من مسقط.. يأتيك بالأخبار من لم تزَوِّدِ

مصطفى الشاعر

لم تقدم مسقط على خطواتها الأخيرة اعتباطًا، رغم كل مرارتها التي أرهقتنا قبل أن ترهق محبيها، لكنها كانت تقرأ السياسة وتقدم التضحيات من أجل الوصول إلى موقع تتربع فيه طاولات الحوار والمفاوضات في المنطقة، عُمان قدمت الكثير لهذه الأمة حين ساهمت بسياستها في توقيع الاتفاق النووي الإيراني قبل عدة سنوات، وقد كان يراد لها أن تعاقب على مساهمتها في ذلك الاتفاق، إلا أنها ناورت وحققت مرادها الذي كانت تبتغيه.

يعلم الجميع حجم الصدمة التي تعرضت لها إسرائيل والتهديد الوجودي بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني حينها، كانت مسقط بعدها في دائرة الاستهداف الصهيوني، وقد كتبت صحيفة هآرتس الصهيونية في حينها منددة بما أقدمت عليه مسقط في رعاية ذلك الاتفاق، الاتفاق الذي -وللأسف- تحول مصيره جذرياً بعد مجيء الإدارة الإمريكية الحالية بقيادة (ترمب)، حيث انسحبت من الاتفاق وبدأت بالتلويح بالحرب مع إيران بإيعاز صهيوني وعربي واضح، وخسرت عمان موقعها بوصفها “صانع السلام” لدى صانع القرار الإمريكي الذي اعتبرها مشاركة في الاتفاق الذي اعتبره “سيئًا” له، ثم كان يراد من مسقط أن تقدم تنازلات وضريبة عالية جدًا لما أقدمت عليه في تسهيل هذا الاتفاق الذي اعتبرته إسرائيل مصدر تهديد وجودي لها، وعلى مسقط أن تدفع ثمن ذلك.

حينها مورست ضغوط كبيرة على مسقط، وقد رضخت فعلًا، لكن بدهاء كبير وذكاء سياسي طويل النفس، ولأنها محنكة وتدرك موازين القوى في المنطقة أرادت مسقط إعادة ترميم علاقتها مع الإدارة الجديدة لتحقيق ذات الأهداف التي حققتها مع الإدارة السابقة، ومن هنا بدأ التحول السريع المفاجئ للجميع، فقد انساقت مسقط -دون سابق إنذار- إلى التعاطي بشكل إيجابي مع كل ملفات محور الحرب في المنطقة، استضافت المجرم الصهيوني في أرضها، وأقدم وزير خارجيتها على إصدار تصريحات نارية كانت مرحبًا بها بشدة من الصهاينة، أرادت مسقط إعادة تضميد الجراح لعلاقتها مع واشنطن ومن خلال جسرها الأكثر صلابة “إسرائيل”، أما إيران فقد تابعت ذلك بصمت، وأوعزت إلى إعلامها وأصدقائها بألا يهاجموا عمان، حيث كانت مدركة أن للعمانيين فكرهم وقدرتهم على التعاطي مع كل الملفات السياسية، مع استغراب خليجي واضح من السلوك العماني، وهذا ما بدا ظاهرًا من تصريحات المسؤولين المرحبة بحذر حينها.

نجحت مسقط في ذلك، وتجاوزت بعدها كل التحديات، خاصة تلك التي تعرضت لها من جيرانها، الذين سخروا كل جيوشهم الإلكترونية للهجوم على السلطنة وتخوينها بعد قرارها في أن تشرب كأس السم لتحقيق غاية أسمى وأكبر، وهي إعادة الاتفاق وإبعاد شبح الحرب عن المنطقة، مسقط كانت مدركة أن من ينتقدها في حينه هم على علاقة وثيقة بالصهاينة ولكن من تحت الطاولة، ولكن لأن رصيد مسقط كان عاليًا في الداخل والخارج فقد أقدمت على تلك الخطوة وهي واثقة من خطواتها وقد تجاوزتها بسلام.

عادت مسقط من جديد اليوم لتجذب الأنظار اليها، ولينتظر الجميع ولادة اتفاق جديد على أرضها بعد اتصال المهزوم (بومبيو) بالسلطان قابوس، لم يكن ذلك ليحدث لولا “كأس السم” الذي شربته مسقط، ولكانت أصوات الحرب هي الصوت السائد في المنطقة، وما ذكرته مذكرات (هيلاري كلينتون) أكبر دليل على أن السلطان قابوس كان يمارس دور المهدئ في المنطقة، وقد تحدثت بوضوح عن دور السلطان قابوس في الدفع بالاتفاق النووي الإيراني الذي تم توقيعه، لهذا ما زال العمانيون وبعض العرب ينظرون إلى السلطان قابوس أنه رمزهم الأوحد القادر على حلحلة الأحداث في المنطقة، وأن الفائز هو من يضحك أخيرًا، لذلك كان الرهان عليه باقيًا.

