من رواية العزلة لخالد الهواري سوق العيد

السويد ـ “راي اليوم”:

هكذا تخيلت ، اوكنت اتمني ان يحدث ذلك ، وانا وسط ضجيج سوق السمك ،وصيحات الباعة الواقفين خلف الصناديق الخشبية المرصوص في داخلها السمك تحت اكوام الثلج، كانوا يرفعون باحدي اياديهم السمك يلوحون به في الهواء ليدللون علي طزاجته، ويشيرون للزبائن باليد الاخري ليقبلون عليهم، وصوت باعة الليمون، والبصل الاخضر، كنت اقطع الممر الضيق بين الباعة بصعوبة ، وازاحم الاخرين بكتقي، موظفين دوائر حكومية تركوا اعمالهم ومصالح الناس وجاؤا مبكرا ليحصلون علي السمك الطازج، نساء تحملن اطفالهن علي اكتافهن، وصعاليك متجولون يتحرشون بمؤحرات النساء في الزحام، وباستطاعتي ان اوصف المشهد الذي تمنيت حدوثة كأنها لقطة من قيلم تدور احداثة قي خيالي، ان بائع الحلوي الذي كان يغزل من خيوط الحلم طيور ملونة يهديها للعابرين قد اغلق الدكان، استراح الان في عزلته من الهم والغم، لذلك لم يعد يشعر بطعم المرارة القديمة التي كانت تهشم كبرياءه مثل احتراق اعواد الحطب في اتون المنافي التي تبتلع المعذبين الهاربين الي ملاذاتها ،وهو يشاهد البنات صغيرات السن جالسات علي الارض امام مكتب سمسار الخدم الذي كان يديره ظابط امن سابق، كان يختار الخادمات من صغيرات السن الغير متزوجات لان زبائته لهم مواصفات خاصة يحددونها في اختيار من سوف تدخل الي بيوتهم، وتحظي برؤية ابناءهم المدللين، ولديهم مدرسين للعزف علي البيانو، والغناء وكذلك لتعليم اللغات، منذ ان توقفت الطيور الملونة التي كانت تحلق في فضاءات صاحب دكان الحلوي، كبرالطفل، ولم يعد الان ينتظر مع ابناء الحارة مثلما كان يفعل في صباح يوم العيد وهم يرتدون الملابس الجديدة الملونة والاحذية اللامعة، تقبض اياديهم علي القروش القليلة التي حصلوا عليها من الاقارب والجيران مجئ العربة الكارو، وصوت عجلاتها الخشبية تطقطق علي الطريق وكأنها قادمة من زمن بعيد بفرحة طفولية لاتتكرر في حياتهم غير من العيد الي العيد الاخر، ويلتفون في بهجه طفولية حول الحمار المزين بالورود وسعف النخيل الاخضر، وشعره مصبوغا بالحناء غامقة اللون لتأخذهم الي ساحة سوق العيد، لم يعد يفكر الان هل العربة لازالت كماهي تجئ في موعدها؟ لم يتساءل عن مصير الحمار المصبوغ بالحناء، هل لازال يمر في عالمهم، ام هو واحد من تلك الرؤوس الكبيرة التي يعثرون عليها في الخلاء بعد ان تقطعت الاجساد، وتوزعت في دكاكين الجزارين الذين يبيعون اللحم للفقراء، فمنذ ان افتي الشيخ بمشروعية اكل لحوم الحمير ،اختفت العربات الكارو التي كانت تشارك المحرومين فرحتهم في اعيادهم، وضاعت بهجة رؤية الحمير. القلم الذي لم يكن قد استوعب بعد الحقيقة ،ولذلك كان يحلم كثيرا ان يرسم المدائن العامرة، يحلم ان يصنع عالم افضل، انتهي به الحال الان في عزلته ينشد الخلاص في ساعات الليل الاخيرة، يراقب بقايا القهوة في الفنجان وهي تتمدد وترسم علي الجدران عصفور يحمل علي جناحيه الوطن..في ذلك اليوم، كنت كل مااحتاج اليه مجرد شئ بسيط لايحتاج الي البطولة، واين هي البطولة ان اتجرء لمرة واحدة في حياتي وارفض ان اظل علي الحياد المهين ، وافارق الجدار الذي عشت عمري اسير لصيق في خياله ؟ مشهد هذه المرأة القرويه البسيطه وهي تكاد ان تسقط علي الارض في انحناءها علي ايدي موظف مصلحة المعاشات ، وهي تشكو اليه في انكسار قسوة الجوع والمرض والمصير الذي يهددها وابناءها الصغار بالطرد الي الشارع بعد موت زوجها ،وعجزها علي تسديد ايجار البيت، قسوة الحياة التي تعيشها بعد موت زوجها صعقا بالكهرباء امام ماكينة الغزل في المصنع الذي قضي عمره القليل يعمل في العنابر امام الماكينات بجدية واخلاص راضيا بالاجر القليل الذي كان بالكاد يكفيهم ضرورات الحياة، ورغم مرور اكثر من ثمانية اشهر لم تنتهي اجراءات صرف المعاش الشهري، بل وتمادوا في الظلم ،وحاكموه في قبره استرضاءا لصاحب المصنع بتهمة الاهمال حتي لايدفع صاحب المصنع تعويضا للموت في اثناء العمل، كانت تبكي بحرقه، وهي تشكوا رحلتها من القرية الي المدينة كل اسبوع، كان صوتها يدور من حولي مثل حجر الطاحونة، كنت من قسوة المشهد اريد ان اترك المكان واهرب   .

