من كابول إلى دمشق: الدور الباكستاني و التركي في أجندة الصراع الجيوستراتيجي  الأمريكي -الروسي؟

 abdala raqidi.jpg666

د. عبد لله راقدي

كان لباكستان دورا بارزا في ما يسمى “بالجهاد الأفغاني” الذي جرت أطواره في ثمانينيات القرن العشرين. نزاع كان لمخرجاته تداعيات خطيرة  محليا، إقليميا وعالميا، فيما لا تزال تركيا المنخرطة في المستنقع السوري تواجه الكثير من تحديات هذا النزاع. ويمكن إعتبار هذين الحدثين محطتين فارقتين في تاريخ التجاذب الجيوستراتيجي السوفييتي (الروسي حاليا) والأمريكي من أجل الهيمنة وصياغة النظام الدولي. ويعزي انخراط الدولتان في النزاعين إلى عامل الجوار الجغرافي. فهل للبعد الجغرافي دور حاسم في النزاعين الافغاني والسوري؟ ولماذا يشكل هذين النزاعين لحظتين فارقتين في تاريخ الصراع الجيوستراتيجي بين القوتين العظيمتين؟ وهل يمكن اعتبار انخراط كل من باكستان وتركيا في النزاعين تنفيذا لأجندة أمريكية؟

كابول/دمشق محطتان في تجاذبات  الأجندة الأمريكية الروسية.

     يعتبر ما يسمى” بالجهاد الأفغاني” الذي أعلن ضد الغزو الروسي لأفغانستان منذ  ديسمبر 1979 إلى غاية فيفري 1989 حدثا بارزا في مسار الصراع من أجل الهيمنة بين القوتين العظميين خلال فترة الحرب الباردة. بل ويمكن اعتباره منعرج حاسم في تسريع عملية تفكك المعسكر الاشتراكي ومن ثم إعلان انتصار الليبرالية الرأسمالية تحت يافطة  “النظام العالمي الجديد” الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش  في 11 سبتمبر 1990بمناسبة إرسال القوات الأمريكية لمواجهة تداعيات  أزمة الخليج الأولى في أوت 1990، حيث جاء في معرض حديثه بأنه “نظام عالمي جديد” متحرر من الإرهاب، يكرس العدل، والأمن و السلام؛ إنه يشكل عصر يمكن لأمم العالم في مختلف مناطقه بأن تنعم بالرخاء.

      في حين يمكن اعتبار النزاع السوري كحالة مفصلية على ضوء مخرجاته إما  يكرس إنفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم أو تكتفي بوضع القوة العظمى المتفوقة في نظام دولي متعدد الأقطاب. وبالنظر لعدة اعتبارات لعل أبرزها عودة روسيا الاتحادية إلى الساحة الدولية وبفعالية بعد تولي الرئيس بوتين الحكم في 2002 . و بروز  تيار قوي في المعسكر الليبرالي يدفع في اتجاه الضغط على الولايات المتحدة للتخلي عن مسعى القيادة العالمية كونها مكلفة جدا. كما هو واضح مع إدارة ترامب  الرافعة لشعار ” أمريكا أولا”، وفي أوروبا أضحت مسعى العودة للدولة القومية خلاص قطاع واسع من المجتمع. ولننظر إلى قمة دايفوس الاقتصادية حيث الكثير من قادة العالم يستجدون ترامب للعدول عن سياساته الحمائية، والتي سفهت إدعائهم بقدر شعوب العالم بالعولمة الاقتصادية ومن ثم النموذج الاقتصادي الليبرالي المتوحش.  ويبدوا أن مآلات  الصراع تتجه لتحسم في اتجاه الإقرار  بنظام دولي متعدد  الأقطاب، لاسيما مع ما يجري هندسته ويسوق من الولايات المتحدة الأميركية، من ذلك ما صرح به جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي بخصوص الإستراتجية الأمنية الأمريكية في مؤتمر صحفي عقده في مدرسة “جون هوبكنز للدراسات الدولية المتطورة” في 19 جانفي 2018 بالعاصمة واشنطن، حيث جاء في كلامه:” إن أولويات الأمن القومي الأمريكي لم تعد محاربة التهديد الإرهابي بل مواجهة التوسع السريع للجيش الصيني، وسياسة روسيا العدوانية”. وفي سياق متصل قال البريدج كولبي، نائب مساعد وزير الدفاع للاستراتيجيات، “نحن لسنا في سنة 1999، حيث يمكننا القول إن الولايات المتحدة تستطيع أن تفعل كل شيء بمفردها”.  في التنافس، كيف أثر موقع هاتين الدولتين في النزاعين الذي يمكن إعتبارهما محطات حاسمة في  هذا التفاعل الجيوستراتيجي بين القوتين؟

