ملاحظات أولية في الإنتفاضة العراقية

صباح علي الشاهر

من الأخطاء الشائعة القول بأن المتظاهرين في بغداد ومدن الوسط والجنوب هم جماهير الحكام الشيعة في العراق ، وهذا خطأ قد يكون مقصوداً أو غير مقصود ، لأنه يتجاهل أن نسبة 80 % من العراقيين قد إمتنعوا عن التصويت في  الانتخابات الأخيرة ، والمتظاهرون هم تحديداً هؤلاء  الرافضون للقوى والأحزاب التي تسيدت الساحة بعد الاحتلال ، يضاف لهم الناقمون من كل الأطياف ، لكن هؤلاء المضافون لا يشكلون الجسم الحقيقي والفاعل للمنتفضين ، وإن بدا صوتهم أعلى وزعيقهم (مسموع )، وهم غالباً يكتفون بتصوير ذواتهم في ساحة التحرير ، ثم ينشرون صورهم تعبيراً عن مساندتهم للمنتفضين ، في حين يقدم الشباب المنتفض الدم ، ولا يُعرف أسمه وصورته إلا بعد إستشهاده ونعيه .

أغلب المنتفضين من الشباب ، الذين تشكل وعيهم في ظروف ما بعد الاحتلال ، وهذا يعني أن كل الأحزاب الدينية ، سنية وشيعية ، وكذا من يعدون أنفسهم مدنيين لم يؤثروا في تشكل وعي هؤلاء المنتفضين رغم توفر الإمكانات الهائلة لهم ، فالمعممون سنة وشيعة يملكون شبكة هائلة من المريدون والأعوان ، والمساجد والحسينيات ، والمدارس ، والتلفزيونات والصحف ، والجامعات والمدارس ، والمؤسسات الخدمية والإنتاجية ، والليبراليون الجدد يملكون جزءا من السلطة ، وإمبراطوريات إعلامية ، وأموال طائلة ، والعنصريون يملكون ويتحكمون بثلاثة محافظات ، بالإضافة إلى  إحتكارهم للسلطة والنفوذ والتأثير طيلة هذه الأعوام ، ونظرة فاحصة لأغلبية المنتفضين بما فيهم الشهداء تبين لنا أن هؤلاء متمردين على الواقع الحالي ، ومعبرين عن هذا التمرد حتى قبل أن يعلنوه في الشوارع والساحات .

رغم أن البعض حاول تسخيف البعد الطبقي بعد هيمنة النيوليبرالية على تفكير البعض ، وتبرؤ من كان يتبنى الطرح الطبقي من كل ما يشم مه تحليلا طبقياً، وإبدال العدالة الاجتماعية بمفردات مهومة ، يناقضها الواقع المعاش ، فإننا نقول بثقة أن البعد الطبقي تجلى بأجلى صوره في هذا الحراك الذي أدهش الجميع ، فالأنهار التي ترفد هذا الحراك جاءت من أكثر المناطق فقراً ، من مدينة الثورة ، والعشوائيات ، والمدن والمحافظات الأكثر إهمالا ، ومن الفقراء والمهمشين ، العاطلين والمُعطلين قسراً لأنهم لم ينتموا إلى أي حزب أو حركة من الحركات الإسلامية أو المدنية التي أغدقت على منتسبيها وأتباعها كل ثروات البلد ، وحرمت أغلبية الشعب من التمتع بخيرات البلد .

شهدت ساحات العراق ، وبالأخص ساحة التحرير مظاهرات عديدة قبل هذه ، كانت مظاهرات مدفوعة من أحزاب وتيارات سلطوية ، وكانت مهمتها التي تضعها الرؤوس المدبرة لها تقتصر على منح المزيد من السلطة لهذا التيار أو ذاك ، وكانت تخمد سريعاً  دون أن تحقق شيئاً سوى أثبات أن لهذا التيار، أو هذه الجهة قدرة على تحريك مئات آلاف الجماهير في الشارع ، أما إنتفاضة اليوم فهي خارج تخطيط أية جهة سياسية ، وإن كنا نقول بأنها ليست من تخطيط أية جهة ، فهذا لا يعني أن ثمة جهات كثيرة تتبناها صدقأً أو رياءاً ، وأن ثمة من يحاول ، وسيحاول ركوب موجتها التي نحسب أن ليس بمقدور أحد ركوبها بسبب عمقها وشمولها وحجمها ، وأهدافها التي باتت واضحة . الشباب المنتفض ( يريد وطناً ) ، أبلغ شعار صاغته الجماهير المنتفضة ، من يعمل على إعادة الوطن لأصحابه هو جزء عضوي من الإنتفاضة ، وطن لكامل أبنائه ، وطن حر ومستقل حقيقة ، يقوده أحرار لا هدف لهم سوى خدمة الوطن والشعب ، وليس عبيدا ومطايا للأجنبي يأتمرون بأمره ، وينفذون أجنداته .

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. عزيزي مختصر
    واذا خلت الساحة للامريكان التي لديهم اكبر سفارة بالعالم مساحة وعدد هل سيستقر العراق .. العلة الاساسية هم الامريكان اما ايران فهي من نتائجها

  2. نحن نتوقع من المفكرين والمثقفين والكتاب
    أن يساهموا في الحوار الدائر بشكل إيجابي
    أي يكون النقد بناء وطني يؤلف القلوب !
    والإبتعاد عن التعميم أو تخوين الآخر !

    حفظ الله العراق وأهله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here