منهجية الوصول للحكومات البرلمانية في الاردن

د. عبدالله محمد القضاه

 

يتساءل المواطن : ماهو النموذج الحقيقي القابل للتطبيق الذي يسعى اليه دولة الرئيس لتشكيل حكومة برلمانية ، وهل سيضمن الفصل بين الوزارة والنيابة كمتطلب للإصلاح الإداري ؟، وما هو التكييف الدستوري لهذا التوجه؟.

مبدأ الفصل بين السلطات واحدًا من المبادئ الأساسية في النظم السياسية الديمقراطية، بحيث لا تهيمن سلطة؛ وبالتالي تستبد؛ على غيرها من سلطات الدولة، وهناك نموذجين للفصل بين السلطات الفصل التام والمطلق كما في النظام الرئاسي، والفصل المرن المعتدل الذي يقوم على التوازن والتعاون بين السلطتين والرقابة المتبادلة بينهما كما في النظام البرلماني، وهناك اجماع على ضرورة استقلال السلطة القضائية، عن السلطتين التشريعية والتنفيذية في النموذجين.

في الأردن فإننا نأخذ بالنظام النيابي من النوع البرلماني الذي له ثلاثة اركان رئيسية هي: ثنائية السلطة التنفيذية حيث تتكون من رئيس الدولة الملك ومجلس الوزراء، والثانية وهي المساواة بين السلطتين لا تتبع احداهما الاخرى وتستمد كل منهما اختصاصاتها من الدستور، والثالثة التعاون والرقابة المتبادلة لأن الفصل بين السلطتين مرن وليس تاما وبينهما مظاهر من الرقابة المتبادلة لتحقيق التوازن المنشود.، والدستور لايلزم ولا يمنع تشكيل الحكومة البرلمانية.

وفي ضوء حديث دولة الرئيس حول التوجه للحكومات البرلمانية؛ تثور عدة تساؤلات لعل أهمها: هل ستتشكل الحكومة من أعضاء مجلس النواب؟!، وبالتالي تتم عملية توزيرهم ؛ أم هل يطلب من مجلس النواب ترشيح رئيس الحكومة وأعضائها من خارج المجلس؟!، ثم؛ ألا تتعارض عملية توزير النواب مع مبدأ الفصل بين السلطات؟!، وكذلك الإخلال بمبدأ الاعتماد على الكفاءة في إدارة شؤون الدولة؟! وهل السماح للوزراء بالترشح لعضوية مجلس النواب لا يشكل إخلالا بمبدأ تكافؤ الفرص؛ على اعتبار أن الوزير يستخدم نفوذه لتحقيق الفوز بعضوية مجلس النواب؟!!.

أعتقد أن النموذج القابل للتطبيق يكمن في المحافظة على الفصل بين السلطات وذلك بعدم توزير النواب لتمكينهم من ممارسة دورهم في الرقابة والمساءلة من جهة وضمان وصول الكفاءات الوطنية للمناصب الوزارية من جهة اخرى؛ وبما أننا لا نؤيد أن يصبح النائب وزيرًا لابد أيضا أن نضمن الا يصبح الوزير نائبًا، لانه من يصبح وزيرًا قد يستغل موقعه ليصبح نائبًا، ويستفيد من الوزارة كي يقدم خدمات حصرية لناخبيه، وبعدها يترشح للنيابة، فهل هذا جائز أخلاقيا؟!، فحتى تكون العملية عادلة يجب أن تطبّق بالاتجاهين، وإذا ما أراد الوزير أن يترشح للنيابة عليه ان يستقيل وبعد سنتين يحق له الترشيح؛ على أن يضاف نص دستوري لضمان الإلتزام بهذا النهج مستقبلا.

وبقي تساؤلا: كيف سنصل إلى الحكومة البرلمانية في ظل هذا الطرح؟! ، أي تشكيل حكومة برلمانية تعكس مبدأ ‘ الشعب مصدر السلطات’ من غير التعارض مع مبدأ ‘الفصل بين السلطات’، والمنهجية برأيي؛ أن يتم التشاور مع الكتل النيابية لإختيار رئيس الوزراء والوزراء بحيث تتولى كل كتلة ترشيح عدد من الأشخاص المؤهلين لتولي الحقائب الوزارية التي تكون من نصيب هذه الكتل(على أن يتم ترشيح أسماء غير برلمانية )؛ على اعتبار ان كل كتلة ستحصل على عدد من الحقائب يتناسب وحجم تمثيلها بالمجلس؛ وفي ضوء التشاور بين الكتل من جهة وبينها وبين الرئيس المكلف من جهة اخرى يتم التوافق على تشكيلة الحكومة البرلمانية؛ وفي حال حصول حزب سياسي على اغلبية نيابية مستقبلا يتولى تشكيل الحكومة أيضا بالتشاور مع الملك والأقلية النيابية لضمان العدالة وحقوق الأقلية التي تتولى في هذه الحالة تشكيل حكومة ظل تراقب أداء الحكومة الرسمية؛ وبهذه الطريقة نتوصل إلى نموذج ديمقراطي اردني فريد يحقق الحوكمة السياسية والإدارية التي تجمع مابين إرادة الشعب وكفاءة الإدارة .ولابد من دسترة هذا النموذج.

[email protected]

*أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة في الاردن سابقا

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الكلام الذي تفضل به كاتب المقال صحيح، كافي وشافي،، وأود أن أضيف أنه يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات أحد المبادىء الأساسية التي ترتكز عليها النظم الديمقراطية الغربية ، وهو مبدأ رئيسي للديمقراطية في جوهرها ، تماما على نحو يماثل في ذات الأهمية مبدأ سيادة الأمة و الشعب .
    و يرجع إلى المفكر الفرنسي الشهير ” مونتيسكيو ” حيث فضل حسن صياغة مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث : التشريعية ، التنفيذية و القضائية ، في كتابه ” روح القوانين ” ، اللذي ألفه عام 1748 ، و الذي كان تأثيره على النظام الديمقراطي في فرنسا كبيرا جدا مثلما تأثرت أيضا بالمفكر ” جون جاك روسو ” في كتابه العقد الإجتماعي .

  2. مقال علمي وتحليلي ممتاز، والأردن في الحقيقة يخطو بثبات على طريق الحكومات البرلمانية، لكن وجود الأردن هذه الواحة الآمنة المطمئنة بحمد الله في وسط منطقة ملتهبة ومشتتة وغير مستقرة يؤدي بالتأكيد إلى تباطؤ غير مقصود لكنه طبيعي ومنطقي في سير الأردن نحو أهدافه السامية في كل المجالات وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here