الجزائر: ملف الذاكرة لبنجامين ستورا من وجهتي  نظر مُختلفتين

وجيدة حافي

   تقرير المُؤرخ  والأستاذ الفرنسي “بنجامين ستُورا”  حول ملف الذاكرة كان مُتوقعا، فرنسا لن تعتذر على جرائم مضى عليها أكثر من سنوات، وماكرون ليس غبيا ليفتح عليه بابا آخر مع معارضي الفكرة شبابا ،شُيُوخا وسياسيين، وخاصة أن الكُورونا زادت أمره تعقيدا وقلصت من شعبيته لدى الفرنسيين، فمسألة الذاكرة مُرتبطة إرتباطا وثيقا بقضية الأقدام السود الذين مازالوا يُطالبون الدولة الجزائرية بإسترجاع مُمتلكاتهم، فعن أي حُقٌوق يتحدث هؤلاء؟ فإتفاقيات إيفيان المُوقعة بين الجانبين الفرنسي والجزائري عام 1962،  نصت على أنه على الفرنسيين والأوُرُوبين بصفة عامة الإختيار بين مُمتلكاتهم ونيل الجنسية الجزائرية مع الإحتفاظ بالفرنسية أو مُغادرة الجزائر، وبالتالي فُقدان حقهم في ذلك بعد تجاوز هذه المدة في حال غادروا الجزائر.

 إذن في هذه الحالة القانون أنصفهم، حين شدد على أن كل فرنسي يتمتع بجميع حقوقه في حال لم يُغادر الجزائر لمدة تتجاوز العامين، أي من 1962 حتى 1964، وفي حال مُغادرته تُعتبر هذه الأملاك الشاغرة للدولة.أما الذين تنقلوا بين الجزائر وفرنسا خلال العامين وأرادوا بيع مُمتلكاتهم ، فيتم ذلك بمُوجب تصريح ، والجزائر عوضتهم مرتين ولم تبخسهم حقهم، لا سياسيا ولا ماديا، وقُدمت هذه التعويضات للحُكُومة الفرنسية، والآن القضية تحولت إلى فرنسية فرنسية بحتة، وعليهم مُطالبة حُكُوماتهم بهذه التعويضات، فالجزائر كانت قبل الإستعمار ملكا للجزائريين وبالتالي يسقط حقهم في هذا لأنها لم تكن ملكهم، فوطننا ملكنا ونحن أصحاب الدار.

 لذا أرى أن مثل هذا الطلب من هؤلاء غير شرعي ولا يمت للواقع بصلة. وبالعودة لموضُوعي عن تقرير ستُورا أقول أن  الفرنسيين وخاصة الشباب منهم يرون أن مُعالجة هذا الموضوع لا فائدة منه، لأن الذي حدث حدث مع أجدادهم وليس معهم، لذا فهم رافضون للفكرة، ويدعون لفتح صفحة جديدة وطي الماضي، وما قانون تمجيد الإستعمار أو قانون 23 فبراير 2005، الذي مجد وشكر كل من شارك في المهمة الفرنسية في المُقاطعات السابقة  في المغرب العربي الكبير( الجزائر ، تونس ، المغرب)  الهند والصين وكل من كان تحت السيادة الإستعمارية الفرنسية، هذا القانون تحدث عن اللألم والتضحيات التي بذلها كل من شارك لرسم مسار الإستقلال في هذه المُقاطعات من مدنيين وعسكريين ومُدمجين، وأغفل الوجه الأسود لفافا والمُمارسات اللاإنسانية والجرائم المرتكبة، ودعا  إلى إدخال مُقررات وبرامج دراسية تُبرز الإيجابيات للحضارة الفرنسية.

 طبعا ماكرون لن يقفز على كل هذه المُنجزات وينساها ويقبل بالإعتذار، فهو فرنسي همه وهدفه خدمة بلاده ومصالحها، لكنه في نفس الوقت لا يمل من النفاق ويُطالب بصفحة جديدة والحوار الثقافي والسياسي بين البلدان المُتضررة من همجيتهم وإستغلالهم، ولكن لا يجب لوم الآخر وحمله المسؤولية لوحده، فالجزائر للأسف لحد كتابة هذه الأُسطر لم تتبنى مشروع “تجريم الإستعمار” وبقي كالعادة في الأدراج، ينتظر فارسا مغوار يُخرجه للعلن ويعرضه على البرلمان ، فبعض من مسؤولينا  في الهيئات العُليا يتحملون المسؤولية، ويتماطلون في مُناقشته خدمة لمصالحهم ومصالح من يقضون فيها العُطل ويُهربون إليها الأموال ويشترون فيها  الفيلات، نعم للأسف هذه هي الحقيقة التي مازالت تُعشعش في أذهان البعض رغم  كل شيء، دون نسيان الفئة المُثقفة والمحسوبة على فرنسا، التي هي الأُخرى لم تُفطم بعد والتي وضعت نفسها مُتكلما رسميا بإسمنا نحن الجزائريون.

