د. طارق ليساوي: مكافحة الفساد تحتاج للإرادة الصلبة ونظافة اليد.. والتجربة الماليزية بعد 2018 خير مثال للشعوب العربية

 

 

د. طارق ليساوي

قبل فترة وجيزة حرصت على توجيه نظر القارئ العربي إلى تجربة ماليزيا، وعملت على توضيح أهم دعائم هذه التجربة التنموية وفصلت في ذلك في أكثر من مقال ومحاضرة، ومهمها درسنا وحللنا فإننا لن نستطيع إعطاء هذه التجربة حقها، وقد تعرضت للنقد من قبل البعض على أنني لم أعطي ل”محمد مهاتير” حقه، والواقع أني أدرك جيدا محورية شخصية فكر الرجل ومواقفه وغيرته على بلده ودينه، وقد لامست ذلك عن قرب فقد أتيحت لي الفرصة للقاء الرجل ومعرفته  عن كثب، وبحق فنعم الرجل فكرا وأدبا وتواضعا، وعودته للسلطة قبل عامين يؤكد مدى حرصه على بلده ويعطي صورة مختزلة  لمفهوم الاحترام والتقدير الذي يكنه الشعب الماليزي بمختلف أطيافه وأجياله، لباني الأمة الماليزية وأب الشعب الماليزي، فالشعب عندما رأى أن الفساد والسياسات الخاطئة تنهش البلد وتتجه بها نحو المجهول، استنجد ب”مهاتير” البالغ من العمر 94 عاما، والذي حكم البلاد 22 عاما حتى عام 2003، فأخرجه من تقاعده السياسي فاستطاع أن يوحد المعارضة لمواجهة  فساد رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق..

ولم يخيب رئيس الوزراء “مهاتير محمد”، ظن الشعب، وعقب تسلمه مهام منصبه بدأ بالتحرك سريعا لاسترداد أموال منهوبة جرى تحويلها إلى الخارج عبر عمليات غير مشروعة، بل وأكد أن حكومته تسعى لاسترداد مليارات الدولارات دخلت في عمليات غسل أموال في الولايات المتحدة وسويسرا ودول أخرى…فخلال فترة لا تتجاوز 10 أيام من بعد انتخابه أي من 10 مايو إلى 20 مايو قام  بغلق الحدود على المتورطين في قضايا فساد، وحجز أموالهم السائلة والمنقولة وإحالتهم للمحاسبة، وخلال هذه الفترة القصيرة فتح الرجل أكثر الملفات فسادا، المتصلة  بالصندوق السيادي الماليزي الذي تقدر حجم الأموال المنهوبة منه بأكثر من 4.5 مليارات دولار، كما بدأ التحقيق مباشرة مع نجيب عبد الرزاق رئيس الوزراء السابق وزوجته وبعض أقاربه بتهم الفساد والتربح وتلقي رشى خارجية منها 681 مليون دولار من الأسرة المالكة بالسعودية.

وقد أثارت محاكمة  “روزما منصور”، السيدة الأقوى في عهد عبد الرزاق جدلا واسعا في ماليزيا، ليس لكونها زوجة عبد الرزاق فقط، وإنما لتمتعها بشبكة علاقات عملاقة في مختلف المجالات الاقتصادية، ما جعلها لا تقل فسادا عن زوجها الذي يحاكم في أكثر من 42 قضية مرتبطة بالرشوة والتهرب الضريبي واستغلال النفوذ. وتنقل تقارير بثتها هيئة الإذاعة البريطانية عن أولى جلسات “روزما منصور”، بأنها استغلت سلطاتها وأنشأت ما يمكن تسميته بالجسر المباشر لأموال الرشوة بين حساباتها البنكية وبين الشركات التي استغلت منصب زوجها للحصول على امتيازات خاصة على حساب الشعب الماليزي.

وحسب موقع “ذا ستار أون لاين” الإخباري الماليزي، فإن قضية واحدة متهم فيها رئيس الوزراء السابق، كانت بتهمة اختلاس وغسيل أموال بلغت 42 مليون “رينغيت” ماليزي ، بينما تشير اتهامات أخرى إلى أن عبد الرزاق اختلس مليارات الدولارات من خلال الصندوق السيادي الماليزي العالمي الذي أنشأه خلال رئاسته للحكومة باسم  MDB، وقد كشفت قضايا الفساد التي تورط فيها وزراء سابقون، ومسؤولون اقتصاديون جانبا آخر،  لعلاقة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وإخوته في تدمير التجربة الماليزية، وهوما جعلهم بالوثائق مرتكبين لجرم ومعرضين للمتابعة القضائية الماليزية…

وكشف اتصال أجراه عبد الرزاق بولي عهد أبوظبي، أنه طلب منه بشكل صريح المساعدة في تهم غسل الأموال التي يواجهها ابن زوجته صانع الأفلام في هوليوود رضا عزيز، وذلك في أوج فضيحة الصندوق الماليزي السيادي العالمي، الذي بدأت الولايات المتحدة التحقيق فيها خلال عام 2016.

وبالإضافة لمحمد بن زايد، فإن الاتهامات طالت شقيقه الأصغر أيضا منصور، نائب رئيس الوزراء الإماراتي ووزير شؤون الرئاسة، والذي كان متورِّطا في التسجيلات الصوتية لمساعدة نجيب في التستر على ابن زوجته رضا عزيز، الذي كانت له علاقة بفضيحة الصندوق السيادي الماليزي العالمي.

