معن بشور: علاقات لبنان العربيَّة في رؤية سليم الحص

معن بشور

السياسة عند الرئيس سليم الحص (أطال الله عمره) هي مبادئ واخلاق، مبادئ توّجه، وأخلاق تحصّن، مبادئ تحدد الرؤى والمواقف، وأخلاق تصوب الأداء والأساليب، ومن هنا لا يمكن فهم السياسات التي أتبعها الرئيس الحص داخل لبنان وعلى المستوى العربي والدولي بعيداً عن هذه الثنائية التي جعلت من سليم الحص قامة استثنائية في حياة لبنان والأمة العربية ، بل استحق عن جدارة لقب ضمير لبنان، بل ضمير العروبة أيضاً كما حرص عدد كبير من الأخوة العرب أن يسموه….

وربما كان لي دون أخرين شرف التعرّف على الرئيس الحص منذ أن كنت طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت في ستينات القرن الماضي، وكان الحص أستاذاَ فيها قبل أن ينتقل للعمل في الكويت، وأذكر أنه كالأساتذة برهان الدجاني ، وبشير الداعوق، والياس سابا واحسان عباس ومحمد يوسف نجم، كانوا يتمتعون بسمعة وطنية وأكاديمية رفيعة لدرجة  انني كنت اهرع مع رفاق لي آنذاك المرحوم حكمت النشاشيبي والمهندس رياض ثلاجة والدكتور مروان غندور  الى النادي الثقافي العربي في كل مرة كنا نعرف ان للرجل الكبير محاضرة يمزج فيها بين علمه الغزير وعروبته الصافية. وكنت كالعديد من رفاقي أتمنى أن نرى الرجل يتبوأ منصباً كبيراً في الدولة لترجمة تلك المبادئ والتوجهات….

ولأن المبادئ والأخلاق عند سليم الحص كانا ركني سياسته العربية، قبل توليه منصب رئيس الوزراء عام 1976، وبعد اعتزاله العمل السياسي وانصرافه للعمل الوطني والقومي عام 2000، كانت العروبة هي بوصلته في تحديه المواقف من كل القضايا،  فالعروبة بالنسبة اليه هي العروبة الجامعة لكل مكونات الأمة، وفي مقدمها “الإسلام القرآني ”  بتنوع مذاهبه، والمسيحية المشرقية في كل أماكن تواجدها من مصر الى سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين .

لم تكن العروبة بالنسبة اليه شعاراً يردده بأقواله ويتجاهله في أفعاله، بل كانت حاضرة في كل موقف من مواقفه، أيّا كانت كلفة الالتزام بها، وكان الالتزام بها  بنظره هو طريق الأمة للخلاص، لا سيمّا حين تتخلص العروبة من شبهة الاستبداد  التي التصقت بها بسبب ممارسات بعض الأنظمة… مدركاّ ان مشكلة العروبة في لبنان، كما في الأقطار الأخرى، هي مشكلة تقدمية العروبة وديمقراطيتها، فكلما ارتبط العمل القومي العربي بالنهج التقدمي والأداء الديمقراطي، كلما اقتربت العروبة من كل مكونات الوطن العربي على اختلافها…

هذا الالتزام بالعروبة كان طبيعيا في رجل كسليم الحص نشأ في بيئة بيروتية متجذرة في عروبتها، وفي أجواء لبنانية وطنية تدرك دور اللبنانيين، وخصوصاً أبناء جبل لبنان، في حركة النهضة العربية،  فكان في مواقفه مصدر اعتزاز كل قوى التحرر العربي من المحيط الى الخليج التي لم تتعامل يوماً مع سليم الحص كشخصية سياسية لبنانية بارزة فحسب، بل كرمز عربي مضيء من المحيط الى الخليج، ولذلك لم يكن ممكنا ان ينعقد مؤتمر قومي أو شعبي  عربي في أي عاصمة عربية من المحيط الى الخليج إلاّ ويتصدره سليم الحص بكلمة تشّكل الأساس في توجهاته…

التزام سليم الحص بالعروبة الديمقراطية الجامعة لم يكن فعل ايمان عاطفي فحسب، أو نتيجة إرث شخصي فقط، بل كان ثمرة تحليل عميق ورؤية استراتيجية ووعي تاريخي بأن لا حل لمشاكل أمتنا الممتدة من المحيط الى الخليج ، إلاّ بالوحدة العربية بأي مستوى من مستوياتها، من التعاون والتنسيق ، الى التضامن والتشبيك، الى الوحدة الاتحادية، كما دعا في اكثر من مرة، وفي أكثر من خطاب أو موقف….

ولأن العروبة كانت موجهه الرئيسي في مواقفه السياسية، احتلت القضية الفلسطينية موقعها المركزي في تجربة سليم الحص وسياساته حين قال “ان مستقبل العرب يتحدد في فلسطين.”.. مدركاً انه اذا هزم العرب في فلسطين هزموا في كل مكان، واذا انتصروا فيها انتصروا في كل مكان…

من هنا  لم يكن ممكناً لسليم الحص أن يغيب عن أي محفل أو أي ملتقى معني بقضية فلسطين، وتاجها القدس، إلا ويشارك فيه ، ولا أزال أذكر وقع حضوره ومشاركته وكلمته في ملتقى القدس الدولي في اسطمبول في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2007، حيث انطلقت حركة عربية وعالمية لدعم القدس ما زالت مستمرة حتى الآن ، وهي تتوج اليوم في هبّة رمضان المقدسية المستمرة، والتي طالما توّقعها الرئيس الحص وراهن عليها وعلى شعب فلسطين في أنتفاضته ومقاومته… والتي نأمل أن يكون له كلمة في ملتقى “متحدون من اجل القدس” الذي سيعقد بعد يومين عبر الفضاء الافتراضي بمشاركة المئات من الشخصيات العربية والإسلامية والدولية .

