فراس الصمادي: الرزاز ليس مختفيا.. ويقف في خندق المواجهة

 

 

مهندس فراس الصمادي

الرزاز المكلف الأخير باستمرار تنفيذ البرنامج الليبرالي الاقتصادي السياسي في الدولة الأردنية ليس مختفياً ولا متهرباً، الرزاز يدرك تماما طبيعة المواجهة  وأركانها، فدولة القطاع العام التي انهارت وتفككت هيئاتها الإدارية والاقتصادية التي شكلت مستوعبا للكادحين من الأردنيين  لعدة سنوات من عمر الدولة يدرك الرزاز أنها تمر الآن بجولة جديدة من الصراع، والتي يتجلى فيها تشكل وعي وطني و حقوقي نضج لدى مختلف فئات الكادحين، عنوانه الدفاع عن مصالحهم بوجه السياسة التي أوصلت الدولة لهذه الحالة من التخبط والضعف.

هذا الدفاع الذي يتطلب بالضرورة نوع من المواجهة مع السلطة التنفيذية، المسؤول المباشر عن تنفيذ البرنامج ولهذه السلطة أدواتها للمواجهة وفي مقدمتها كادحي الأجهزة الأمنية، والذي يعبر عنه البيروقراط المكلّف الآخر  بتنفيذ البرنامج، هذا النوع من المواجهة بين كادحي الأجهزة الأمنية وكادحي القطاع العام لا يستطيع الرزاز الذكي تحمل عبء نتائجه وخصوصا انه يدرك أن خزينة السلطة التنفيذية المنهوبة فارغه من الأموال التي يطالب الكادحين بحصتهم منها، وخصوصا أنهم يشاهدون حجم الامتيازات التي يتمتع بها طبقة المسؤولين الجدد الذين هبطوا بمظلات واصبحوا أصحاب نفوذ يتحكمون بمفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية ،ويضاف لذلك ان وجوده وتكليفه جاء نتيجة تسوية “قد تتكرر” أخذت بعدا إقليميا ودوليا  على خلفية اعتصامات رابع العام الماضي، والتي استثمرتها السلطة السياسية  وكان فيها مسموحا الاعتصام وإغلاق الرابع وكانت النتيجة قمة مكة، وبعض الفتات من الدعم للحفاظ على  الاستقرار الأردني المطلوب دوليا ومرحليا بالحد الأدنى على الأقل.

استطاع الرزاز ان ينأى بنفسه عن الواجهة في الجولة الأولى من المواجهة مع كادحي المعلمين الذين دعوا للاعتصام على الدوار الرابع والذي اتخذ فيها القرار السياسي على أعلى المستويات لمنعه وكلف البيروقراط الأقدر على التنفيذ بالمواجهة، رافق هذه الجولة عنوانين جرى العمل عليهما بنوع من الذكاء: العنوان الأول شيطنة البيروقراط الضعيف والمهزوز، والذي يعتبر وجوده مزعجا وغير مرغوب عند أقطاب الليبرال ويقف عائقا لا يؤمن جانبه وشريكا مزعجا  أمام مشروعه الاقتصادي والسياسي للدولة “مشروع المركز” وتكفل بذلك الأدوات الإعلامية والصحفية لليبراليين، والعنوان الثاني  شيطنة الإخوان المسلمين، الأداة التي جرى تقليم أظافرها وتطويعها من جديد لتبقى عنوانا يستخدم عند الضرورة لخدمة مشروع المركز السياسي وواجهته من الليبراليين الجدد وتكفل بذلك الأدوات الإعلامية والصحفية لدى الدولة العميقة التي تدرك طبيعة الصراع على الدولة وأبعاده.