 فمن هذا المنبر أقُول لهؤلاء أن فرنسا الآن هي من تنتظر منا المُساهمة في تنميتها وتطوير إقتصادها، هي من تتودد إلينا وتعمل المُستحيل بالشراكة مع خونة الداخل لإبقاء لُغتها حية والرقم واحد عندنا، بلدُنا تملك مُفكرين ومُؤرخين صادقين، فليس المُهم الشخص بقدر ما يهم إيمانه بقضيته والدفاع عنها، أما عن الدراسة هناك والسفر إليها، شخصيا لا أُحبذها وأُفضل زيارة جيرانها في الإتحاد الأُوروبي سواء للسياحة أو الدراسة، ففرنسا شئنا أم أبينا زوجة أبيهم الثانية التي يجب تقبلها رغما عنهم، وإحترامها وإظهار الولاء لها لكي لا تنزعج وتُضيق عليهم وتخنقهم خنقة مُميتة لا يعيشون بعدها أبدا. فتصريح السيد شيخي وهو المُكلف بالذاكرة وقوله بأن تجريم الإستعمار لا يحتاج إلى نص قانوني، كان  غريبا نوعا ما، لأن المُؤرخ ستورا لما كُلف بهذه المُهمة لم يخرج للعلن ويقول لا داعي لقانون تمجيد الإستعمار.

 صحيح نحن جرمنا ونُجرم وسنُجرم فرنسا الإستعمارية، لكن قانونا كهذا كان مُمكن أن يكون ردا على قانونهم (تمجيد الإستعمار الفرنسي)، على كل حال نحن مازلنا ننتظر تحرك السُلطات لتفعيل القانون ومُناقشته في البرلمان، والتعاون مع الإرادة الشعبية والبرلمانية التي تحرك بعض برلمانيها للخروج بنتيجة، أما عن ستُورا والنتائج التي خرج بها فهي لا تهمنا إطلاقا لأنها أظهرت محدوديته في سرد الحقائق، ولا أظن أن عاقلا جزائريا وطنيا سيقبل بما جاء في تقرير ستُورا الذي لم  يُخف إنتمائه ودفاعه عن ذاكرة بلده، فهو في النهاية فرنسي وسيعمل المُستحيل لحماية تاريخ بلاده الأسود في مُستعمراتها القديمة.

 فستورا من خلال البنود الإتني والعشرين لم  يعمل على إصلاح ما تحطم، بالعكس إستفزنا ببعض المُقترحات وخاصة تلك المُتعلقة بالحركى الذين خانوا بلدهم الأم وفضلوا فافا عليها، ففشلكم في حل مُشكلة هؤلاء الذين يعيشون حياة مُزرية وصعبة، ويُعتبرون مُواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، لا يعني رمي المسؤولية علينا وجرنا لقبُولهم بيننا، فالخائن خائن حتى ولو وُضع في العسل، فهم بالنسبة لنا موتى، والجزائر  التي يُريُدون الرُجوع إليها الآن والموت على تُرابها ترفضهم، والأحسن لو إعترفتم بخطئكم إتجاهمم، تحديد 25 سبتمبر يوم وطني لتكريم الحركى، هذا الإقتراح بالذات غريب نوعا ما، وكأننا نحن من إرتكبنا جرائم ضد فرنسا والمُتعاونين معها، وخُنا بلدنا الأصلي.

 أما وضع تمثال للأمير عبد القادر في فرنسا بمُناسبة الذكرى الستين لإستقلال الجزائري سنة 2022 فهذه مهزلة كُبرى، فالأمير القائد لا يحتاج لتمثال في بلدكم، فتمثاله في قُلُوب كل الجزائريين والجزائريات، فرنسا تُريد أن نُدرس مناهجها في مدارسنا، تُريد أن نقول لجيل الغد أنه بفضلها خرجنا من البربرية والتوحش ومن النور إلى الظُلُمات، فأي جُرأة كانت عند ستورا ورئيسه ليقترح مثل هكذا إقتراح، هل كان يظن أننا أغبياء  لهذه الدرجة، أم أنه نوع من الضغط ورسالة تقول ” لن نعتذر حتى ولو أشرقت الشمس من مغربها، فالذكريات الموجعة التي بيننا تكفي لبناء جبل من جليد  فالمُشكل ليس كلمة أسف، بل هو عميق جدا، فبفضلكم رجعنا للوراء سنيين، وقٌتل أجدادنا ويُتم أباؤنا وأمهاتنا، جرائم رقان والصحراء العميقة لا تُنسى بسُهولة، فالملف حساس، ويهُم الجميع، وأي تهور من الدولة فيه قد يُؤدي إلى ما لا يُحمد عُقباه، فكل البٌنود التي جاءت فيه مُستفزة ولا علاقة لها بالواقع، وكأن فافا تلعب معنا لُعبة واحدة بواحدة، مع إنتظار بعض التنازلات، فزمن العصابة ولى وإندثر يا ماكرون، وما تعودت عليه من قبل لن تجده مع السُلطة الحالية، التي تحسب ألف حساب قبل الخطو أو الجهر بشيء.

