من معالم ‘الشرق الاوسط الجديد’ في فلسطين: بناء مدن جديدة على أنقاض المدن  القديمة من أجل محو الذاكرة و تشكيل وعي ‘معولم’ومطبع

د. نهى خلف

 تنشأ المنتجعات و المدن الجديدة  في العالم العربي اليوم بهدف الإستثمار، و كأنها تنتعش على أنقاض المدن القديمة ، فبعد تدمير المدن العريقة مثل بغداد و محاولات تدمير دمشق و القدس، احتلت المدن المصطنعة على شكل كثير من المدن الخليجية  مكانة جديدة، حيث يتجه إليها السواح من العرب و من غير العرب للعمل او لقضاء عطل من أجل التمتع بملاهيها و حداثتها البراقة. و بينما تبدو هذه العملية المتصاعدة و كأنها فقط من أجل الاستثمار من قبل رجال أعمال متنفذين ، إلا أنها تتماشى مع نمو ‘وعي’ جديد مبني على منطق و أخلاق و سلوك مفروض من قبل سياسات العولمة و التطبيع المبنية على تدمير الوعي الوطني و القومي بالتاريخ القديم و محو الذاكرة وإصابة الأفراد بمرض النسيان أو التناسي. وكثيرا ما يصاب كل من يستفيد و يتعايش مع هذا الوضع الجديد بنوع  من ‘السكيزوفرينيا’ أي الانفصام في الشخصية، حتى عندما يستمر بنقد هذا الوضع أو بالإدعاء أن هذا السياق لا يعجبه، أما الذين يرفضون بوعي هذا الوضع فهم بالأكثرية من الطبقات الوسطى،التي تزداد فقرا و تهميشا و إحباطا، بينما أن الأكثرية  من الشعوب العربية  تبقى من الفقراء ومن العاطلين عن العمل المستغلين و المعدومين الإمكانيات، حتى يصبح المشهد الاجتماعي و الاقتصادي و النفسي السائد في العالم العربي   مشكلا من هذه الثلاث فئات :  فئة  متنفذة منفصمة الشخصية  تبدو سعيدة   و متأقلمة ولكنها مؤهلة بقدرة هائلة على التبريرو والعيش في الأوهام و استحالة الإعتراف بدورها السلبي  ، و فئة من ألأفراد الأكثر وعيا و ثقافة الرافضة الانسياق مع تيار العولمة و التي تزداد إحباطا و و تهميشا و فئة الأكثرية المهمشة و المعدومة. و إن كانت لا تزال فئات من الطبقة الوسطى القديمة تستمر في الوجود،  وأكثرها من فئات المتعلمين و المهنيين، فهي  تتأرجح بين الفئتين الثرية و المعدومة تماما، وهي على قيد الزوال . و يؤدي الشعور بزوالها والضغوطات المفروضة عليها من أجل إما الركوب  في موجة العولمة او السقوط و التهاوي نحو الفقر المفقع، مما يؤدي إلى إصابتها أيضا بأمراض نفسية و جسدية مركبة . و بالطبع فان الفئة  الأولى من المنفصمين شخصيا  المنتفعين من العولمة الممولة من الغرب  بإمكانهم الحصول على علاجات طبية و ترفيهية و تسهيلات حياتية تسمح لهم بالاستمرار، بينما لا تجد الفئات الوسطي نفس الإمكانيات حيث تسمح لها إمكانياتها فقط بالبقاء على قيد الحياة ، أما  الفقيرة و  المعدومة تماما فلا تجد أية المخارج، غير الوقوع إما كفريسة  لتجار المخدرات أو الإجبار على  العمل مع بعض ‘المافيات’  و العصابات المستفيدة، حيث تنشأ و تنمو على فتات   الفئات  المتنفذة و على أطرافها   ، و يؤدي عدم وجود أي مخرج  للفقر قي بعض الحالات العصيبة إلى التسول ثم إلى الانتحار أو اللجوء إلى العنف، و في أفضل السيناريوهات إلى الغليان الجماعي و التمرد،  مما يؤدي في بعض اللحظات التاريخية الحاسمة إلى انتفاضات شعبية هائلة .