بعد الانتقال لجولة ثانية من المواجهة والتي تمثلت بالدعوة على عجل للإضراب أصيح الجميع يستثمر في المشهد، ولكن كل من زاويته، الرزاز ينتظر التطورات وامتصاص الهجوم الأول، والثاني من المواجهة ليتحرك بعدها للحلول إن كلف بها بعد ان يتم طبخها على نار هادئة، والتي من الممكن في حال لم يتم التوصل لتسوية مالية لها، التضحية بأكباش فداء من البيروقراط، أو بالرزاز نفسه  كحل مرحلي يمتص غضب كادحي المعلمين وجدولة مطالبهم ، والمركز السياسي ينتظر تعمُق الأزمة ويراهن على تكرار الاستثمار فيها على خلفية ما تم في رابع العام الماضي من تدخل إقليمي ودولي لإدارة الأزمة والتخفيف ماليا من تبعاتها، وخصوصا انه يجري التلويح بأداة الإخوان المسلمين التي يمكن توظيفها في الاتجاهين السعودي الإماراتي والقطري التركي على حد سواء، وفشل هذا الرهان سيؤدي بالضرورة إلى تسارع في تعميق الأزمة وقد يكون مؤشرا إلى توجه دولي وإقليمي لمزيد من الضغوط على الشعب الأردني.

لم يغب عن المشهد أيضا التيارات الوطنية والشعبية، وان كانت مشتتة من الاستثمار ذاتيا في تعميق ازمه السلطة السياسية فدعمت وأيدت حراك المعلمين وأمنت له الغطاء الوطني والشعبي في اطار إدراكها أنها أمام مرحلة جديدة من الصراع  لم يعد  يجدي فيه نفعا أي حديث عن الاستهداف الخارجي للدولة أو أي تسويق لوهم عناوين البرنامج الاقتصادي من جذب المستثمرين وغيره التي تكررت عبر سنوات من الفشل المركب السياسي والاقتصادي، وهي تدرك أيضا ان الحراك الوطني للكادحين لن يتوقف عند مطالب المعلمين في ظل غياب برنامج ومشروع وطني سياسي لإعادة بناء الدولة الأردنية وإعادة السلطات فيها للشعب الأردني، وتحصينها وتمتين جبهتها الداخلية فهذا البرنامج وحده الذي  يمكن الالتفاف حوله وطنيا، ومواجهة من خلاله كل التحديات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها الدولة الأردنية، الأمر الذي لم يدركه بعد المركز السياسي الذي مازال مصمما على المناورة، و الهروب من استحقاقات دفع الثمن السياسي ومتمسكا ببرنامجه السياسي والاقتصادي الذي ثبت فشله .

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. عجيب كيف تجازف الحكومة بامتيازاتها السمينة عبر هذه المواجهة التي فسرتها بدقة مهندس فراس بينما المعلمون ليس لديهم ما يخسرون أكثر. المبادرات تأتي دوما من الجهة الأقوى وهي الحكومة…لا بد من مبادرة يا دولة الرئيس لطي الصفحة وطمانة النفوس وإعادة الاعتبار للمعلم.

  2. تحياتي م . فراس غياب المشروع الوطني وغياب الانتماء الوطني من قبل مسؤولينا وكذلك قسم كبير من الشعب الاردني هو ما أوصلنا إلى ما نحن به من تخبط ان إدارة الأزمات من الخارج هو تدمير للوطن بجميع مكوناتة علينا ان نكون ابنا لهذا الوطن اولاٌ عندها نكون قد بدئنا في العمل لمستقبل أفضل إدارة الأزمات يجب أن تكون بوعي وانتماء لهذا الوطن المذبوح من قبل الجميع وشكراٌ

  3. مقال رائع وتحليل اروع أيها الأخ الغالي والصديق العزيز الأستاذ المهندس فراس الصمادي المكرم ، ونحن نوافقكم الرأي بغياب المشروع الوطني الهادف لتجديد الدولة الأردنية ومشروعها النهضوي الذي قامت على إرثه(النهضة« أوالثورة »العربية الكبرى) ،لذلك نحن في جمعية الشرق العربي الجديد للتنمية والديمقراطية “شجاع” ،نحاول المساهمة بهذا المشروع ، ويسعدنا أن نضع أيدينا بيدك وبيد كل الخيرين من أبناء الوطن والأمة المتوافقين على هذا الهدف.
    مهند حجازي ، رئيس هيئة الإدارة لجمعية الشرق العربي الجديد للتنمية والديمقراطية “شجاع”/و مدير عام مؤسسة النسر السياسي للإعلام.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here