باكستان تركيا:  هل هي نقمة جغرافية الموقع؟

      كون الجغرافيا عامل محدد في التنافس الجيبولتيكي، استعير من روبارت كابلان عبارة “ظلم الجغرافيا”، لانبه الى أن بعض الدول تجد نفسها منخرطة في نزاعات معينة بفعل إملاءات الموقع الجغرافي. على غرار النزاع الافغاني الذي وجدت فيه باكستان متورطة وبسبب في المقام الأول موقعها الجغرافي المجاور لأفغانستان، فلباكستان حدود مشتركة مع الدولة  الأفغانية تمتد بطول 2640 كلم. وشكلت معضلة للبلدين في ظل التداخل القبلي حيث تستوطن قبائل البشتون مناطق على جانبي الحدود.

   ويأتي تدخل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وفق للرؤية الأمريكية على أنه سياسة توسعية، توخت من ورائها السيطرة على  الدول الغنية بالبترول في الخليج وشمال إفريقيا فضلا على  التحكم في المضايق المائية في الخليج على غرار مضيق هرمز. ولأن الولايات المتحدة تحسن إدارة المنافسة والصراع بالوكالة، فضلا على استفادتها من الدرس الفيتنامي لا سيما أنها تدرك أن خصم السوفييت شعب أفغاني صعب المراس فشل معه الإنجليز في القرن التاسع عشر(حرب 1978-1880). عوامل رأت فيها أمريكا الفرصة مواتية للإيقاع بالسوفيت في المستنقع الأفغاني، كما كشف عنه  بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد إدارة كارتر  حيث يقول ان الولايات المتحدة حرضت الإتحاد السوفيتي للإيقاع به في مستنقع أفغانستان وهو أشبه بما حصل لأمريكا مع فيتنام. فيها هذا السياق، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية في باكستان المجاورة لأفغانستان بحدود متداخلة أفضل حليف لتنفيذ المهمة. لقد ساعدت الإدارة الأمريكية المخابرات الباكستانية في تشكيل وميلاد النواة الأولى لجماعات الجهاد الإسلامي. لاسيما وأن الغزو السوفيتي لأفغانستان ساهم في تغيير أولويات الحركة الإسلامية الأفغانية المنتعشة مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران. ففي ظل تعبئة ومساندة وتحريض إعلامي ممنهج، ونتيجة للدعاية القوية والتسويق الإعلامي حازت القضية الأفغانية تعاطفا ومساندة في مختلف مناطق العالم الإسلامي وأصبح بموجبها الجهاد المقدس المسلح الخيار الأوحد. مع دعم ومساعدة أمريكية بمختلف الأسلحة والمتفجرات الجد متطورة.

     بالنسبة للنزاع السوري، أعتقد صانع القرار التركي أن الظروف مناسبة لأخذ حصة تركيا من المشروع العولمي الذي يجري تجسيد جزء منه في منطقة الشرق الأوسط. ففي إطار عملية تفكيك المنطقة ومعاقبة الأنظمة المارقة أوكل لها – مع بعض الدول العربية البترولية  كالسعودية، الإمارات قطر – من قبل قوى العولمة مهمة دعم ومساندة الوكلاء المحليين من جماعات معارضة ومنظمات إرهابية في سوريا وغيرها من الدول المعنية بالتفكيك والتهديم. وجدت تركيا التي تمتلك حدود مشتركة مع سوريا تمتد على مسافة تصل إلى 911 كلم نفسها تلعب دور دولة استقبال وعبور آلاف المسلحين والإرهابيين الوافدين من شتى بقاع العالم. وعلى نحو متصل سمحت لما يسمى بالمعارضة بفتح مقرا لها في تركيا. ومما تضمنه في هذا الشأن تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، وحدة الدراسات والتقارير  “3”، أنه  منذ انطلاقة  “الثورة السورية” عام 2011، أصبحت تركيا بوابة عبور المقاتلين الأجانب من  سوريا وبالعكس، وكشفت التقارير والتحقيقات في حينها، وجود معسكرات للجماعات المتطرفة، تدار من داخل تركيا وعند الحدود السورية. كما كشفت تقارير أخرى وصور وكالات موثوقة، وصول مقاتلين أجانب من دول أوروبا وغيرها، ينزلون في مطارات تركيا، وهم في تجهيزاتهم القتالية. أيضا كشفت تحرك وتنقل المقاتلين الأجانب بحرية داخل تركيا في وسائل النقل، ويحملون شعارات “جهادية”. وفي تقرير منظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش من أكتوبر 2013 اتهمت السلطات التركية بالسماح للمقاتلين بدخول شمال سوريا للانضمام إلى الحرب ضد الرئيس السوري بشار الأسد. إضافة إلى ذلك، ذكر التقرير أن المقاتلين تلقوا الرعاية الطبية في تركيا كما سلمت لهم  الأسلحة والاموال. فما طبيعة تداعيات إنخراط الدوليتين في النزاعين؟