 المشكلة، كما حدث خلال ما سمي ‘بالربيع العربي’ الذي نشب في عدد من المدن العربية منذ سبعة سنوات هي في غياب القيادات او الطبقة الثورية المثقفة التي كان يمكن لها أن تقود الشعوب الفقيرة الغاضبة  نحو الإنتصار أو على الأقل نحو تحقيق البعض من مطالبها، لان معظم الذين ادعوا قيادتها كانوا من الطبقات الوسيطة التي كثيرا ما انجرت إما للاندماج مع الفئة المستفيدة أو إلى الزوال، مما أدى إلى مزيد من الإحباطات لدى الفئات الشعبية التي فقدت الشعور بالانتماء و الإيمان بالقيادات السياسية، و  التي  أصبحت تتهمها  بالنفاق و التواطؤ.

أما على صعيد المشهد الفلسطيني ، فالغريب انه بينما نرى شعب غزة المناضل يقبع في ‘غيتو’ كبيرو يستمر بالنضال من أجل البقاء  عبرتقديم مزيد من التضحيات و الشهداء، و نرى استمرار وجود ‘غيتوهات’ لللاجئين الفلسطينيين  و خاصة في لبنان، (والتي ربما أصغرمن غيتو غزة  و لكنه أشنع بعدة المقاييس  وخاصة بسبب المنع عن العمل وفقدان الأمل بسبب وضع يستمر منذ سبعين عاما مع زيادة  في عدد السكان و مزيد من الفقر و الحرمان و التهميش و النسيان)، و نرى في نفس الوقت تدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينية في سوريا، و نشاهد  التهديد و التآكل الذي تعاني منه عاصمة فلسطين التاريخية المقدسة، فهل من المعقول ومن الممكن أن نصدق و نقبل انه رغم كل هذه المآسي، يتم بناء مدن و أحياء جديدة على شكل مدن الخليج وعلى شبه مدن الضواحي الأمريكية، بأموال خليجية و غربية تهدف الى خلق  طبقة جديدة و جيل من  ‘الفلسطينيين الجدد’،  في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة نفسها؟؟؟؟ مدن تشبه المستوطنات الإسرائيلية و تنسق مع الشركات الصهيونية في مجال التكنولوجيا المتطورة  بهدف الاستثمار و لكن تساهم بصياغة نوع جديد من الوعي و الأخلاق لدى  الشباب لينفصل  بشكل قصري و جغرافي عن الفئات الفقيرة،  و لا يهتم بمصيرهم مبررا الرفاهية الجديدة على أنها نضال من نوع آخر؟؟.

إن عملية بناء مناطق جديدة  لا  يجب ان تنتقد بحد ذاتها، في حال كان هدفها تحسين شروط حياة الفقراء و المظلومين و التوصل إلى حقوق الشعوب، و لكن عندما   تؤدي إلى خلق طبقة من الأغنياء الجدد القادرين على شراء ممتلكات غالية و الاستثمار بمشاريع مربحة  ، طبقة منسلخة جغرافيا   وتاريخيا و انسانيا ومتعاونة مع المحتلين و منقطعة عن أكثرية الشعب المحيط بها الذي لا يزال يعاني من الفقر و الظلم والعنف من قبل المحتلين، فيصبح الأمرمختلا  أخلاقيا و حضاريا و سياسيا..بل إنسانيا.

 فبدون ذكر أسماء المشاريع و لا أسماء أصحابها ألسؤال إذن يبقى: هل هناك من فئة تستطيع أن تمنع هذا الطوفان و الانزلاق نحو عولمة تأكل الأخضر و اليابس و تؤدي إلى طمس المعالم التاريخية الثرية للمدن ، بينما تؤدي إلى الأخطر من ذلك ،و هو زوال مجموعات بشرية كاملة بعد سلبها من أدنى مقومات الحياة الإنسانية.

Click here to Reply or Forward

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ما يحدث في فلسطين هو تدمير ممنهج لجميع القيم الحضارية والتاريخية والثقافية والثورية لشعب تقف على راسه طبقة تاريخيا متعاونة مع الصهاينة تدعي القيادة للشعب وتنسق مع اسرائيل ومع عرب آخرين في هذا المجال وغيره
    الحل الوحيد هو الثورة على المحتل وعلى هذه الفئة المتساقطة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here