‫ووفق المتغيرات الاخيرة يبدو أن الإدارة الإمريكية الحالية أرادت فعلًا إعادة صياغة الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في عهد (أوباما)، ولذلك قد أقدمت على الانسحاب منه، ويبدو -وفق ما يحدث من تغيرات وتفوق إيراني واضح وملموس في الأزمة الاخيرة مع التراجع الإمريكي- أن هذا الاتفاق لو أعيد صياغته ستقدم فيه هذه الإداراة تنازلات للإيرانيين كان (أوباما) قد كسبها منهم سابقاً، وذلك لأن الإيرانيين لن يرضخوا بسهولة هذه المرة، وهذا بحد ذاته سيكون -إن تحقق- مكسبًا لم يحسب الإيرانيون حسابه.

سلطنة عُمان يراها البعض لغزًا محيرًا يصعب فهمه واستيعابه، والحقيقة أنها أوضح من يمارس السياسة في منطقة مليئة بالغدر والخيانات، دولة وقيادة واضحة في تعاطيها عندما تقرر ما تريد فإنها واضحة أمام الجميع، ولا تجلس تحت الطاولات، والأمن والسلام والاستقرار والحوار هو مسؤوليتها ورسالتها في هذه المنطقة والعالم وفق ما تعتقد، فلم يسبق أن سجل أن عمان ساهمت أو شاركت في هدر قطرة دم واحدة خارج حدودها، في اليمن تعرضت لضغوط كبيرة واستهدفت من قبل دول ما سمي بالتحالف العربي إعلاميًّا، حافظت على علاقتها مع دمشق في أوج أزمتها، تربطها علاقات وطيدة بالإيرانيين تصل إلى حد التعاون العسكري بينهما، ورغم كل ذلك كانت صامدة، والتاريخ يشهد لمواقفها.

‏أما محور الشر الأكبر في المنطقة -من (تل أبيب) إلى بعض المراهقات العربية التي سعت إلى إشعال حرب طاحنة- فيريد لهذه الأمة الدمار الأكبر الذي سيهدم كل ما أنجز في زمن الرخاء القصير الذي عاشته المنطقة الخليجية بالتحديد، ولكم أن تتخيلوا لو وقعت هذه الحرب الملعونة ما هي النتائج التي ستتحقق، ولنا في العراق أكبر مثال على ذلك، رغم أن جيشها كان يصنف أنه من أقوى الجيوش في العالم، دمار وعنف سيقتل ملايين الأبرياء، ودمار سيحل على كل البلاد والعباد، لذلك -بفضل الله عز وجل وحكمة المخلصين الحقيقيين لهذه الأمة- فتيل هذه الحرب الملعونة سوف يطفأ، وستعود المياه أنقى وأصفى مما كانت عليه.

أولا يكفينا احتلال فلسطين وتدمير العراق واليمن وسوريا وليبيا الذي أرهق هذه الأمة إلى الحد الذي فاضت به مخيلتنا من صور القتل والتنكيل الذي وقف مسيرتنا الحضارية في هذا العالم وجعلها مرهونة في أيدي نظم رجعية عقيمة لا تملك إلا حفنة من الدولارات ولا تعي ماذا يعني ركب الحضارة في العالم!؟ لقد حان الوقت لهذه الأمة أن تنعم بالأمن والسلام الذي حرمت منه منذ عقود طويلة بفضل المخلصين والشرفاء بها، وأن تسترد حقوقها ومقدراتها وتمضي في مسيرتها.

هذا السلام سننعم به -بإذن الله- بوجود الملخصين للأمة الذين أرادوا الحوار منهجًا والقوة مسلكًا لردع كل من يتجرأ على مقدراتنا، والعاقل سيعقل ولو بعد حين، ولو كثرت دولاراته إلا أنه زائل معها، فالثروة الحقيقة هي ثروة المبادئ والقيم الأصيلة لا ثروة المال.

حفظ الله أوطاننا وهذه الأمة من كل شر.

