منير البشير الساعدي: الحكومة الليبية والالغام التي تقف في طريقها

منير البشير الساعدي

يواجه رئيس الحكومة المرشح حاليا كما يبدو  تحديات عدة يثيرها البعض  وتستهدف في بعضها  الانتقاص من دوره والتشكيك في اختياره والهدف الواضح في بعضها هو العمل على الوصول لتسوية معه تقضي بقبوله لترشيحات معينة لمناصب وزارية محددة أو لمناصب  قيادية من الدرجة الثانية أو تقديم وعود بإيفاد  سفراء جدد ممن  لم يسعفهم الحظ أو قوة الواسطة لتولى وزارة ما أو لتحقيق  مطالب فئوية مستقبلية معينة!

وفِي سياق كل هذا تتعدد أوجه وأساليب المواجهة  وإن اتخذت ظاهرياً عوامل ومنافذ عدة لعل من أهمها وفق المعلن الآتي :

▪︎ الدفع بمسألة الرشاوي لتولى المنصب ..

 والواضح أن الهدف من إثارة هذا الموضوع  من بعض الجهات  ليس بريئاً بغض النظر عن صحة  تلك الاتهامات من عدمها فذلك أمر أصبح  كما يعلم الجميع في أيدي المنظمة الدولية وتحقيقاتها، وليس الأمر مما قد يصنفه البعض في إطار نقاوة وشفافية  العرض ولا بدافع وطني من بعض الدافعين به وإن دخل صراحة في إطار سياسة ممنهجة لممارسة ضغوط على رئيس الحكومة المرشح لتحقيق أهداف وغايات ومآرب أخرى، وقد يكون هذا بفعل بعض الموتورين الذين خابت آمالهم في التوزير أو لم يكن  ممكنناً تحقيقها أو سعياً منهم للإطاحة به للدخول مجدداً في نفق الحوارات الهادفة إلى إخراج مرشح  جديد لرئاسة الحكومة!

▪︎ تعقيدات المحاصصة..

وثقلها المتزايد بالتحديات المترتبة عليها، فالعديدة من الجهات تسعى كل منها جاهدة أن تظفر بمنصب ما على قلة تلك المناصب ومحدوديتها ناهيك بالفترة الزمنية المحددة بها. وكما يبدو فإن هذا الداء المستشري في الجسم  السياسي الليبي  كان سبباً فيما برز من تكهنات من توسيع عدد الحقائب الوزارية بأكثر مما يجب والتي لا يمكن تصنيفها في إطارها إلا بوزارة المحاصصات وتقسيم الغنائم البعيدة  كل البعد عن الهدف الأسمى الذي ستشكل من أجله وهي بهذا لن تضيف سوى عبء وثقل  كبيرين وتقييدا لحركتها وحركة رئيسها وما قد يترتب عن ذلك من تعقيدات وصراعات واختلافات   قد تحجم من حراكها تجاه الاستحقاقات الانتخابية والمطلوبة منها والتي اختيرت لأجلها.

▪︎ التهديد المتكرر بعدم منح الثقة..

وتدافع تلك التصريحات والتهديدات بحججها  لعدم منح الثقة ولو مؤقتا بأن أمورا بدأت تظهر ليس أقلها ما يرفعه البعض من أهمية الانتظار لما بعد 15 مارس الجاري أي بعد ظهور نتيجة التحقيقات الدولية بشأن تهمة الرشاوى ومدى صحتها وجديتها وبالطبع تبعاتها إن تأكدت على وضع رئيس الحكومة المرشح ومصداقيته واستمراريته من عدمها. وهي أمور تصب في مجملها كما أسلفت في إنهاك  رئيس الحكومة حتى قبل أن تمنح له ورقة الاعتماد وقد تدفع به تحت هذه الضغوط في مرحلة ما إلى تقديم تنازلات محددة إلى من يرفع راية هذا الأمر حتى يتم تمرير موضوع الاعتماد بسلام.

ومع ذلك تبقى  هذه التهمة حتى على افتراض براءة ساحته منها لصيقة به ستثار ضده من حين إلى آخر وستكون  لها أثر كبر أم صغر في إضعاف حراكه مستقبلاً بعد اعتماد الحكومة وستكون عاملاً للتهديد والانتقاص من شرعيته وشرعية حكومته وبلا شك أن الوضع سيكون أسوأ سياسياً وأخلاقيا لو تأكدت هذه التهمة عليه حتى لو تسرع من جهته ونال الثقة  واستبق الأمر قبل صدور التقرير الدولي !

ومما لا شك فيه فإن إعلان المجلس الرئاسي  الحالي  الصادر اليوم الاربعاء الثالث من مارس 2021 الذي طالب بموجبه من الوزراء والمؤسسات  التابعة له بعدم  التعامل مع  المجلس الرئاسي وحكومة  الوحدة  المنبثقة عن حوار جنيف إلا بعد حصولها على الشرعية و إن بدا أمراً طبيعياً في حالة كان المجلس نفسه يحمل نفس الاعتماد الذي يطالب به،  سيطرح  أسئلة عدة حول  طبيعة المسار التي ستسير فيه البلاد وحول التطورات القادمة التي ستحدد مصير هذا الجسم الجديد خاصة في ضوء  ما سيسفر من نتائج عن التحقيقات عن شبهة  الرشاوى . ويعتريني إحساس هنا بأن الأمر لا يبعث في مجمله على الاطمئنان على الوضع  الداخلي للبلاد!

