مقاومة التطبيع ام “التنمر”.. عزيز مرقة كمثال.. والسلطة كعيب

نادية عصام حرحش

موضوع التطبيع يزداد صعوبة في فهمه وادراكه وتطبيقه واستيعابه على مدار اللحظة من حياتنا كفلسطينيين. هل علينا مراجعة تعريفنا للتطبيع وبالتالي يتوجب علينا كذلك وضع معايير تتناسب مع فهمنا ومع الواقع الذي نعيشه؟ أم علينا ان نتمسك بما هو قائم من معايير ترفض فكرة التطبيع مع الاحتلال جملة وتفصيلا؟

وإذا ما قررنا ان نتمسك مع التطبيع في مفهومه العريض الشامل لما هو قائم بمعايير “البي دي اس” علينا ان نضع امام اعيننا وبكل مصداقية ما هو ممكن تطبيقه وما هو خط احمر فاصل وواضح.

المسألة تزداد ضبابية مع كل أزمة خصوصا إذا ما كان الشخص موضوع اختراق معايير التطبيع عربيا. فمن ناحية هناك الوضع العام الذي تدعو من خلاله السلطة الفلسطينية من خلال مؤسساتها الرسمية المختلفة الى التطبيع من حيث دعوة الاخوان العرب من مثقفين وفنانين وغيرهم الى القدوم لزيارة فلسطين لفك العزلة التي تحاول إسرائيل شد زمامها على الفلسطينيين مع محيطهم العربي الإقليمي. وهناك مسألة العرب الفلسطينيين المقيمين في داخل حدود دولة الاحتلال الإسرائيلي، الذين من المفترض ان يتم التعامل معهم من قبلنا نحن معشر الفلسطينيين بالعموم على انهم جزء من نسيجنا القومي العربي. وعليه علينا ان نصل الى تفاهم بشأن معيار يسمي “إسرائيل” ككيان يتوجب مقاطعته في حين يتواجد ما يقارب المليونين فلسطيني في مدن وقرى تحت سيطرة إسرائيل المباشرة. هل نقطعهم ونقاطعهم؟ ام نتواصل معهم؟

لا يمكن الا يفكر المرء بالاضطراب عند التفكير بالأمر. كيف لي ان اطلب من العربي المقاطعة، والفلسطيني كذلك بينما تمارس السلطة الفلسطينية التطبيع على كافة المستويات. الحواجز والمعابر. التنسيق الأمني المقدس. التصاريح. البضائع الإسرائيلية التي تملأ الأسواق الفلسطينية من البسطات حتى المولات. وكلاء البضائع الإسرائيلية والسلع الأساسية والثانوية تجار وأصحاب سلطة فلسطينيين. في كل واي اتجاه ننظر نحن نطبع مع إسرائيل، رغما عنا أحيانا وطوعا أحيانا أخرى.

هناك بلا شك ما يمكن الاستغناء عنه من تطبيع لا يمكن وصفه الا بالماسخ، خصوصا إذا ما كان اجهارا فيما يضر بالفعل وبوضوح بالقضية الفلسطينية. والامثلة على هذا كثيرة، قد يكون اخرها مشاركة فلسطينيين وعرب بمؤتمر جي ستريت الصهيوني في أمريكا. كما سبق هذا مشاركة لفلسطينيين في مؤتمر دعم إسرائيل ببرلين. مشاركة فلسطينيين وعرب بمؤتمر هيرتسيليا لا يمكن تبريره كما لا يمكن تبرير الكثير من الزيارات التي تضر بقضيتنا الفلسطينية وغيرها من التعاملات مع كيان الاحتلال.

ولكن، كيف لنا ان نفهم معايير الممكن والممنوع من قبل حملة المقاطعة في أمور يراد منها الخير للفلسطينيين إذا ما قررنا افتراض حسن النية من قبل الاخوة العرب. وسأتابع هنا موضوع الفنان الأردني \ الفلسطيني عزيز مرقة كمثال تردد بالفترة الأخيرة على أكثر من صعيد.

