مفاوضات أزمة سد النهضة مُحاكاة لأسطورة سيزيف

 

 

السفير بلال المصري

في نهاية جولة التفاوض الثلاثي بين مصر والسودان وإثيوبيا والتي تشارك فيها الولايات المتحدة – وزارة الخزانة الأمريكية (؟؟؟؟) – والبنك الدولي كمراقبين وهي الجولة التي جرت في أديس أبابا علي مدي يومين وأنتهت في 9 يناير 2020 أعلنت مصر وإثيوبيا عن عدم التوصل إلي إتفاق بشأن فترة ملأ خزان السد الذي أنجزت إثيوبيا 70% من مشروعه , وقد إقترح الجانب المصري في هذه الجولة – وفقاً لوزير المياه والري والكهرباء الإثيوبيSileshi Bekele  – أن تكون ما بين 12 إلي 21 عاماً وهو ما رفضته إثيوبيا , وهو ما لم تقبله إثيوبيا بل إن الوزير Bekele أعلن في مؤتمر صحفي في ختام التفاوض بأديس أبابا في 9 يناير الجاري “أن إثيوبيا ستبدأ ملأ الخزان في يوليو 2020 ” , وهكذا أصبح واضحاً لكل من ألقي السمع وهوشهيد أن مفاوضات حل أزمة سد النهضة الإثيوبي بين مصر وإثيوبيا وبينهما السودان ليست إلا مُحاكاة لأسطورة “سيزيف” الأغريقية والذي عاقبه “كبير الآلهة” زيوس بأن يحمل علي كاهله صخرة كبيرة لأعلي الجبل فإذا ما وصل إلي قمته تدحرجت حتي لأسفله ليرفعها ثانية وهكذا إلي الأبد , هذه هي قصة تلك المفاوضات العبثية التي بدأت عام 2014 لكي لا تنتهي إلا بإتمام إثيوبيا إقامة سد النهضة الذي يري البعض عن يقين أنه جزء من إستراتيجية إثيوبية مائية هجومية تهدد وجود مصر ذاتها .

من الواضح أن إثيوبيا لديها بالتوازي مع مراحل إنجازها لمشروع السد خطة تفاوض مؤسسة علي إستراتيجية إكتساب الوقت من خلال إستهلاك الزمن وإنهاك الخصم وإغراقه في تفصيلات مختلفة وتوسيع نطاق التفاوض ليكون ثلاثي ثم سداسي ثم تساعي ليعود ثلاثي حالياً وجعله يتراوح بين حالات أمل ورجاء ويأس وإستفزاز , والآن يعمد الإثيوبيين في إطار هذه الإستراتيجية إلي ما أعتقد في تقديري أنه إنتقال للمستوي الأعلي من الإستفزاز لحمل الجانب المصري علي إتخاذ قرار بوقف التفاوض أو الخضوع للأمر الواقع , إذ أن رئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed وخلال زيارته التي تُعد الأولي لرئيس وزراء إثيوبي لجنوب أفريقيا منذ بداية الديموقراطية بها  في 12 يناير 2020 حث الرئيس الجنوب أفريقي  Cyril Ramaphosa(الذي سيتولي رئاسة الإتحاد الأفريقي الدورية في فبراير2020) علي التوسط في هذه الأزمة وهو ما أستجاب إليه الرئيس Ramaphosa الذي أوضح بأن حكومته علي إستعداد للإنخراط في الوساطة في هذا الصراع أو غيره بالقارة وهو أمر أُشير إليه في صفقة التفاوض التي جرت في واشنطن وقبلتها الدول الثلاث المُتفاوضة , وفي المؤتمر الصحفي هناك كرر رئيس الوزراء الإثيوبي نفس العبارة التي قيلت سابقاً وآخرها عندما أُعلن عن قبول إثيوبيا الولايات المتحدة كمراقب وليس كوسيط للمفاوضات في واشنطن وهي عبارة ” نأمل أن يلعب رئيس جنوب أفريقيا دوراًهاماً في لتحقيق حل فيه الكل فائز” , فالإعلان عن طلب رئيس الوزراء الإثيوبي من رئيس جنوب أفريقيا القيام بالوساطة يعني ببساطة تداخل Overlapping مع مفاوضات واشنطن حتي لو كان أمراً مُتفقا عليه ثلاثياً , وقد عمد الجانب الإثيوبي إلي هذا الإعلان قبل يوم من توجه وزراء خارجية السودان وإثيوبيا ومصر لواشنطن (ستستغرق زيارة وزير الخارجية المصري لواشنطن والتي بدأت في 11 يناير أسبوعاً ) للمشاركة في الجولة الأخيرة وفقاً للجدول الزمني الذي إقترحة وزير الخزانة الأمريكي الذي شارك في تلك المفاوضات بصفة مراقب لا وسيط , وهذا التداخل يعني كذلك أن رئيس الوزراء الإثيوبي قد صادر علي نتيجة دورة تفاوض واشنطن التي من المُقرر أن تنتهي في 15 يناير الجاري لأنه دعا رئيس جنوب أفريقيا للتوسط وهذا يعني أن دور واشنطن المحدود جداً في الأزمة قد إنتهي أو كاد أن يكون كذلك فالإستجابة السريعة للرئيس الجنوب الأفريقي لقبول الوساطة حتي بدون أن ينتظر نتيجة جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن التي يراقبها وزير الخزانة وليس الخارجية الأمريكي لا يعني غير ذلك يقيناً , كما أن مصر لم يصدر عنها تعليق علي إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي بدعوة جنوب أفريقيا للوساطة , ومن المُتصور في هذا السياق أن إثيوبيا لم تُنسق أوتُخطر مصر و ربما السودان كذلك  مُسبقاً بنيتها تلك , وبالتالي فهذه الخطوة الإثيوبية المُفاجئة لا تعد فقط خطأ بروتوكولي بل أيضاً إستخفاف بمن يجري التفاوض معهم أي مع مصر وربما السودان , وهي دالة علي أن مفاوضات Pretoria ستكون أخر حلقة في الدائرة المُفرغة لتلك المفاوضات العبثية ذلك أنه إذا أفترضنا أن مصر قبلت المُشاركة في هذه الجولة التالية من المفاوضات في  Pretoria فإن ذلك سيكون علي الأغلب في فبراير 2020 أو تحديداً بعد إنتهاء مراسم تسلم جنوب أفريقيا رئاسة الإتحاد الأفريقي وإذا إفترضنا أن هذه المفاوضات إستغرقت شهران ينتهيا في مارس 2020يجري خلالهما تكرار نفس تفاصيل التفاوض فإن ذلك يعني أن أنه سيتبقي 3 أشهر ليبدأ ملأ خزان سد النهضة في يوليو 2020 كما أشار إلي ذلك وزير المياه الإثيوبي Bekele وعند ذلك لن تري إثيوبيا أن هناك ضرورة لأي تفاوض خاصة وأن الحكومة الإثيوبية تُعد لطرح عطاء إقامة ثلاثة سدود أخري لتصدير 5 الآف ميجاوات من الطاقة الكهربائية المُولدة لديها في مدي زمني غايته 2028 وذلك بدعم من بنك التنمية الأفريقي كما أشارت إلي ذلك نشرة Africa Intelligence بتاريخ 13 يناير 2020 .