▪︎ التوازنات الدولية والقوى الجاثمة على الأرض الليبية..

ولقد لاحظنا ذلك الحراك المتعدد الاتجاهات والتوجهات لرئيس الحكومة المرشح استرضاءًا  لجهة أو أكثر أجنبية لها تأثير فاعل أو وجود عسكري قائم. وفِي هذا لمسنا تحركاً باتجاه تركيا  ومصر  وهما على طرفي النقيض في المسألة الليبية وتصريحات  صحفية مواكبة بطمأنة هذا البلد أو ذاك.  وكنا نرى أنه من الأسلم لو آثر رئيس الحكومة الصمت الإعلامي عقب زيارات أو اتصالات كهذه أو أجلها إلى ما بعد منح الثقة تفادياً  لما قد يحدث  من إساءة  فهم  لصحيح موقفه أو اتهامه بالإنحياز إلى فريق دون الآخر أو قد تكون سبباً في إضعاف موقفه وإتاحة الفرصة لتصنيفه سياسياً باتجاه ما وهو لم يستلم بعد و كان في غنى عن كل هذا لو كان له مستشارون، لهم باع واسع من الحنكة و الدراية السياسية و حسن التخطيط. غير أنه أدخل نفسه و في وقت مبكر في نفق العلاقات الدولية و بعضها لها وجود عسكري واتفاقات مثيرة للجدل أبرمت و مصالحها المتضاربة المتصارعة ولن تكفي وعوده المباشرة بالانفتاح الاقتصادي والمشاركة في  المشاريع الضخمة لإعادة إعمار البلاد أن تمحى شكوكاً  قائمة لديها  وفِي ظل مساعي جارية لدول أخرى معنية  مباشرة بالشأن الليبي ولم يتم الإتصال بها ولها أجنداتها ومصالحها ومخططاتها للاستحواذ على جزء من الغنيمة الليبية  في مرحلتها القادمة  لما بعد اعتماد الحكومة !

وفِي  حقيقة الأمر فإنه ربما كان للرئيس المرشح أسبابه ودوافعه في الاندفاع إلى طمأنة هذه الجهة أو تلك تيسيرا  لهاجسه في تمرير حكومته ولكنه ليس مضطراً أن يواكب ذلك بتصريحات صحفية ألزم نفسه وحكومته بها ببعض التعهدات وفتحت باباً لبعض المتربصين به .

▪︎ التزامات ووعود داخلية معلنه..

وقد يصعب  تحقيق بعضها في فترة زمنية  ضيقة  لحكومة مهمتها محددة بزمن و أجندة معينة مسبقا و على رأس أجندتها بنداً أساسيا محوريا  شكلت من أجله و يتطلب رص الصفوف والتكتل لتحقيقه بعمل وجهد مشترك جماعي في ظل استقرار قائم وبعيداً عن أي قضايا أو مسائل خلافية قد تشتت جهود الحكومة والشعب عن تحقيق هذا الهدف القومي  المنشود وهو الاستحقاق الانتخابي. ويبدو أن هاجس تمرير حكومته التي تقف وراء حراكه الخارجي هي ذاتها التي تقف  وراء هذا. وهذا أمر طبيعي ومقبول  وراء التزاماته المعلنة لطمأنة المواطنين  ومساعدتهم في تخطي صعوبات الحياة والغلاء وأساسا مواجهة جائحة كورونا المتحورة اللعينة وتوفير اللقاح بأسرع ما يمكن لوقف فتك هذه الجائحة بالناس.  وبالتأكيد  ليس مطلوباً من حكومة انتقالية محددة بأشهر معدودات أن تقيم مشاريع استراتيجية أو تغير بشكل هيكلي من اقتصاد البلد  الريعي  حتى لو تعهد بهذا رئيس الحكومة  وهو للإنصاف لم يفعل. لكن ما تعهد به عليه الالتزام به وليس  بمقدوره التنصل منه في ظل خصوم متربصين للنيل منه ومن حكومته و فِي ظل مجلس رئاسي قائم شريك رئيسي له في السلطة.

وتبقى في  ظل كل هذا الخضم من التفاعلات  عدة  أسئلة تتطلب إجابة ما، لعل أهمها:

س1/  كيف  يمكن لرئيس الحكومة أن يفي بكل هذه  التعهدات الداخلية والتعامل مع ملف  المصالح  الأجنبية المعقدة والمتضاربة  في ظل حكومة  مشكلة بموجب معيار المحاصصة السياسية قد تفتقد إلى عناصر الخبرة و التكنوقراط خاصة في ملف التعامل الدولي؟!

س2/ ماهي الأولويات التي ستبدأ الحكومة في التعامل معها بعد اعتمادها في ظل أجندتها المتعددة ؟ وهل ستتفرغ للشأن الداخلي؟ وهل  يمكن أن يتم هذا بمعزل عن وجود القوات الاجنبية والمرتزقة في البلاد أم أن الأمر يتطلب تسوية هذه المسألة وإنهاء هذا الوجود قبل أي شيء آخر وضمن أي آلية ؟!

في الواقع  لا  أريد أن أطرح في هذه المرحلة العديد من الأسئلة وما أكثرها و لكنني أعلم يقيناً أن الحكومة تنتظرها بعد اعتمادها مهام جد شاقة  تستوجب  تضامن الجميع وعقد عصف ذهني لكيفية الخروج من هذا الجب العميق الذي وقعت فيه الدولة الليبية منذ سنين!

كاتب ومحلل سياسي ليبي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here