مغرد وكاتب عُماني

@mustafa_549

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

14 تعليقات

  1. نتن ياهو لا يختلف كثيرا عن بعض القيادات العربية التي شاركت في قتل وتشريد الالاف الابرياء من المسلمين ومن هم على نفس مذهبهم . فلماذا نفرق بين زيارة وفد من اسرائيل او وفد من الحكومة السعودية او الاماراتية . هم في نفس الميزان لان قتل النفس ليست حرام على اليهودي وحلال على المسلم

  2. طيب واستقبال المجرم رابين قبل ربع قرن ، واجتماعات بن علوي مع المسؤولين الاسرائيلين
    المتكرره منذ سنوات طويله ،، هل هذه لها علاقه بالملف النووي ،، ثم قبل زيارة النتن الاخيره
    الى عمان ، الم يكن عباس في مسقط يعني الموضوع يخص قضية فلسطين ، والاهم من ذلك
    حفل الاستقبال الراقص الذي حظي به النتن واستمر الى ساعات الصباح ، صراحه ما تترقع ،،
    تحياتي ،،

  3. لم تكن السلطنه في أي ازمه اقليميه الا بجانب الدعوه للحوار والبعد عن الصدام “”لم تكن السلطنه سببا باراقة قطرة دم واحده في أي من النزاعات المشتعله في المنطقه باسرها “”لم يكن هنالك أي عماني شارك مع المجموعات الارهابيه التي عصفت بالمنطقه وشارك فيها من كافة الجنسيات عربيه واجنبيه الا عمان “””هل تعرفون السبب ابحثوا عن خطابها الديني لم يدعو للتكفير ولا للفتنه المذهبيه ولا التحريض ابدا خطابهم التسامح والعيش مع جميع المذاهب والطوائف دون حساسيات !!!! فليذهب أي انسان للصلاه في احد مساجد السلطنه ستجد المصلين من كافة المذاهب يؤدون صلاتهم كل بطريقته دون أي احراج هذا هو مجتمع التسامح العماني وهو انعكس علي السياسه العمانيه بكل شيء !!! اما عن زيارة نتنياهو الي السلطنه فجاءت بناء علي زيارتين لمحمود عباس وغيره من المسئولين بالسلطه الفلسطينيه طلبا لتدخل السلطنه بفتح قنوات الحوار مع إسرائيل بعد ان تم اغلاق كافة المسارات وارجعوا الي تصريحات رجال السلطه من عريقات وغيره كلها تقول ان السلطنه تدخلت بناء علي طلبهم وهاهو بالأمس وزير خارجية السلطه رياض المالكي يستجدي نتنياهو بلقاء محمود عباس جاء ذلك في مؤتمر في لندن !!!

  4. وهاهو الأمير محمد بن سلمان عن طريق الملك سلمان بن عبدالعزيز، يحاول الآن تغيير المواقف وجذب أنظار العالم إلى قيادة المملكة، حيث نادا بعقد قمتين في مكة واشك ان هناك مشاركة للرئ من دولة خليجية للامير.
    ماذا يريدوا ان يقولوا للعالم الإسلامي بأكثر ما قالوه من قبل.، ما يهمنا السلام والاقتصاد

  5. بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين
    انا عماني و قبل عمان انا مسلم عربي وقبل هذا كله انا عبد الله خلقني لأكون عبد له واحده
    انا افتخر بسياسة بلدي ولكن أن يأتي عدو الله و قاتل اطفال فلسطين إلى ارض بلادي الطاهرة لا اقبل له أي تفسير
    نحن مستعدون أن نجوع و نحتمل الحرب فنحن أبناء الامبراطوريه العمانية في سبيل القضية الفلسطينية
    عاشة القدس و عاش كل مسلم غيور على مقدساتنا

  6. غاب عن ذهن الكاتب المحترم فحوى الآية الكريمه ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وماجعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه” ؟؟؟؟؟؟ ونسي ان يتدبر الآية الكريمه “من يتولهم منكم فهو منهم ” صدق الله العظيم

  7. قلناها مراراً وتكراراً لم ولن تفهموا السياسه والاستراتيجيه العمانيه لان نظرتها ليست الى حد الانف كما تنظر اليه اكثر الدول العربيه .
    استغرب من بعض المعلقين كم هم قانطون وهذا يدل على قلة الوعي والتسرع في الادراك الغير منتظم
    (سلمت يداك ايها الكاتب )

  8. مقال رائع ، فعلا سلطنة عمان تتصف بالوضوح في محيط ملئ بالغدر والخيانه ، تحيه الى شعب عمان والى قابوس المعظم

