منية الكواش: السنيما تخدم القضية الفلسطينية عندما تصور الحقائق

 

تونس ـ منية الكواش:

“ماذا تستطيع أن تقدمه السنيما  للقضية الفلسطينية ؟ كان هذا عنوان تظاهرة سنيمائية نظمتها المكتبة السنمائية (سينيماتاك) بمدينة الثقافة في تونس من 27 نوفمبر الى 2 ديسمبر لعرض أفلام فلسطينية  تضامنا مع  الشعب الفلسطيني لإحيائه مع بقية دول العالم ليوم الأرض الموافق ل29  من شهر نوفمبر.

وللإحتفال بهذا اليوم الدولي عرض فضاء سنيماتاك  أفلاما عن القضية الفلسطينية ، تجاوزت الصورة النمطية فنقلت الواقع المعاش وإلتزمت بالوقائع  دون المبالغة وتمسكت بإظهار الحقائق حتى تحررها  من التحريف و التشويه المسلط عليها . ونذكر من بين هذه الأفلام : فيلم “مملكة النمل “للمخرج التونسي شوقي الماجري  وفيلم ” يا طير الطاير” و”بارادايز ناو” للمخرج هاني  أبو  أسعد وفيلم “الأرض بتتكلم عربي” للمخرجة الفلسطينية  ماريز قرقور.

صورت هذه الأفلام المواطن الفلسطيني وهو يجتهد ليعيش حياة عادية بمرها وحلوها وإغراءاتها وأحلامها رغم الألم  الذي يسكن فيه ولايفارقه  كما عرضت هذه الأفلام  مشاهدا عن معاناة أسر فلسطينية تكتوي يوميا بنار الاحتلال الإسرائيلي وتقاوم في صمت وكل بطريقته.

ليس أدل من شهادات حية ووثائق علمية لإظهار  الحقيقة 

وللإعتراف بدور هذه الأفلام في إنارة الرأي العام  العالمي إستدعت المكتبة السنيمائية  “سنيماتاك “المخرجة الفلسطينية  ماريز قرقو لمناقشة فيلمها الوثائقي ” الأرض بتتكلم عربي ” وتعد  ماريز  قرقور من  المبدعين الفلسطيين المهمومين بتوثيق التاريخ وحفظ ما تبقى من التراث القومي الفلسطيني المهدد بالزوال والطمس من قبل الاحتلال الإسرائيلي  منذ عام 1948. وبالرغم من أن هذه المخرجة غادرت يافا  وكان عمرها ستة  أشهر إلا أنها  كبرت وكبر معها إنتماؤها إلى  بلدها فساهمت  بأفلام وثائقية عديدة لإظهار الحقيقة والمساهمة في التعريف بعدالة القضية الفلسطينية .

 أرادت ماريز قرقور بتصويرها لهذا الفيلم الوثائقي “الأرض بتتكلم عربي ” إبراز  بعض الحقائق المخفية فعمدت إلى الكشف عنها عبر شهادات حية جاءت على لسان أشخاص عاشوا فترة بداية الغزو الإسرائيلي وربطتهم بالأحداث علاقات من قريب أو من بعيد فكانوا شهود عيان على  الاحتلال الإسرائيلي  الذي غزا أراضيهم بداية من القرن  التاسع عشر  ومنذ فترة الخلافة العثمانية ثم تواصل مع تغلغل الإستعمار الإنجليزي ليستفحل بعد الحرب العالمية الثانية.

كما عرضت  ماريز قرقور في هذا الفيلم حقائق تاريخية معللة وموثقة بأدلة علمية حتى لا ينازع أحد في صدقها   فصورت للمشاهد فلسطين القرن التاسع عشر معتمدة عن الأرشيف الفلسطيني وما إحتواه من صورعن سكان فلسطين الأصليين  بلباسهم التقليدي وبتراثهم  وأكلهم  وعملهم الفلاحي  والزراعي  وتعايشهم وتعاملهم  التلقائي مع المسيحي واليهودي أصيلي فلسطين،  مبرزة  أن  عدد اليهود آنذاك كان لا يتجاوز 5 بالمائة من سكان فلسطين. و بينت تعاظم عدد اليهود المهاجرين من اروبا لإرباك التوازن الديموغرافي الأصلي و نشأة الحركات الصهيونية االمسلحة قبل نهاية الانتداب البريطاني، و أبرزت التهجير المفروض  والمنظم و المتدرج للفلسطينيين والتنظيرله  مبكرا تحت مصطلح “الترنسفير”.

صدق المقاومة لا ينفي التساؤل

و استمتع المتابعون لأسبوع السنيما الفلسطينية بشريطين إثنين للمخرج هاني ابو أسعد الذي إختار رؤية طريفة ومغايرة للمقاومة المسلحة بفيلمه : ” يا طير الطاير ” و هو فيلم  مستوحى من قصة واقعية لمسيرة  محمد عساف المطرب الفلسطيني والقادم من غزة ونجاحه في مسابقة عرب أيدل  (النجم العربي). رغم بداياته المتواضعة في ظل ظروف اجتماعية صعبة وداخل بيئة تزدري الفن وتقلل من قيمته لكن تمسك عساف بتحقيق حلمه شجعه على تخطي هذه الصعوبات و العراقيل فتوج نجما صفقت له فلسطين و بقية الدول العربية .

يبدو أن هاني أبو أسعد أراد من خلال هذا الفيلم الإرتقاء بموضوع المقاومة إلى بعدها الانساني فحررها من الصورة النمطية  للمقاومة المسلحة وفتحها على اشكال جديدة من الصراع الإنساني من أجل البقاء والحق  في الحياة الكريمة بمقاومة الفقر والاحباط و ضيق الأفق .

وواصل المخرج هاني ابو أسعد معالجته السنيمائية للمقاومة  الفلسطينية في فلم بارادايز ناو (الجنة الآن) متوخيا نفس التمشي متجنبا الصورة النمطية لمناضل يركض نحو موت مؤكد تلبية لنداء الإستشهاد  في سبيل الوطن ، مصورا للمشاهد شخصيات  تعيش في ظروف الاحتلال الصعبة لكنها تتأرجح بين التحدي أو الإندفاع نحو  الموت تحت راية التضحية وخدمة للمجموعة الوطنية .

كما فتح  هاني  أبو أسعد بهذا  الإختيار الفكري  الجريء والشجاع الباب الى عرض صورة جديدة ومعقدة تحمل في طياتها ترددا و تساؤلا من أجل إيجاد سبل جديدة كفيلة بمقاومة جدية وفي الوقت نفسه لا تحرم صاحبها من حقه في  البقاء وفي الحياة، فكبرت شخصيات الفيلم بإبرازه لضعفها وترددها وإرتقى بها الى مقاومة صادقة لا تنزع عن الإنسان حيرته وتساؤله.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here