ولعل حرص رئيس الوزراء مهاتير على استبعاد السعودية والامارات من القمة الإسلامية المصغرة التي دعى إليها في “كوالامبور” قبل نحو شهرين، ناجم عن الموقف السلبي لهذين البلدين، خاصة وأن الشعب الماليزي المسلم يكن كبير احترام للعرب، لكن للأسف أصبحت الإمارات والسعودية مصدرا لكل الشرور والأوبئة القاتلة للنهضة والحرية والتقدم في العالم العربي والإسلامي…وقد نجحت يقظة الشعب الماليزي ووجود القيادة الحكيمة والنزيهة والواعية في وضع حد لهذا الفيروس المدمر، وتم إستصدار قوانين جديدة لمنع تكرار مثل هذه الممارسات مستقبلا، فمن المؤكد أن “مهاتير” يدرك قرب أجله فالدوام لله وحده، وأنه لم يعد قادرا على تحمل أعباء الحكم، لكنه يعمل على وضع إطار مؤسسي قوي قادر على منع الفساد والإثراء غير المشروع عبر تقوية جهاز الرقابة أي “لجنة مكافحة الفساد”.. إن أفضل إنجاز ل”مهاتير محمد” بعد عودته للسلطة مكرها وعلى مضض، هو نجاحه في التصدي للفساد الذي انتشر خلال حكم سلفه عبد الرزاق.

ونجح في دحض التصور القائل بأن ماليزيا دولة لا تحارب الفساد، كما أن قضايا الفساد الكبرى المرتبطة بالصندوق السيادي الماليزي تم التعاطي معها بصرامة، ولم يعد رئيس الوزراء قادرا مستقبلا على سرقة فلس واحد من  أموال الصندوق، وتبعا، لذلك أصبحت “كوالالمبور” قبلة لدول أخرى من أجل التعلم من تجربتها …

والتجربة الماليزية تؤكد أن مواجهة الفساد تتطلب وجود إرادة حقيقية لدى الشعب والقيادة السياسية، وأن الفساد يحارب من الرأس إلى  الأسفل، فغسل السلم يبدأ من الفوق وليس العكس ، فإذا كان الرأس فاسدا فلاداعي لإضاعة الوقت والمجهود ، وهوما أدركه الشعب الماليزي ودفع المعارضة الى تجاوز خلافاته والتوحد تحت قيادة محمد مهاتير…

ونجاح التجربة الماليزية يحيي الأمل في إمكانية تغيير أوضاع العالم العربي، خاصة وأن فساد الأنظمة الحاكمة أصبح أمرا واضحا وشبه مؤكد ، و”ليس بين القنافد أملس “، فمن المؤكد أن العالم العربي الإقليم الوحيد في العالم  الذي لا يزال  يعيش تحت رحمة الفساد السياسي والاقتصادي، واحتكار السلطة وقمع الحريات المدنية والسياسية، هذا إلى جانب إتباع سياسات عمومية عرجاء لا تخضع لأي منطق عقلاني، فحالة الفقر وانسداد الأفق لدى أغلبية شباب المنطقة ليس نتاج لضعف الموارد كما يقول أصحاب الكراسي والمكاسب، فلو كانت البلاد العربية تعاني فعلا من ضعف الموارد لما اكتشفنا ملايير الدولارات تهرب سنويا إلى خارج حدود العالم العربي…في الوقت الذي تعاني فيه بلدان عربية من اتساع دوائر الفقر والتهميش…فالاختيارات التنموية والسياسية المتبعة في أغلب هذه البلاد لن تقود –حتما- لمستقبل أفضل وعلى الشعوب أن تدرك هذه الحقيقة حتى تتحرك صوب تغيير وجه السياسات والاختيارات الفاشلة وموقف الشعب الماليزي خير مثال…

فعلى المستوى الاقتصادي مثلا لا يمكن  أن يتحقق إقلاع اقتصادي دون وجود منافسة حرة وتكافؤ في الفرص وسيادة القانون واستقلال القضاء والشفافية في تداول المعلومات الاقتصادية ،  فلا يعقل أن ينافس تاجر عادي –مهما كان حجم رأس ماله – وزيرا أو مسئولا حكوميا فهذا الأخير يتوفر على ميزة تنافسية أفضل بحكم المنصب أو القرب من دائرة صنع القرار، لأجل ذلك يحرص العالم المتقدم على محاسبة أي مسئول عمومي حقق مكسبا تجاريا أو غيره من المنافع بحكم المنصب، لكن في العالم العربي أقرب الأبواب لتحقيق الثروة  الاستثمار في السياسة …

وحتى لا يكون كلامنا “طوباويا”  سأعطي بعض الأمثلة البسيطة التي ترهق كاهل الأسر العربية، فعلى سبيل المثال إحجام الدولة عن الاستثمار الفعال والرشيد في قطاعات الصحة والتعليم والنقل العمومي يرهق ميزانيات الأسر، فلو تم بالفعل إشباع هذه الحاجيات عبر تقديم سلع عمومية مقبولة الجودة والتكلفة لتم خلق دورة تنموية حميدة بإمكانها تحفيز إدخار الأسر وتقوية دالة الاستثمار عبر رؤوس أموال محلية …والتجربة التنموية “الكورية  الجنوبية” أو “الصينية” استندت في إقلاعها الاقتصادي على هذه الدورة التنموية …

هذه الدورة التنموية لن تكون فعالة دون مكافحة الفساد ونهب المال العام، فالتساهل في هذا الجانب يدمر كل عملية تنموية مهما كانت سليمة نظريا، وكلمة المفتاح في أي تحول ناجح هو مكافحة الفساد والفصل الصارم بين التجارة والسلطان، وهو أهم تحدي يواجه الشعوب العربية في المستقبل القريب،  وأختم مقالي بقصة طريفة من الصين فالعرف السائد في هذا البلد منذ القدم، جعل أول مكان يزوره أي مسئول جديد هو السجن، حيث يرى مصير المسئولين الذين سبقوه وعملوا على استغلال المنصب الذي تقلدوه…والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here