قالت :

ـ الي اين اذهب انا وابنائي

قالت:

ـ حتي الركاب في السيارة النصف نقل التي احشر جسدي في زحامها يتحرشون بي وانا في هذه السن المتقدم من العمر

كنت اشاهد انهيارها وانا احترق، ولكن كنت اشعر بالضأله وانا امارس الحياد المخجل، والصمت المهين، فماجدوي المفاجأت في زمن متعدد الاوجه، ما ننام عليه هو نفس مانصحوا علي وجودة، عرفت من امراة اخري كانت تدخل الي مكاتب الموظفين وتنتقل بينهم ولاتستغرق دقائق قليلة حتي تنهي معاملاتها  القانونية، وعندما رأتني لااستوعب هذا التناقض الشديد بينها وبين الاخرين الذين ينتظرون الشهور وربما السنوات لقضاء مصالحهم

 قالت:

ـ لاتتعجب يوجد دائما الكثير من الطرق والمساومات لقضاء الحاجات، ماذنبنا نحن اذا كانت الحياة قد فرضت علينا ان ندفع ثمن حصولنا علي الحقوق من اجسادنا، ثم بعد ذلك دخلت في نوبه  من الضحك

وقالت :

 ـ اذا احتاجتني لقضاء مصلحة مستعصية، اسأل عني عامل البوفية في المبني، وانا تحت امرك