المرة الأولى كانت عندما احيا الفنان الأردني حفلا في مدينة كفر سابا بالداخل الفلسطيني المحتل. وكان التحفظ الشديد على احياء الفنان لحفلة نشرت المواقع انها تحت ريع وزارة الثقافة الإسرائيلية. خرج الفنان حينها ليؤكد ان المنشور الذي تم نشره كان مزيفا، وشرح باستفاضة ما جرى معه وقدم اعتذاره بطلب من حملة المقاطعة. هنا يمكن التفكير بنقطتين لا يجب اهمالهما: الأولى ان الحفل الذي قدمه وكان تحت اسم بازار كريسمس هو شبيه بنفس الاحتفالات التي تقام بالمدن العربية بما فيها القدس تحت رعاية بلديات الاحتلال ووزاراتها المختلفة. العلة تبدأ من قبول من اقاموا هذه الاحتفالات بقبول دعم البلديات من اجلها. ولكن هنا يخرج تساؤل اخر، يقوم من خلاله من اقام هذه الاحتفالات بتبرير مبدأ حقه بالاستفادة كدافع للضرائب وعليه ان اخذه لدعم هو حق مشروع. واعي جيدا ان قبول هكذا دعم وهنا اشدد على ما يجري بالقدس هو كمن يدس السم بالعسل. ولكن عندما أفكر بمدينة بالداخل تعيش تحت سلطات الكيان الإسرائيلي منذ سبعين سنة، فان رؤية المجتمع لما له وما عليه من حقوق وواجبات مختلف، والانتخابات هي أحد ركائز الأمثلة التي يمكن التفكير بها. النقاش حول الامر طويل ومستفيض وكثير من الأحيان عند التفكير به، يجد المرء ان الجميع في هذا النقاش على صواب. فمن ينظر الى إسرائيل كدولة احتلال غير شرعية ويرفض التعاطي معها بالتمثيل السياسي ومختلف مرافق ما يجعل من إسرائيل شرعية على حق. وكذلك الذي يرى إسرائيل دولة احتلال يجب اخذ الحقوق منها عن طريق اختراق سياستها وبالتالي الولوج بالنظام هو مصلحة فلسطينية هو كذلك على حق.

كل هذا النقاش يمكن وصفه بالنقاش الفلسطيني الداخلي، بين أطراف الفلسطينيين من الداخل والخط الأخضر. نكاد ان نميز الخطوط الحمراء والخضراء من الممكن ومن الممنوع عندما يأتي الامر الى التطبيع. ولكن تبقى “المغمغة” بالأمر في تصاعد بوقت نرى فيها كيف يتحول النظام التعليمي بالقدس الى إسرائيلي تدريجيا. فالمدارس تتحول الى نظام البغروت، والطلاب الملتحقين بالمعاهد والجامعات الإسرائيلية بتصاعد ملفت. ولا نسمع أي تعليق او تحذير او حتى إعطاء بدائل من أي طرف فلسطيني سواء كان ذلك الرسمي او المجتمعي المتمثل بحملة المقاطعة. وصل الامر الى الترويج للجامعات والمعاهد الإسرائيلية بداخل المدارس الفلسطينية بالقدس عن طريق أيام عمل ترويجية تقيمها المدارس نفسها.

عزيز مرقة، ليس مقيما في فلسطين، وهو أردني الجنسية ويحب ان يكون في فلسطين ومع الفلسطينيين في كل فرصة على ما يبدو. لا يهمه ان كان الراعي لحفلته روابي او بلدية بيت لحم او بلدة كفر ياسيف. ما يهمه هو احياء حفلة يكون فيها الحضور فلسطينيين.  هل عليه ان يكون ضليعا بمن يشارك صاحب روابي وكيف يتم التنسيق لحضوره وهل عليه ان يفكر ان كفر ياسيف غير فلسطينية؟

اليس من الطبيعي ان نلم الفلسطينيين بالداخل الينا لنغلب بأعدادنا على الجغرافيا التي قسمتها وقطعت اوصالها إسرائيل؟ اليس من الجيد ان تحتفل كفر ياسيف بهويتها الفلسطينية بدعوة فنان عربي بدلا من يغني بها فنانا إسرائيليا يصفق له الحضور في المول ويطربون له بفعاليات البلديات والوزارات المختلفة؟

اين كانت حملة المقاطعة عندما أقيم حفلا قبل اقل من شهر في قصر رام الله الثقافي لإحدى الجمعيات كان المطرب الموجود في الحفل مواليا لجيش الاحتلال تم تداول مقاطع له بينما يحيي جيش الاحتلال ويعلن ولاءه وامتنانه.

لا اريد ان اخوض في دائرة مغلقة من اللوم واللوم المضاد، ولكن، ما جرى مع عزيز مرقة في حينه كان يشبه بتكسير الضلوع. واعتذر الرجل وقرأ البيان الذي املته عليه حملة المقاطعة لقراءته من اجل الاعتذار. ولكن حملة “تنمريه” بدأت بحقه ولم تتوقف.