  9. الانعزاليه الشديده اتجاه معظم القضايا العربيه ثم الانفتاح على الاربع مع مايسمى دولة الكيان يحتاج الى توضيح وشرح من الاخوه في السلطنه ( مسؤولين ومثقفين ) مع حبنا حفظكم الله

  10. سلطنة عمان هي دولة مسالمة فعلا وليس لديها اطماع عدوانية وهي ايضا صاحبة قرار شجاع وموقف ثابت ولم ترصخ او تسمح للسعودية والامارات بالتحكم فيها وجرها الى مسايرة سياساتهم العدوانية التدميرية ، وهذه امور واضحة جدا اثبتتها الاحداث ولا يمكن انكارها.

    ولكن تقاربها مع كيان الاحتلال الاسرائيلي هو امر لا يمكن ان اقتنع به مهما كانت المبررات ، وهو امر اصبحت معه السلطنة كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا.

  11. لا ابرر موقف عمان عندما استضافة النتن ياهو على اراضيها لأني عماني ولا يوجد مبرر لذلك ولكن حماقات البعض ومراهقاتهم السياسية اجبرتها على فعل ذلك واجبرت الكثير من العرب على اتخاذ خطوات لم يكن يريدونها
    نثق في حكمة قائدنا السلطان وحنكته السياسية التي طالما جنبت المنطقة الكثير من الفتن
    عمان دولة ذات عمق تاريخي وخبرتها السياسية تجعلها كفيلة بقيادة المنطقة الى بر السلام لولا مراهقات البعض ..

  12. كل يغني لليلاه . وبالقران الكريم كل حزب بما لديهم فرحون .
    لا اقصد ان انزل من قيمة عمان ولكن تبرير الانفتاح مع الصهيوني باستجلاب السلام هو تحجج واهي . نشكر عمان وكل بلد لا ينساق لحماقات ترامب او نتنياهو او محمد بن سلمان ولكن من يمنع الحرب مع ايران هو قوتها فقط ولا شيء اخر حتى المفاوضات النووية نجحت او كانت لان الامريكان والغرب يأسوا من كبح جماح التقدم الايراني .
    عمان بلد محترم وله مكانة مرموقة عند الجميع ولكنه ليس بلد لا يخطيء اي ليس معصوما وارجو من كتابه ومثقفي هذا البلد ان لا يزوقوا اخطاء بلدهم . انا عراقي وانتقد حكومة العراق لفسادها ولا ابرر لهم وانتقد حكومة العراق لاستضافتها قواعد امريكية وانتقد حكومة العراق لوقوفها على التل عندما تستهدف امريكا الجمهورية الاسلامية .
    انت كاتب محترم وبلدك بلد محترم ولكن نقول لكل جواد كبوة
    هناك فئة بالامة انا منهم لا نقبل اي مبرر بالدنيا لوضع يدك بيد الصهاينة مهما كان السبب فلا غاية تبرر الوسيلة ولا تلون او لعب على الحبال … لست انا ولا غيري من يقرر لكم سياستكم ولكن هكذا نحن .

  13. غير واضح وغير مفهوم ما ورد في المقال أعلاه ، هل استقبال نتنياهو ، رئيس وزراء اسرائيل الأكثر اجراما منذ قيام دوله اسرائيل والتصريحات الودوده من قبل وزير خارجيه عمان نحو اسرائيل هو من قبيل الحنكه والحكمه السياسيه؟؟؟؟؟؟!!!!! . لقد انقلبت موازين العرب الذين هم حاليا في أدنى وأحط حالاتهم على جميع المستويات والأصعده . قد يرى السيد الكاتب ما لا نراه !! . على العموم لا نزال نحترم موقف عمان من حرب اليمن وعدم الإنغماس في قذارة السياسه السعوديه والأمارتيه في العراق وسورية وليبيا واليمن وقطر وإيران وأخيرا وليس أولا فلسطين التي اصبحت يتيمه حتى من أهلها الفارضين أنفسهم حاليا على اداره شؤونها .

  14. مع تمنياتنا لكم بالخير إلا ان التبرير يبقى غير جائز للتطبيع العماني المهين أمام نتانياهو وخاصة منظر وزير الخارجية وهو يتسلل من قبو الفندق الى لقاء الإرهابي قاتل الفلسطينين والمحرض على الدمار والحروب.
    على كل حال الفضل كله بيد الله القائل ” كلما اوقودا نارا للحرب اطفاءها الله”

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here