مقاسات بايدن الفضفاضة.. واشنطن تُفصّلْ وموسكو تُخَصِّرْ

الدكتور محمد بكر

من توصيف القاتل إلى ضرورة العمل معاً ، وأنه حان الوقت لخفض التصعيد ، هكذا “يُدير” الرئيس الأميركي جو بايدن ملف العلاقة مع موسكو ، مرةً يجرح ومرةً ” يداوي ” ، كل المراد على مايبدو هو توصيل للرسائل السياسية فقط ، وليس صرف الخطاب السياسي عالي السقف وترجمته في ميدان المواجهة المباشرة مع روسيا ، من يتابع الرئيس الأميركي هذه الأيام و شكل تعاطيه مع الروس يلتمس بوضوح أمرين بارزين :

الأول كثرة التصريحات والاطلالات وهي من الطبيعي أن تكون كذلك، ولاسيما لرئيس قد تسلم السلطة في الولايات المتحدة منذ أشهر قليلة , لكن غير الطبيعي هو اللهجة التصعيدية ضد الخصوم ومحاولة تمرير الرسائل من بوابة التهديد وفرض العقوبات وصولاً للمأمول .

الأمر الثاني أن بايدن يريد أن يلعب دور المُفصّل لشكل التوافقات مع روسيا والصين ، لكن مقاساته ومقاسات فريقه لا تناسب مطلقاً الخصوم وتبدو ” فضفاضة” لجهة الطريقة الفجة والنظرة الفوقية التي بدأها بايدن مباشرة بعد وصوله للبيت الأبيض .

التفاصيل التي كشفها بايدن حول مضمون الحديث هاتفياً مع بوتين بعد فترة وجيزة من فرص عقوبات أميركية جديدة على موسكو، هي تشرح بوضوح ماهية الكباش الحاصل، وماذا تريد واشنطن من موسكو في هذه المرحلة تحديداً ، وتكشف مغزى سياسة ” التجريح والمداواة ” التي يتبعها بايدن الذي أبدى ” نزاهته ” واحترامه لمكانة موسكو كدولة عظمى، وأنه كان بإمكانه أن يفعل أكثر لكنه فضل أن يتصرف بشكل متناسب كما قال ، بايدن قال أيضاً أن ضرورة العمل سوياً (اي مع بوتين) وإمكانية عقد قمة ثنائية في الصيف ، وأن ذلك سيشكل حواراً استراتيجياً لضمان حل الخلافات، وضمان الاستقرار في العالم، والسيطرة على الأسلحة والأمن، كل ذلك في إطار التمهيد لنقطة أساسية مفادها أن كل ماكان يدلي به فريق بايدن من خطاب ناري ضد موسكو وإتباعه في النهاية بضرورة (العمل معاً) على قاعدة التلاقي لا الصدام , هو لتحقيق غايات استراتيجية من وجهة نظر بايدن يمكن اختصارها في النقاط التالية :

– التغطية على مايعكسه قرار الانسحاب من أفغانستان من فشل وهزيمة أميركية إضافة لبعض الأصوات الرسمية في الداخل الأميركي المعارضة للانسحاب، وهنا يبدو التشبيك مع الروسي وقيادة المرحلة لحل مشكلات المنطقة مهماً وضرورياً.

– محاولة تظهير وتعظيم الدور الأميركي  بالتلازم مع الدور الروسي على قاعدة المنتصرين معاً والمُفصّلين للرؤى السياسية معاً، التي تخدم أهدافاً أميركية بعينها ، في مقدمتها إمكانية تحصيل وعود روسية للضغط على طهران ، لتليين مواقفها سواء بشأن العودة لاتفاق نووي منسجم مع المتطلبات الأمنية لإسرائيل ، أو لناحية التواجد الإيراني في سورية تحديدا .

– أن لا تصوغ موسكو” منفردة “سيناريوهات أو إجراءات تُخل بالتوازن على مستوى العالم سواء سياسيا أو عسكرياً أو اقتصادياً ، وتكون في جوهرها موجهة ضد مصالح الولايات المتحدة، من هنا نقرأ ونفهم ماقاله بايدن لجهة أن من مصلحة بلاده العمل مع موسكو وخفض التصعيد , ولكن إن استمرت موسكو بأنشطتها التدخلية ، فسنعود لفرص العقوبات والدفاع عن أمننا وبلادنا وديمقراطيتنا بحسب تعبيره .

المؤكد أن مايحاول بايدن تفصيله ” وإلباسه” لموسكو لن يرى قبولاً روسيا على الاطلاق، فاليد الروسية بدورها تتحرك في مسارات بعيدة من مسارات بايدن وترى في التحالف مع بكين وطهران تحالفاً ذو أبعاد عميقة على قاعدة ” تخصير ” الطروحات الأميركية ، وعند ذلك تغدو نظرية العمل معاً، هي نظرية ” ميتة ” على الأقل وفق ما يطرحه بايدن ومايحمله من نيات “غير حسنة” بحسب منظور الخصوم .

* كاتب صحفي ومحلل فلسطيني .

روستوك – ألمانيا

Dr.mbkr83@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. مختصر مفيد د. بكر هذا ديدن صنّاع القرار للمنظومة العالمية المتوحشة (لوبي المال والنفط والسلاح الصهيوني ) على مذبح سياسة الفعل وردة الفعل ولوجا لتحقيق دفين أهدافهم وديمومة سيطرتهم وغطرستهم على القرار من خلال إجترار الوقت تصعيدا ونزولا من خلال كمبارس لعبتهم السيد الأمريكي والسيد الروسي الذي لايتعدى دور كل منهم الناطق الرسمي دون السماح بتجاوز النص على مذبح مزاوجتهم نهج الراسمالية المتوحشة والإشتراكية المحبطه (بعد تجريدها من الثوابت وبات بوتن قيصرا اشد دهاء من القيصر ترامب ) وما زاد سعارهم بعد ان تكشفت حنايا مخرجات سياستهم في ظل تسارع تقنية التواصل (الصحفي المتقصي صوت وصورة ) وذلك من اجل خلط الأوراق وقلب الحقائق وتضليل الراي العام داخليا وخارجيا خشية فقدانهم عقال سيطرتهم وغطرستهم ؟؟؟؟؟؟ وبوتن وبايدن ومن قبلهم ترامب اشبه بحال (دافنين السر سوى ) وليس بمقدور هذا وذاك التحكم بقياس ثوب السياسة فضفضة واو تضييق بل الإنصياع لما يملى عليهم من اسياد القرار ؟؟؟؟؟” وليتبروا ماعلوتتبيرا “

  2. امام ادارة بايدن تحديات جديده وقاتله ،
    ادارة بايدن تريد ان تبعث برسائل يميناً وشمالاً ، بأنها ما زالت وستبقى “ربكم الاعلى ”
    الاحداث تتسابق وتتوالى وكيس الازمات القابع على ظهر بايدن يزداد وزناً وحجماً ، هذا الوعاء يتمزق ويتفتق وبايدن يحاول اغلاق الفتحات بيديه ، والامور بدأت تخرج عن السيطره !، وامريكا بإدارتها الجديده والسابقه اصبحت شبه عاجزه !.
    الجميع بإنتظار ما تأؤول اليه الامور ، وكما قال المثل ” عند الامتحان ، يُكرم بايدن او يُهان “!!.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here