بالأمس تناول رواد المواقع الاجتماعي مقطعا من مقال نشر في جريدة هآرتس الإسرائيلية لمقابلة مع عزيز مرقة عن موضوع حفلته بكفر ياسيف. وتناول المقطع المترجم من المقال ما حصل مع الفنان الأردني وهو بطريق عودته من ” الجسر” المعبر الحدودي بلقائه بشابة إسرائيلية كانت تجلس الى جانبه وتبادلا أطراف الحديث، وتبين انهما يتشاركان بالذوق الموسيقي وقالت له انها ستنضم الى الجيش وعندما ذهبت قال في نفسه ان شابة واعدة مثلها خسارة ان تكون بجيش محتل… شيء من هذا القبيل.

وقبل التحفظ على استخدام المقطع لإدانة الفنان الأردني، وكذلك عمله مقابلة مع هآرتس، عليَّ ان اذكر نفسي بحقيقة استخدامنا كفلسطينيين وعرب هآرتس بكل ما يتعلق من مقالات وتحقيقات تعبر وتنصف بالنسبة لنا عما نريد ان يراه العالم عن قباحة الاحتلال الإسرائيلي. تمتلئ الصفحات الفلسطينية بمقالات لجدعون ليفي وعميرة هاس وتحقيقات مهمة لنير حاسون. عندما نريد ان نتحرى الحقيقة نأخذها من هآرتس ـ مع الأسفـ ولكن هذه حقيقة.

هآرتس بالمحصلة يكتب بها عرب ومن يحاول إيصال صوته الى الشارع الإسرائيلي المنفتح يخاطب من خلال هآرتس، ومن يريد اعلاما به شفافية يلجأ الى هآرتس. أقول هذا وأصر على كلمة مع الأسف، وأصر مرة جديدة ان هذه حقيقة.

عزيز مرقة قبل ان يجري مقابلة مع صحيفة يستخدمها ويرجع اليها العرب ويحترمونها. حواره كان مع إدراك جلي ان القارئ سيكون إسرائيليا. في وقت وجد الكثيرون حديثه مع المجندة المستقبلة بالكيان الإسرائيلي توددا، اعترف انني رأيت بهذا حكمة. أراد الشاب ان يقول للإسرائيليين ان خيار الحرب مؤسف، وكان خطابه انساني بجدارة.

وهنا، قد نتحفظ او لا يعجبنا ان يجري حوارا مع هآرتس، ولكن، اليس هذا تنمرا من طرفنا بالإضافة الى تحكمنا بما يريد الانسان عمله؟

لماذا لا تعترض حركة المقاطعة على التزايد الواضح بالأقلام العربية في هآرتس؟ لماذا لم تعترض المقاطعة عندما كتب والد الاسيرة المحررة عهد التميمي مقالا في هآرتس؟

لا اريد ان اجيِّر قلمي ولا رأيي ضد حملة المقاطعة، لأنني أفكر وبكل صدق ان حملة المقاطعة مهمة ولقد حققت الكثير من الإنجازات والاستحقاقات عل المستوى الدولي وكذلك الداخلي، ولكن لا يجب ان تكون حملة المقاطعة كمن يصدر صكوك غفران تجرم من يختلف مع معاييرها التي نعاني نحن أصحاب المكان والقضية وهذه المبادئ بتطبيقها، فكيف لمن لا يعيش في حدود مكاننا المنحصر بين الضفة والداخل والقدس؟

حملة الهجوم الشرسة والاشبه بالتنمر على عزيز مرقة لا تفيد المقاطعة ولا تفيد الانسان الفلسطيني ولا تفيد التعاطف والدعم لقضيتنا.

عزيز مرقة، لم يحي حفلا في تل ابيب ولا هيرتسيليا ولا بقبور السلاطين بالقدس تحت رعاية إسرائيلية علنية او مموهة.

ولم يجر حوارا بجيروساليم بوست ولا إسرائيل اليوم.

لماذا لا نسمح للإنسان العربي وغير العربي الذي يريد ان يقدم بالفعل الدعم للفلسطينيين ان يتصرف بنواياه الحسنة بلا تجريمه والتنمر عليه؟

قد يكون الاختلاف على ما قام به عزيز مرقة مشروعا ومحقا، ولكن التنمر عليه والهجوم عليه بهذه الطريقة ليس مشروعا ولا محقا، ولكن عيب … عيب في حقنا كشعب، يحتاج الى الدعم في كل يوم أكثر، امام هجمة لكيان الاحتلال ممنهجة ضد كل ما يمسنا بالداخل والخارج، تروج فيه عن همجيتنا ووحشيتنا وعدم رغبتنا بالسلام.

في وقت تستبيح في إسرائيل الانسان الفلسطيني بكل فرصة بتصفية عرقية لم تتوقف منذ سبعين سنة، يصر اربابها على استخدام مصطلحات السلام في دعاياتهم وترويجهم ضدنا.