إفرازات المشهدين: التطرف والإرهاب والضعف والهوان

      لعل أهم تداعيات النزاع الأفغاني على المشهد الدولي مساهمته في تفكك الاتحاد السوفييتي ومن ثم المعسكر الاشتراكي. ونتيجة له دمرت الموارد الاقتصادية وتوقفت التنمية. كما ساهم في تمزيق الوحدة الوطنية عبر إثارة النعرات العرقية المذهبية الدينية الثقافية. فعقب انسحاب السوفيت في 1989 دخلت أفغانستان في حرب أهلية جراء الصراع من أجل السلطة والحكم بين أهم  القبائل ( البشـتون والأوزبـك والطاجيـك والهزار). وأصيب جراء ذلك تيار الإسلام السياسي بانتكاسة انهيار المشروع الأفغاني الذي راهن عليه كثير من الإسلاميين في العالم. وبرزت منظمات إرهابية إسلامية على غرار القاعدة التي أقدمت على تفجيري سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا) وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 بنيويورك التي سوغت للولايات المتحدة احتلال أفغانستان.  أما  باكستان فلم تعد تذكر في معادلات علاقات القوة المتشكلة في المنطقة رغم حيازتها  على “القنبلة النووية الإسلامية”.

بالنسبة للنزاع السوري، اعتبر التدخل الروسي المباشر في 2015 وقبله في جزيرة القرم بمثابة تدشين مرحلة جديدة عنوانها التعددية القطبية الدولية.

   أما تركيا التي فقدت مكانتها كشريك تجاري واقتصادي مهم لسوريا بسبب غلق الحدود جراء تدهور الأوضاع الأمنية على الحدود الجنوبية، أيضا وبسبب انخراطها في المستنقع السوري أضحت مجبرة على تسخير الكثير من مواردها لمواجهة تبعاته المهددة لأمنها الإقليمي. كتحرير المدن الحدودية من قبضة داعش و دخولها في حرب استنزاف مع الأكراد الممولون أمريكيا.  أما سوريا فضلا عن الدمار الذي لحقها فإن ما يخطط لها من تقسيم سيكون اكبر تحدي تواجهه المنطقة في المستقبل.

وأخلص، إلى أنه في النزاعين أدت الجغرافيا دورا حاسما في لعبة الصراع بين القوتين. وتم توظيف الإسلام كأداة للتعبئة والصراع في زمانين مختلفين وبفواعل عالمية متشابهة وحالتان متباعدتان جغرافيا وزمانيا. ولانهما حاسمين حري بالدول والأحزاب والتيارات والجماعات أن تستوعب وتفهم أن العلاقات الدولية تحتكم للقوة وتهدف للهينة. ويمكن القول أن مسار التجاذبات في المنطقة يساعد إسرائيل على الاستمرار في الصعود الهادئ، وتنتظر  إلى حين تهدئ عاصفة النزاعات ويخرج الجميع منهكون مدمرون، تشرع حينذاك في فرض أجندتها.

أستاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة -1-  الجزائر.

ragdiabdlh@gmail.com: E-mail

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تحليل منطقي من أستاذ ينتمي الى المدرسة الواقعية هذا حسب رأيي.
    رائع جدا استاذنا عبد الله راقدي حينما سلط الضوء على الصراع اللا منتهي بين القوى المهيمنة في العالم وعلى رأسها طبعا الولايات المتحدة الامريكيية و روسيا و الصين …
    ومن خلال هذا التحليل الرائع نجد ان المستفيد الاكبر هو الكيان الصهيوني الاسرائيلي الذي يجني ثمار هذه الصراعات بكل ارياحية .

  2. مما سبق من خلال المقال ان المنظور الواقعي رغم المنافسة مع التيار الليبرالي لزال يثبت احيتقه لان العلاقات بين الدول والفواعل ماهي الا علاقات القوة من اجل الهيمنة واسيطرة بدوافع مختلفة ولكن بادات القوة شكر للاستاذ الذي تطرق للموضوع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here