منجد صالح: رئيس سوازيرلاند الأحلام يتألّق في الحُلم

السفير منجد صالح

حلمتُ، خير اللهمّ اجعله خير، انّني رأيتُ في المنام رئيس سوازيرلاند. رجلٌ طويلٌ عريضٌ، أشقرُ الشعرِ أزرقُ العينينِ أبيضُ البشرةِ مُحمرّ الخدين.

تجمّع الناس من “عامة الشعب” حوله، “يا سبحان الله”، وأخرج كلّ واحدٍ منهم ورقة من عبّه ودسّها في يد الرئيس الذي بدوره حرص على ادخالها في عميق جيوب بنطاله.

انتفخت جيوب بنطال رئيس سوازيرلاند بخطابات ورسائل الشعب، في معظمها مناشدات ورجاءات وتمنّيات ومطالبات من فخامته لتلبية طلباتهم ورغباتهم المُتواضعة في معظمها، والتي يُحبّون طلبها مباشرة من رئيسهم المحبوب المهيوب نظرا لدرجة الثقة العالية والحب العميق بين الحاكم والمحكومبن في ربوع جمهوريّة سوازيرلاند العامرة المُزدهرة الراسية على دعائم صلبة من الودّ والحبّ والحنان.

انفضّ الجمع بهدوء ونظام وانتظام و”انسحب” الرئيس طويل القدّ قوي البنية شديد زرقة العينين إلى قصره في ضواحي العاصمة.

بدأ مساعدوه وخدمه وحشمه في تفريغ جيوب بنطاله المُتخمة بجوابات الشعب ورسائله وقُصاصات ورقه الممهورة بالحبر الأزرق والأسود وبعضها بالحبر الأحمر، مع أنّ فخامة الرئيس لا يُحب الرسائل المكتوبة بالحبر الأحمر، وإلّا فبأيّ لون حبرٍ سيضع عليها تعليماته وتعليقاته وتوجيهاته السامية المرتفعة التي تطفو على قمم الجبال و”تتزحّلق” فوق أمواج البحر وتخترق السُحب الحبلى لتذرفها غيوم الشتاء مطرا مدرارا وخيرا عميما على الشعب بكافة فئاته، حتّى أولئك الذين لم يتجمّعوا حوله تلك الليلة ولم “يدبزوا” جيوب بنطاله بالرسائل.

رئيس سوازيرلاند لكلّ الشعب، من حضر تلك الليلة في الحلم ومن غاب، يحكم بالعدل والقسطاط وليس بشريعة الغاب، ومن دسّ في جيب بنطاله برجاء ما خاب، وإنّما بالخير العميم جاء وجاب، فصيت عدل الرئيس بلغ الهضاب والقباب والسحاب.

في الحقيقة والواقع، وليس في الخيال والحُلم ولكن في العلم، رأيت مثيلا مُطابقا لرئيس سوازيرلاد، ألا وهو رئيس وزراء “مجموعة جزر سانت فينسنت والغرانادينز”، دولة مستقلّة وذات سيادة، تقع في بحر الكاريبي الذي يحتوي على سطح يابسته باقة من الجزر الجميلة الخلّابة.

رئيس الوزراء ذو الصوت الجهوري الذي يبزّ أشطر مذيعٍ في العالم هو من أصل برتغالي، رالف غونسالفيس، وربما هو الوحيد من أصل برتغالي بين رؤساء الوزراء في الجزر البديعة.

أداؤه يشبه إلى حدٍ كبير أداء وعدل الخليفة عمر بن الخطاب، فديوانه مفتوح، بلا حواجز ولا مُنغّصات، ولا حتى رجل شرطة على باب ديوانه.

جزيرته المُكوّنة من جزيرة “كبيرة” تلتحق بها حفنات من الجزر الصغيرة المُبعثرة، يعيش عليها وفيها 110 آلاف نسمة، عدد سكانها، يستطيع كلّ فردٍ فيها من رؤية رئيس الوزراء دون الحاجة إلى موعدٍ مسبق، فديوانه مفتوح لكلّ ذي حاجةٍ أو لكلّ من رغب في الحضور وإلقاء التحية والسلام عليه.

