوتو فون بسمارك.

 توافد في ذلك اليوم أمراء الولايات الألمانية، ليعلنوا فيلهلم الأول ملك بروسيا، امبراطورا لألمانيا بعد استسلام فرنسا في الحرب الفرنسية البروسية.

تعلمت الولايات الألمانية من الدرس وعلى مدار سنوات طويلة، كانت تجري محاولات التوحيد. بدأت تتشكل هوية قومية جديدة للألمان من أجل التكامل الإقتصادي والنهوض السياسي أسوة بباقي الأمم.

وبدأو بازالة الحواجز الجمركية بين الولايات، ومد أنظمة المواصلات فيما بينهم وسُنت تشريعات جديدة توحدهم.

 توحدت ألمانيا من جديد، لأسباب سياسية وإقتصادية، من أجل تنشيط التجارة البينية، وتحقيق التنمية، ولأثبات وجودها في وسط محيطها من الأمم. وحدتها المصالح المشتركة، والسياسات المدروسة لبسمارك رجل الدولة، وارثها التاريخي.

ورغم عدم رغبة الدول الأوروبية بأن تنافسهم ألمانيا، إلا  أن ألمانيا نهضت. بالإنتاج القوي، وتطوير قاعدتها الإقتصادية، وبنيتها التحتية، بالعمل والمثابرة والجدية. بصقل مؤهلات الشعب وجعله أساسا لاعادة إحياء البلاد.

بالتعليم المجاني، والخدمة العسكرية لبناء جيش قوي، بالثقافة والفلسفة، بالعلوم. أصبح الإنسان أهم عنصر في تنميتها. وكانت النتيجة أن  قادت ألمانيا الثورة الصناعية الثانية. وارتبط اسمها بالعلوم والتكنولوجيا.

بعد سنوات طويلة من دخول نابوليون بوابة براندنبورغ مزهوا بانتصاراته، ها هم الألمان يظهرون من جديد قوة موحدة.

أجبر القيصر فريدرش فيلهلم الثاني عام 1890م ،  المستشاربسمارك على الإستقالة لاسباب عديدة أهمها، أن بسمارك كان يؤمن بأن ألمانيا عليها أن تكون القوة الأهم في محيطها الاوروبي دون الحاجة لمستعمرات، كان يؤمن باستراتيجية توازن القوى ، ويسعى من أجل تأسيس دولة الرفاهية.

 أما القيصر فيلهلم فقد برزت لديه نزعات استعمارية، ويُكتب عنه أنه قد أصيب بالغرور من الُمنجزات التي تحققت وقال: ” خُلقنا لكي نحكم العالم “.

 توفي بسمارك عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، وبقى في ذاكرة الشعب بطلا خالدا.

في 28 يونيو 1914م ، نشبت الحرب العالمية الأولى، والتي كانت الأعنف في التاريخ بسبب التطور التقني والصناعي، وانتهت في 11 نوفمبر 1918م. وكان على ألمانيا أن تدفع ثمن الحرب ماديا وسياسيا. تم إذلال ألمانيا بكل معنى الكلمة وفُرضت عليها عقوبات شديدة تمس سيادتها وكرامتها.

في عام 1919، وفي قصر فرساي مرة أخرى، تم اقتطاع العديد من المناطق الألمانية لصالح القوات المنتصرة، وورثت فرنسا وبريطانيا المستعمرات الألمانية في افريقيا والعالم. كان على ألمانيا أن تدفع 132 مليار مارك تعويضات، تم تجريد الجيش الألماني من اسلحته، سُمح فقط ببقاء 100.000جندي ألماني، تم فرض إلغاء التجنيد الإلزامي، منعت ألمانيا من امتلاك عواصات أو قوة بحريى كبيرة، ومُنعت من امتلاك قوة جوية.

في الفترة ما بين 1919م -1933م، نشأت في ألمانيا جمهورية سُميت بجمهورية فايمر (Weimarer Republik) ، كنتيجة لخسارة ألمانيا الحرب. سعت الجمهورية لوضع دستور ديموقراطي حديث، وتحقيق بعد الإنجازات، ولكن الحمل الثقيل نتيجة العقوبات حال دون ذلك. وما هي إلى فترة وجيزة حتى وصل النازييون للحكم، جاء  ادولف هتلر لُيعلن الرايخ الثالث.

عملت حكومة هتلر على إعادة تسليح الجيش الألماني ، التوسع في مجال الإنتاج الصناعي، تطوير البنية التحتية، أنجازات كبيرة في بناء الطرق السريعة والسدود، السكك الحديدية وغيرها. وتراجعت معدلات البطالة بسبب توفير فرص عمل جديدة، ولانتهاج سياسة بقاء المرأة الألمانية بالبيت لرعاية زوجها وأطفالها. إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية، وحوصرت ألمانيا من قبل الحُلفاء من جميع الجهات حتى سقوط برلين. دُمرت إنجازات الشعب الألماني.

تم تقسيم ألمانيا المنهكة من الحرب إلى ألمانيا الشرقية ، تخضع للإتحاد السوفيتي، وغربية يُشرف عليه الحلفاء ( أمريكا، فرنسا، بريطانيا). خرجت ألمانيا من الحرب مُثخنة بالجراح والدمار في كل مكان، وما هي إلى سنوات قليلة، حتى نهضت ألمانيا من جديد وحققت منجزات إقتصادية وعلمية وتنموية كبيرة للغاية ، واخذت مكانتها بين دول العالم الكبرى من جديد، وما زالت تُعد من أقوى الدول الصناعية في العالم.

في 3 اكتوبر 1990، تم اعادة توحيد ألمانيا. وها هي اليوم تقود أوروبا.

بالكيانات الصغيرة ، والدكاكين التي لا تملك مقومات الدولة،  والسياسات الكيدية، والنظرة الضيقة ، والتبعية، لا تنهض الأمم.

مراجع:

  1. Walter Pohl: Die Germanen. 2. Aufl., München 2004.

  2. Joachim Ehlers: Die Entstehung des Deutschen Reiches. 4. Aufl., München 2012.

III.   Zur Einordnung der ottonischen Geschichte allgemein Hagen Keller, Gerd Althoff: Die Zeit der späten Karolinger und der Ottonen. Stuttgart 2008.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here