إن قبلت مصر المشاركة في مفاوضات Pretoria فهي بذلك تكون قد قبلت ليس فقط وجهة النظر الإثيوبية التي تطرحها إثيوبيا داخل غرفة التفاوض المُغلقة وهي إملاء لا أكثر إذ أن مصر هي التي تطرح مُقترحات للحل منذ بداية جولات التفاوضات عام 2014 حتي يومنا هذا , أما إثيوبيا فتريد إملاء وجهة نظر واحدة وثابتة مفادها أن : هذا سدنا علي أرضنا وتلك مسألة سيادية ليس لأحد أن يتدخل فيها ” ولا حقوق تاريخية لمصر ولا نعترف بأي أطر قانونية دولية أو تلك التي كانت بين مصر وبريطانيا (إتفاق 1929)أوبين بين بريطانيا وإثيوبيا (إتفاق 1902) أو بين مصر والسودان (إتفاقية 8 نوفمبر 1959) ولاحتي بالإتفاقية الأفريقية لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية التي وقعتها إثيوبيا نفسها ككل دول منظمة الوحدة الأفريقية بقمة الجزائر , بل تكون قد قبلت أيضاً بالإستراتيجية التفاوضية الإثيوبية المُؤسسة علي إستهلاك الوقت , لذلك علي مصر التوقف عن هذا العبث التفاوضي من أجل تدبر إتخاذ قرار أحادي أيا كان مضمونه يُلزم الإثيوبيين بالبحث عن حل وسط يحقق المصلحة المصرية والإثيوبية بقدر متساو في ضوء حقيقة أن قضية مياه النيل لإثيوبيا خيار بين حياة أو حياة أفضل فيما هي لمصر قضية حياة أو موت , وسيكون التردد المصري في البحث عن أو إتخاذ قرار لمواجهة إثيوبيا في سد إثيوبيا حتي ولو كانت المواجهة عسكرية ذا أثر سلبي مؤداه التأثير علي فاعلية هذه المواجهة التي سقفها الزمني يبدأ من يوليو 2020 تاريخ بدأ ملأ خزان السد , فسد النهضة بالرغم من أنه عمل إنشائي ذا طبيعة مدنية إلا أنه سيؤدي وفقاً للمخاوف الفنية المصرية إلي نفس النتائج التي تؤدي إليها المواجهات العسكرية بين الدول ومن بين أهمها السكان المدنيين والمرافق الأساسية والإقتصاد بل وجود الدولة نفسها , ولذلك لا تثريب علي مصر إن هي اُجبرت علي الحل العسكري خاصة وأن المجتمع الدولي قانع بموقف المُتفرج , وفي هذا قال الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور :

                      * إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ … فإنَّ فساد الرأي أن تترددا

                     * ولا تمهل الأعداء يوما بقدرةٍ … وبادرهم إن يملكوا مثلها غدَا

هناك عدة أخطاء إقترفها المفاوض المصري أكثرها إضراراً بموقفه : (1) أنه بدأ التفاوض وسمح للإثيوبيين تحرير قضية السد من منطق التفاوض , فمنطق أي تفاوض هو تثبيت وتسكين القضية موضوع التفاوض عند تاريخ بدأ هذا التفاوض وهذا أمر لم يحدث ولا نجحت مصر في تحقيقه منذ بدء الإثيوبيين في إقامة السد في مايو2011 , وكمثال من بين أمثلة عديدة أن مصر والكيان الصهيوني لم يتوجها إلي التفاوض إلا بعد قرار مجلس الأمن الدولي 338 بتاريخ 22 أكتوبر 1973 الذي أشار في مادته الأولي إلي وقف إطلاق النار علي الجبهات , وبعد وقف إطلاق النار أصبح الطريق مفتوحاً أمام التفاوض الذي أدي لإتفاقيتي فض الإشتباك علي الجبهتين المصرية والسورية ثم معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني المُوقعة في 26 مارس 1979و(2) أن مصر لم تحصر أو تقصر تفاوضها مع الإثيوبيين علي الجانب الفني فالقضية برمتها فنية صرفة , لكن مصر أتاحت للإثيوبيين فرصة العبث التفاوضي بأن جعلت هذه المفاوضات سداسية بضم وزراء الخارجية ثم تساعية بضم رؤساء أجهزة المخابرات وهو ما أدي إلي تشتيت الإهتمام وخفض التركيز في التعامل مع جوهر الأزمة وهو فني بإمتياز ولا يجوز تفاوضياً تغييره فقضية كتلك كلما إقتصر التفاوض علي مضمونها الفني بواسطة المعنيين كلما تيسر قياس التقدم المُحرز بشأنها , و(3) أن وزارة الري القائم الرئيسي علي أمر التفاوض في هذه الأزمة تعرضت لما ينتج عن عدم الإستقرار الوظيفي لكوادرها أو علي الأقل لفريق التفاوض الفني بها من إهتزازات , فهذه الوزارة جري تغيير وزراءها في فترة بداية أزمة سد النهضة أي في الفترة من 2011 حتي يومنا هذا 7 وزراء ري , هذا بالإضافة إلي حقيقة سلبية أخري وهي أن هذه الوزارة منذ عهد الرئيس المخلوع مبارك كانت خاضعة لعملية تسيس من نتائجها علي سبيل المثال الإعلان عام 1996عن تنفيذ مشروع توشكي والمضي فيه رغم تعارضه مع الحقائق الفنية المتخصصة في مجال المياه والري وذلك بدلاً من مواصلة المشروع القومي لتنمية سيناء .

علي مصر أن تعيد ترتيب أولويات أمنها القومي فرغم التهديدات الحالية علي إتجاهاتها الإستراتيجية الأربعة شمالاً وغرباً وشرقاً , فإن الإتجاه الإستراتيجي الجنوبي (وهو إصطلاح عسكري مصري) هو الأعظم خطراً والعمل في هذا المحور ضرورة حتمية – وفقاً لما سبقت الإشارة إليه – ومن ثم لابد للدولة المصرية أن تسخر له معظم إمكانياتها فالخطر سيطال وجود مصر ذاتها .

 كاتب وسفير مصري سابق

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. كل هذه الاتفاقيات باطلة ولاغية لانها وقعت تحت الإدارة الاستعمارية البريطانية شانها شان اتفاقية سايكس بيكو بخصوص فلسطين
    مصر عليها ان تحاول الوصول الى تفاهمات واتفاقات جديدة وعلى أسس جديدة مع دولة إثيوبيا ذات السيادة

  2. نهاية الحديث أن لم تنتبه الحكومة المصرية لهذه الكارثة فستقع مصر العظيمة في كارثة وهذا متفق عليه بين الدول الأربع إسرائيل الامارات السعودية اثيوبيا لماذا تحديدا مصر لماذا لم تتأثر السودان هذه الدول الأربع خانت مصر منهم من يحمي السد بصواريخه ومنهم من يمول ويستثمر بالسد رجل الأعمال المدعوم سعوديا (العمودي) ولو ذهبوا إلى مجلس الأمن لن تحل هذه الكارثة مهما فعلت مصر سيقفون ضدها يجب على الحكومة المصرية أن تلبس القفزات لان الخطر عظيم على الأرض والمواطن حمى الله مصر من كل مكروه.

  3. الى السفير بلال المصري المحترم.

    مشكلة مصر هيا لا نيل و لا نيله بل هيا اتفاقية كامب ديفيد يجب الغائها و هيا المشكله الاساسيه.
    مع تحياتي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here