ستظل صورة الموت البطئ المتسلل الي اجسادنا تغطي كل شئ، انا لم اهرب ولكن اخترت الاصعب، المنفي الذي وصلت اليه الان لم يكن الخلاص النهائي كما كنت اعتقد، ويدفعني الحنين ان اجمع كل الاشياء البسيطة واصنع منها شوارع وطني وبيوت الحارة، وملامح كل الذين فارقتهم للابد، لكن ماالذي كانت سوف تمنحني سنوات اخري من العيش في السجن الداخلي؟ ماالذي حققته في النصف الاول من العمرغير الخوف والانزلاق في عالم الكبت، والانزواء ،والانطواء، كل الاشياء التي كانت رمزا وايقونة رأيتها تنكسر امام سطوة كسرة الخبز والحرمان من مجرد البقاء والشعور بالطمأنينة في الحياة، كل القناعات والمبادء وحتي الاحلام تغوص في اوحال الواقع امام انتحاب شيخ عجوز كان يجوب الشوارع يحمل صورة ابنه الذي اخذوه من البيت وسط نحيب امه في ساعة الفجر، وكان يستجدي الناس وهو يعرض عليهم صورته، يتوهم ويسترجي ان يخبروه في اي طريق قد سلكوا به، كل شيء تحطم، وكان صوت السقوط مريعا، كم هو الوقت الذي كنت استطيع البقاء في هذا الجو الخانق، كارها السذاجة والخرافات التي تحاصرنا، مجبرا علي ان اشارك الاخرين الاستسلام للظلم الاجتماعي، اضحك مثلهم علي الخيبات الثابتة في حياتنا، وابكي علي الحسرات عندما يريدون ايجاد الاسباب التي تقنعهم بامكانية التعايش مع الواقع، وصلت لمرحلة لم يعد لدي شيئا  امنحه للاخرين، فأنا نفسي اصبحت مجرد بقايا تتسربل في اكفانها، سقطت راية احلامي علي الرغم من بساطتها وداستها اقدام المتعبين مثلي في شوارع المدينة، قانون الطوارئ وحظر التجوال منذ الساعة السادسة مساء، الدوريات العسكرية التي تجوب الشوارع تبحث مثل الذئاب الجائعة عن ضحاياها، استباحوا الارواح بالتفتيش المهين للرجال ،والنساء في قارعة الطريق ،وانتهكو حرمات البيوت، كل شيئ قد اصبح مستباحا منذ ذلك اليوم الذي انقلبت فيه الامور رأسا علي عقب، يوم ان اعترض مجموعة من الشباب موكب الرئيس ،وهو في طريقه الي الجامعالكبير ليشارك في احتفال ليلة الاسراء والمعراج ،ويلقي خطابه كما اعتاد ان يفعل كل سنة في هذه المناسبة الدينية التي تنقلها جميع قنوات الاعلام في وقت واحد ، في ذلك اليوم حاول مجموعة من الشباب اختراق صفوف العساكر التي كانت تحتجز الناس علي جانبي الطريق اثناء مرور الموكب، وعندما فشلوا ارتفعت اصواتهم بالهتافات، اين العدل، اين الدين؟ احنا يارئيسنا مظلومين، في هذه اللحظة اظلمت الدنيا من كثرة اعداد العساكر التي انتشرت في الشوارع بملابسها الميري السوداء، واخرين بالملابس المدنية كانوا مندسين بين الناس، اعتقلوا كل من طالته اياديهم، واتضح فيما بعد انهم مجرد طلبة بسطاء تعرضوا للظلم عندما اتخذت الجامعة قرارا بمنعهم من استكمال الدراسة لعجزهم عن تسديد المصروفات الدراسية، اشتكوا لجميع الجهات، ارسلوا البرقيات الي جميع المسؤولين في الحكومة، وعندما ضاقت بهم الدنيا انتهزوا هذه الفرصة ليرفعون شكواهم للرئيس، اعتقدوا ان الرئيس سوف يسمع اصواتهم مباشرة، وسوف يسأل عن مطالبهم، اليس هو الجنرال الذي اجبرتهم الادارة الجامعية في السنوات السابقة ان يحملون اللافتات ويقفون في الحر الشديد والعرق يتساقط من اجسادهم لاستقباله، الم يبشرهم المبشرين انه المصلح الذي كان منتظر مجيئه، لكن هذه الحادثة علي الرغم من بساطتها وعفويتها، اعتبرها الرئيس الذي تنتابه المخاوف الدائمة منذ ان شهد مشهد سقوط الجنرال السابق بجواره علي المنصة، لم يكن يخطر علي باله وهو الجنرال الجديد الذي قد تعلم من الدرس ان يتجرأ احد في يوم من الايام وينطق بكلمة اعتراض اوشكوي، هل يمكن ان يشكوا احدا في دولتة التي

يرفل فيها الشعب في النعيم؟ والتقارير التي تصل اليه في كل يوم من رجاله اهل الثقة تطمأن قلبه وتدخل السرور الي نفسه بدعوات الناس له بطول العمر ودوام الصحة بعد كل صلاة  ،اعتبر ماحدث مؤامرة مدبرة،  واهانة موجهه له شخصيا، صحيح ان الرئيس في ذلك الوقت كان طاعنا في السن وترك شؤون الدولة الي احد ابناءه الذي كان يمهد له طريق وراثة السلطة بعد ان تخلص من جميع الجنرالات القدامي وانعزل هو في قصر علي الشاطئ، اصبح الرجل يجد راحته في العزلة مع طبيبه الخاص، او بالاصح في مدينة كاملة اصبحت ملكيتها له ولحاشيته من رجال الاعمال، وحرمت الاجهزة الامنية علي الشعب مجرد الاقتراب منها باستثناء اهل الحظوة الذين يجيدون تقديم الهدايا، وعقد الصفقات ،والعمولات في السهرات التي تمتد كل يوم للصباح بين الرقص والطرب،