زرناها عام 2011 ضمن جولة في عدّة جزر من جزر بحر الكاريبي الصغيرة الجميلة الخلّابة.

كان انطلاقنا نحو هذه الجزر من كراكاس، عاصمة فنزويلا، حيث أعطانا الرئيس تشافيز، رحمه الله وطيّب ثراه، طائرة خاصة صغيرة تتسع لثمانية ركاب، يقودها طيّاران فنزويلّيان.

يُرافقنا شاب وصبيّة، كادران من وزارة الخارجيّة الفنوويليّة من ادارة الكاريبي، إذ تربط فنزويلا علاقات وثيقة مع الجزر، وكانت تُزوّدها بالنفط الفنزويلي ضمن برنامج “بتروكاريبي” حينذاك.

تجربة الطيران على متن طائرة صغيرة تشبه قليلا تجربة الطيران في طائرات ضخمة تتسع لمئات الركاب، فنحن ونحن نطير في طائرة خاصة فوق مياه بحر الكاريبي الزرقاء الصافية يخال لنا وكأنّنا بايدينا نستطيع أن”تغرف” من مياه البحر اللصيقة بعجلات الطائرة حين الإقلاع وحين الهبوط.

حالة الطقس، اتجاهات وقوّة الرياح، التيارات الهوائية والتيارات المائية تحت سير خط الرحلة، يُطلعنا عليها رُبّانا الطائرة مُدعّمة بالخرائط الجويّة والأرضية، فنحن بتماسٍ دائم مع الطيّارين الودودين اللطيفين.

 كنت أتندّر بأن كلّ مجموعة من الجزر لها “فرن” واحد يزوّدها بالخبز الساخن الطازج يوميّا.

جزرٌ دولٌ بعدد سكان في حدود المئة ألف نسمة، دولٌ مستقلّةٌ وذات سيادة، ولها علمٌ ونشيدٌ وطني وجيش وشرطة ورئيس وزراء ووزراء وبرلمان ومطار صغير في وسط الجزيرة او في طرفها بحسب طبيعة طبغرافيّتها وجغرافيّتها واتساعها أو ضيقها.

بدأنا رحلة الزيارات من جزيرة ترينيداد وتوباغو، وهي من أكبر الجزر مساحة وعددا للسكان، حيث يبلغ عدد سكانها مليون نسمة، وتتكوّن من جزيرتين “كبيرتين”، وهي جزيرة منبسطة شوارعها جميلة ومخطّطة ومُرتّبه.

اكتشفنا خلال اللقاء الرسمي مع قيادتهم أنّ خمس وزراء من حكموتهم مسلمين، من أصول هنديّة وباكستانيّة، من أوائل المهاجرين إلى الجزيرة، ربما خلال الإستعمار البريطاني لشبه القارّة الهنديُة.

تغدّينا في مطعم كبير فسيح، نصفه بناء جميل ونصفه المُلحق حديقة “مسقوفة بشادرٍ” جميل، لزوم الطقس الحار السائد في جزر الكاريبي صيفا شتاءا صبحا مساءا ليلا نهارا.

عندما كنّا على بابه قرأت اسمه أعلى الباب: “جوسيبس”، “Josephs”. تملّكني شعور قوي وغريب بأن هذا المطعم يجب أن يكون صاحبه عربيّا، لبنانيّا، اسمه يوسف.

فعلاً حدسي لم يُخطئ، فبعد أن جلسنا وطلبنا ما نرغب من لائحة طعام بجلدٍ أسودٍ منمّقة جميلة مرسوم عليها اسم المطعم بخطٍ مُذهّب، فاجأنا رجل طويل أسمر الوجه أشيب الشعر ب: “السلام عليكم”، وكان هو يوسف اللبناني مالك المطعم.

ما زال يتكلّم اللغة العربية بلهجة مُكسّرة، جلس معنا “يُدردش” خلال مدة الغداء كلّها، وعندما طلبنا فاتورة الحساب حاول كعربي لبنانيّ شهم أن يستضيفنا وأن تكون الفاتورة على حسابه، لكننا رفضا ودفعنا الفاتورة كاملة غير منقوصة وزيادة عليها “بقشيش” مُعتبر للنُدلاء اللطفاء.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here