     فستورا تجاوز كل عمليات قتل الأبرياء والنهب والسرقة التي تمت أنداك، وإختصر المُجاهدين في إسم واحد، فالذين ماتوا من أجل الجزائر يُعدون على الأصابع، منهم من مات ومنهم من مازال حيا يُرزق يحمل في ذاكرته تاريخ بلد، فبلدك لم يغتل علي بومنجل فقط وإنما إغتال شعبا بكامله،،  فهو في تقريره  كرس للأسف فكرة التبعية والوصاية، وفرنسا التي يجب أن تُطاع ، والنظرة الإستعلائية التي تنتهجها  في تعاطيها تاريخ الإحتلال الجزائري، فجرائم فافا كبيرة ولا تُنسى بتعويض وإعتذار، وما بيننا لن يُحل بسُهولة، فلولا الإعتذارات الألمانية لفرنسا على جرائمها لما قامت علاقات بينهما، والرئيس السابق “شيراك” إعتذر لليهود على جرائم فرنسا لليهود أثناء الإحتلال النازي، حيث تم إعتقالهم ومُطاردتهم، ونفس الشيء لنا فلا علاقات بيننا إذا لم تُقدموا اعتذار رسميا أمام الجميع، وتُغيروا نظرتكم لنا، لا نريد تلك الخُطوات الرمزية التي سبقها إليك شيراك وغيره من الرؤساء الفرنسيين، نُريد الملموس والواقع لا الأوهام والكذب، فمن المفروض أن تجمع فرنسا بين الإعتذاريين وأقصد هنا الترضية السياسية والتعويضات المالية، لأن ما عشناه ونعيشه اليوم كُلُه بسبب أطماع فافا.

فكبار المسؤولين والحُكام إعتذروا عما بدر منهم، ومنهم رئيس الوزراء البريطاني السابق “توني بلير” الذي إعتذر عن دور بريطانيا في تجارة العبيد، والرئيس السابق للولايات المُتحدة الأمريكية “بيل كلينتون” إعتذر عن دور أمريكا المُخجل في العبيد والهنُود الحُمر، والفاتيكان إعتذر لأنه لم يُعارض محرقة اليهود في ألمانيا، أي أنهم هنا فصلوا بين اليهود كعرق وبين الدين اليهُودي، فالإعتذار يا ماكرون من شيم الكبار ودليل على الديمُقراطية، وفرنسا بكل رؤسائها ومُواطنيها برفضهم هذا، دليل على همجيتها وبربريتها، ومُواصلتها إستغلالنا واللعب معنا لُعبة القط والفأر(Tom and Jerry)، وما بين مُماطلة ورفض تبقى علاقة الجزائر مع فرنسا على المحك، مع أن نصف الجزائريين تقريبا  لا تهمهم هذه العلاقات، فالمُستقبل الآن يفتح مصراعيه لنا مع دُول كُبرى و قوية في كل المجالات.

كاتبة من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. مثل هذا المقال ينور الشباب الذي لم يعش مرحلة الثورة ويحيي نفوس الذين عاصروها خاصة ان الكثير منهم اهتزت مشاعره من كثرة ما يراه يوميا من انحرافات خطيرة لا تبشر بخير .

  2. ________ ما هو أهم من الإعتذار .. الوقت .. و قد أهدرنا الكثير منه في الفارغ . لا خوف على ذاكرة ساكنة في الدم . بناء المستقبل يحتاج الإنتقال إلى شيئ آخر أهم .

  3. ________ تقرير بنيامين سطورا هو دراسة بناءا على طلب و لا يجب أن نقرأه كتاريخ . فستورا _ قبل تكليفه _ كان شيئ .. لكن بعد التكليف صار شيئ ثاني . طبعا نتقهم الأمر و الآمر .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here