معيار الموقف سوريا.. وروحه فلسطين

 

د. سلمان محمد سلمان

تتشابك في هذه المرحلة قضايا متناقضة لا يصلح معها التمسك بشكليات الانقسامات الثنائية الصفرية. هناك صفقة القرن وتبعاتها، وهناك تصعيد الغرب ضد ايران وعمل إسرائيل دون كلل لجر الخليج ضد ايران في حرب قاتلة للطرفين، وهناك من يريد بقاء جرح سوريا نازفا ومؤامرة الربيع العربي مستمرة في تمزيق المنطقة. وفي هذه القضايا الثلاثة تتداخل مصالح القوى بشكل سريالي ولا بد من معايير مناسبة للتقييم.

من الواضح أن لا مصلحة لأحد غير إسرائيل في تنفيذ صفقة القرن، ومنعها يتطلب جمع الجهود، والحرب على إيران أو بين إيران والخليج تتطلب تخفيض الاستقطاب، لان تلك الحرب لن يخرج منها احد رابحا وربما تكون إسرائيل المستفيد الوحيد. جرح سوريا يعطل أي موقف حقيقي لوحدة العرب او توازن الردع ضد إسرائيل مما يفتح الباب لابتزاز كل العرب وإذلالهم. لا بد من تفاهمات عميقة وإيجاد صيغ تعايش بين القوى المختلفة لمواجهة هذه التحديات

لا أتوقع تشكيل حلف من محاور المنطقة لاختلافها، لكن من حق فلسطين تقليل خسائر قضيتها. واستعين بكيفية معالجة سوريا لأزمتها وهي تعيش أشد مراحل المؤامرات. كانت تقول لا بما يلزم فقط، ولا تغلق بابا بشكل مطلق، فهذه السياسة. ها هي ايران تعرض على دول الخليج معاهدة عدم اعتداء. لا أطلب حلفا لا تقبله الأطراف، ولكن فلسطين والمنطقة  تتطلب تقليل الاستقطاب، فزيادة التصعيد ربما تدفع للوقوع في محظور الحرب بين الخليج وايران.

من غير الممكن تقسيم المنطقة لمحورين منفصلين تماما، بمقولة لعبة المجموع الصفري. يطرح البعض محور المقاومة مقابل محور التنازلات. أين نصنف قطر وتركيا، وكيف نفسر العلاقة بين قطر وإيران. في الواقع هناك ثلاثة محاور، وقد نشرت مقالة بذلك الشأن والرابط مرفق أدناه. محور إيران سوريا، ومحور تركيا الإخوان، ومحور السعودية مصر، ولكل منهم أجندة مختلفة. إذا ربطنا هذه المحاور مع محاور العالم وهو حاليا مقسوم بين محور العولمة ومحور القوميين بشكل عام، نجد تركيا مع العولمة مع أنها لا تريد أن تكون هناك، وإيران موزعة بين الموقفين وتميل للقوميين، والسعودية ومصر أميل للتيار القومي العالمي. من الصعب البناء على فكرة محورين مفروزين بشكل صارم.

من حق سوريا على حلفاء الأمس الشكر والعرفان، والاعتذار ممن أخطأ لأن الاعتذار يعكس مدلولا سياسيا. لا يمكن بمنطق المحورين شكر جزء من حماس لإيران مع أن الجزء القيادي منها كان مع المحور الآخر حتى النخاع. هذا يعني أن جزءا منها تمسك بالمقاومة رغم موقفها الرسمي المرفوض. أليس في كل الدول العربية قوى بنفس التمايز ضمن نفس المحاور. لا أفهم إصرار بعض القوى من المحسوبين على ايران بناء سد ضد الدول العربية وتحديدا مصر والسعودية، ورفض مجرد التفاعل معهم، مقابل فتح الحوار مع قطر مثلا، مع أن موقف قطر تركيا أشد عداوة لسوريا حتى الآن من المحور الآخر. بل كان لمصر دورا مهما في تخفيف الضغط على سوريا، وكان لسقوط الإخوان في مصر دور مهم في تخفيف معركتها.

ضمن رؤية المحورين يقول البعض أن سايكس بيكو حسم أمر دول المنطقة بالدور الوظيفي وكأنه قدر محتوم. وأن ايران تقود رفض هذا الدور. الم تعش ايران ذلك الدور الوظيفي. لماذا تناسي جهود كثير من زعماء العرب على مر القرن السابق في مقاومة الاستعمار. هل تعتبر مصر عبد الناصر من محور التنازلات مثلا.  لماذا تعودنا على وصم العرب بكل سلبية، ويقول البعض لم يبق إلا ايران. أليست سوريا حرة ومناضلة أيضا. لا يمكنك الاعتزاز بعروبتك والحكم بهذه الطريقة، وعليك ان تحترم عروبتك قبل أي تقييم للآخرين. تستطيع إدانة أي نظام، لكن لا يمكنك كنس الجميع ولا ترى في الساحة إلا طرفا وحيدا، لأن هذا ببساطة غير صحيح.

أطراف نظرية المحورين المنفصلين مستقطبون ولا يريد أي منهما تلويث نفسه بعلاقة مع الأخر، لكن بسبب وجود ثلاثة محاور فعلا نري الجميع يخلط الأمور دون فهم واضح. مارس الجميع عدوانا منذ عام 2010 اسمه الربيع العربي. لماذا اعتبار ذلك خير في ليبيا رغم قصف الناتو والمباركة للشعب الليبي ثورته مثلا، بينما ترفض نفس المؤامرة في سوريا من السعودية ويسكت عنها من قطر مثلا.

من المهم استخدام معيار واحد للمنطقة وفلسطين كانت دائما الروح التي تحرك سياستها وفي تقديري فقد كانت سوريا الأدق في حسن المعيار، والأكثر اتزانا في مواقفها. محور قولي لتكن سوريا معيار الموقف وفلسطين روحه. لانهما يمثلان صلب القضايا المتفجرة من جهة وهما الأكثر استفادة من حل الصراعات

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية فلسطين

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. المهادنة لا تليق في زمن الثورة…..الطاقة العالية في الدماء هي من سيدفعنا لاستوداد حقوقنا المغتصبة
    علينا التعلم من ثوار التاريخ الشرفاء….شبعنا ذلا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here