للقصة بقية

Print Friendly, PDF & Email

22 تعليقات

  1. ستظل صورة الموت البطئ المتسلل الي اجسادنا تغطي كل شئ، انا لم اهرب ولكن اخترت الاصعب، المنفي الذي وصلت اليه الان لم يكن الخلاص النهائي كما كنت اعتقد، ويدفعني الحنين ان اجمع كل الاشياء البسيطة واصنع منها شوارع وطني وبيوت الحارة، وملامح كل الذين فارقتهم للابد، لكن ماالذي كانت سوف تمنحني سنوات اخري من العيش في السجن الداخلي؟ ماالذي حققته في النصف الاول من العمرغير الخوف والانزلاق في عالم الكبت، والانزواء ،والانطواء، كل الاشياء التي كانت رمزا وايقونة رأيتها تنكسر امام سطوة كسرة الخبز والحرمان من مجرد البقاء والشعور بالطمأنينة في الحياة، كل القناعات والمبادء وحتي الاحلام تغوص في اوحال الواقع امام انتحاب شيخ عجوز كان يجوب الشوارع يحمل صورة ابنه الذي اخذوه من البيت وسط نحيب امه في ساعة الفجر، وكان يستجدي الناس وهو يعرض عليهم صورته، يتوهم ويسترجي ان يخبروه في اي طريق قد سلكوا به،
    حركت في داخلنا المواجع

  2. وحشتنا يابن مصر الحبيب
    وحشتنا يابن مصر حبيبنا خالد الهواري

  3. ادب الثورة
    علي مر تاريخنا العربي لعب الادباء في المنافي الدور الكبير والاعظم فيما عرف بادب الثورة والثوار . نعم لقد دفعوا الثمن من اعمارهم في المنافي والوحدة والحياة الصعبة والمريرة ولكنهم ظلوا عظماء في نظر الاجبال جيلا بعد جيل .
    انت قلم ثائر علي الظلم استاذ خالد الهواري حفظ الله ورعاك

  4. حسبنا الله ونعم الوكيل في حسني مبارك وامن الدولة
    حسبنا الله ونعم الوكيل في الذين اجبروا ابناء مصر علي الحياة في المنفي وحرموا مصر من ابناءها المثقفين الحقيقيين

  5. مصر لم تتغير ولازالت نفس المعاناة والظلم الاجتماعي والفقراء يذدادون فقرا والاغنياء يذدادون نهب وسرقة لكل شئ في البلد . رحم الله شعب مصر المغلوب علي امره

  6. كل شيئ قد اصبح مستباحا منذ ذلك اليوم الذي انقلبت فيه الامور رأسا علي عقب، يوم ان اعترض مجموعة من الشباب موكب الرئيس ،وهو في طريقه الي الجامعالكبير ليشارك في احتفال ليلة الاسراء والمعراج ،ويلقي خطابه كما اعتاد ان يفعل كل سنة في هذه المناسبة الدينية التي تنقلها جميع قنوات الاعلام في وقت واحد ، في ذلك اليوم حاول مجموعة من الشباب اختراق صفوف العساكر التي كانت تحتجز الناس علي جانبي الطريق اثناء مرور الموكب، وعندما فشلوا ارتفعت اصواتهم بالهتافات، اين العدل، اين الدين؟ احنا يارئيسنا مظلومين، في هذه اللحظة اظلمت الدنيا من كثرة اعداد العساكر التي انتشرت في الشوارع بملابسها الميري السوداء، واخرين بالملابس المدنية كانوا مندسين بين الناس، اعتقلوا كل من طالته اياديهم، واتضح فيما بعد انهم مجرد طلبة بسطاء تعرضوا للظلم عندما اتخذت الجامعة قرارا بمنعهم من استكمال الدراسة لعجزهم عن تسديد المصروفات الدراسية، اشتكوا لجميع الجهات، ارسلوا البرقيات الي جميع المسؤولين في الحكومة، وعندما ضاقت بهم الدنيا انتهزوا هذه الفرصة ليرفعون شكواهم للرئيس، اعتقدوا ان الرئيس سوف يسمع اصواتهم مباشرة، وسوف يسأل عن مطالبهم، اليس هو الجنرال الذي اجبرتهم الادارة الجامعية في السنوات السابقة ان يحملون اللافتات ويقفون في الحر الشديد والعرق يتساقط من اجسادهم لاستقباله، الم يبشرهم المبشرين انه المصلح الذي كان منتظر مجيئه …. تسلم ايدك

  7. كنت ومازلت مناضلا صلدا وكاتبا مبدعا أديبا أو صحفيا
    بارك الله بعمرك وصحتك وأسرتك واحبابك اخي الذى لم تلده أمي

  8. ربنا يبعد عنك الشر ويجعل لك في كل خطوة السلامة ياغالي

  9. الاستاذ خالد الهواري
    حضرتك خرجت من طين مصر الحر . قامة روائية شامخة

  10. الشكر والتقدير لجريدة رأي اليوم ولصفحنها الثقافية علي منحي كقارء فرصة قراءة هذا الابداع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here