في وقت يبدو التطبيع العربي الرسمي بتزايد، بين اتفاقيات كهرباء وغاز من جهة وبين فتح للمطارات والبلدان والسياحة من جهة أخرى، نحتاج كفلسطينيين الإنسان العربي في كافة اماكنه ان يكون معنا. هجومنا ورفضنا لما قام به الفنان لن يخدمنا، ولكن قد يعرضنا لخسارة انسان كان دوما يتغنى بحبه لفلسطين والفلسطينيين متباهيا بأصله الفلسطيني.

ان مراجعة حملة المقاطعة لمعاييرها وفتح باب النقاش واجب بعد كل هذه السنوات. ففي كل مرة بقدر ما يمكن ان تكسب الحملة في “التحريض” ضد فنان او مثقف، فإنها تخسر ربما ذلك الفنان او المثقف وبالتالي جمهوره وبلاده. وهنا أؤكد انني افرق تماما بين الضغط كما في حالة مادونا وغيرها في تل ابيب وبين عزيز مرقة وغيره في حيفا او كفر ياسيف.

كاتبة فلسطينية

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. السقوط حالة موجودة في كل قضية وفي كل وطن ودوافعه وأسبابه كثيرة.
    الحل..
    1. انتخابات داخلية في فتح. ودم جديد وخبرة.
    2. انتخابات عامة في كل الوطن.
    3. مقاومة مدنية…. الي حين…..

  2. سأجيبك يا أختاه.التطبيع هي نية سيئة تكون داخل زائر فلسطين وليس لديه الإحساس والحب نهائيا تجاه شعب فلسطين،انما يقوم بزيارة الأرض لأرضاء المحتل مارقا،وليس برأسه إلا رغبة دفينة بملامسة يد القاتل،الذي يرتدي بدلة. إنما زيارة الشعب القلسطيني فقط في فلسطين ١٩٤٨،بهدف عشق الشعب و الأرض التي هجر منها أهله،وهو يحمل في قلبه الحب والاشتياق لقريته ومدينته وكيف هو شكلها لأنه محروم منها،وبقلبه كره عميق للذي شرد أهله،عندئذ هذا ليس تطبيعا وانما ضرورة ليتحول ما هو فكرة مجردة الى واقع رأه بعينه،فيزيد حبه وعشقه واصراره على حق العودة.

  3. الأستاذة نادية المحترمة
    هذه الضبابية في التعامل مع الدولة المحتلة الرافضة لكل
    القوانين الدولية والأعراف هي نتيجة دراسة مستفيضة
    لجعل الفلسطيني والعربي وحتى لبعض اليهود منهم
    في حالة بلبلة مع نفسه لايدري هل هو مع او ضد وتلك
    اول خطوة لجعله جاهزا لتقبل أي مايمليه عليه العدو
    الصهيوني لان الحرب بيننا وبينهم هي في الأساس
    حرب للبحث عن هوية لهذا العدو لجعل العالم يصدق
    انهم اصحاب حق وهم ليسوا جسما غريبا في الوطن
    العربي ، سلطتنا راءدة في تسويق هذه الفكرة فقريبا
    ستبدا الحرب لتغير المناهج الصهيونية وتسويق جامعاتهم
    الصهيونية فالحروب غير واردة عندهم بعد التطبيع مع الدول
    العربية المنبطحة فسرعة انحسارنا نحو الخلف لاتضاها.
    ماذا عسانا فاعلين يجب العمل على اعادة بناء وصيانة عقلية
    الانسان الفلسطيني ويجب مقاطعة كل مايقدموه لنا ، عسكريا
    لانسطيع مجابهتهم انما يجب علينا إقلاق مضاجعهم وإجبارهم
    على التفكير بان العودة الى اوطانهم الأصلية هي خير لهم

  4. يجب ان نفرق بين الفلسطينيين اللذين ما زالوا يتمسكون بارضهم رغم كل محاولات الاحتلال الصهيوني لاقتلاعهم واخراجهم من ارضهم من خلال سياسة الترهيب والترغيب …بل المطلوب تعزيز صمورهم بكل الوسائل سواء اكان هذا الدعم شعبيا او رسميا وبين من يقوم من خارج فلسطين بالدخول تحت حراب الاحتلال بحجة احياء حفلة …وكذلك فيجب ان نميز بين الموقف الرسمي سواء من سلطة اوسلو او غيرها من الانظمة العربية بدعوتهم الى التطبيع وبين الموقف الشعبي من رفضه لاي شكل من اشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here