ومن كانت فلسطين قضيته لا يمكن إلاّ ان تكون المقاومة بكل اشكالها خياره الاستراتيجي، مدركاً ان الطريق الى التحرير مرتبط بالمقولة الخالدة لجمال عبد الناصر الذي يقول الرئيس الحص عنه “لو كان بيننا هذه الأيام لتغيرت الصورة القاتمة تماماً،” حين قال ” ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ” وان “المقاومة وجدت لتبقى وستبقى”.

وكما كانت فلسطين قضيته المركزية، ككل عربي مخلص لأمته، كانت قضايا الأمة على تعددها، قضاياه الشاغلة، يحدد منها الموقف الواضح والجريء غير العابئ بالتكاليف المتوقعة…

وعلى الرغم من ان الرئيس سليم الحص، كان اول المبادرين، كرئيس لحكومة لبنان في آب 1990، برفض الغزو وأول من أدان الغزو العراقي للكويت، إلاّ أنه كان أيضاً في طليعة من وقف ضد العدوان الأميركي على العراق، وضد الحصار على هذا البلد العربي العزيز، وداعماً لمقاومته الباسلة التي كان انقضاضها على جيش الاحتلال الأميركي بعد عام 2003 هو بداية التحول التاريخي في موازين القوى لغير صالح القوى الاستعمارية والصهيونية والتي نشهد الان حجم الارتباك في أدائها، والتراجع في قوتها…

ولا زلت أذكر كيف كان الرئيس الحص يشارك في العديد من المؤتمرات  والاعتصامات والمسيرات التي اطلقناها انتصاراً للعراق بوجه الحرب والحصار ودعماً لمقاومته بوجه الاحتلال وأثاره….

وما رأيناه من مواقف شجاعة  تجاه العراق وشعبه ومقاومته، رأيناه في مواقف الرئيس الحص في كل محنة يتعرض لها أي قطر من أقطار الأمة العربية والإسلامية ويعلو صوته مدوياً في وجه أعداء الأمة، بما في ذلك ما رأيناه من فوضى دموية رافقت ما سمي ب”الربيع العربي”، حيث حذّر الرئيس الحص من الخلط بين مطالب مشروعة ينبغي الوقوف إلى جانبها، وبين مخططات مشبوهة تسعى إلى استغلال هذه المطالب لخدمة أجندات  الفتنة الأهلية والحروب الداخلية والتدخلات الخارجية والتفتيت والتقسيم، وهو ما فسّره موقفه مما جرى من غزوة أطلسية لليبيا، ومن حرب عدوانية على اليمن، ومما شهدناه وما نزال من حرب كونية على سورية وفيها…

ولعل علاقة الرئيس الحص بدمشق طيلة حياته السياسية  بدءاً من توليه رئاسة الحكومة اللبنانية مع دخول قوات الردع العربية الى لبنان في خريف 2006، حتى الساعة هو ما يشرح المفهوم الحقيقي لعروبة سليم الحص ، التي هي عروبة كافة النهضويين العرب، وكافة حاملي المشروع النهضوي العربي…

كانت عروبة سليم الحص، كما وطنيته اللبنانية الصادقة، المحركان الرئيسيان لرؤيته للعلاقة الأخوية بين لبنان وسورية، وهي علاقة الاستقلالية التي ترفض العداء المتشنج الذي يؤذي لبنان أكثر مما يؤذي سورية، كما ترفض التبعية العمياء المقرونة بالتمّلق التي تؤذي سورية اكثر مما تؤذي لبنان.

ولعل في سيرة الرئيس الحص المدونة في مذكراته وكتبه المتعددة، العديد من الشواهد على طبيعة العلاقة بين مسؤول لبناني يحترم نفسه ويحرص على كرامته وكرامة  البلد الذي يمثل ، كما يحرص على علاقة اخوية بين بلدين شقيقين لا تربطهما الرابطة القومية وحدها، ولا المصير المشترك، ولا العلاقات العائلية  والتاريخية المشتركة، بل أيضاً تربطهما مصالح قوية مشتركة لا ينكر وجودها الاّ قصيري النظر او المرتبطين باجندات مشبوهة.

انطلاقاً من هذه القاعدة، كان الرئيس الحص مؤمناً بالعلاقة المصيرية الاستراتيجية بين البلدين سواء على مستوى الامن الوطني والقومي، حيث تشّكل العلاقة حصناً للأستقرار في البلدلين معاً، وخصوصاً  في لبنان، او في مستوى المصالح الاقتصادية المشتركة التي لا يمكن للبنان أن يخرج من الحفرة التي أوقعته فيها الطغمة الحاكمة منذ عقود إلاّ عبر البوابة السورية، لذلك بقدر ما كان الحص ركناً استراتيجياً في معادلة المقاومةوالتحرير التي كانت سورية طرفاً رئيسياً فيها، سواء في التحرير عام 2000 او في صّد العدوان عام 2006، لكن كان له مواقفه المميزة في امور عدة ارتكبها بعض صانعي السياسة السورية في لبنان، والتي أدت ، فيما أدت، الى اعلان استقالته في نهاية عام 1990 من الإذاعة السورية قبل ان يتقدم بها الحص نفسه، وكان الحص في مواقفه تلك ، يؤكد ككل العروبيين اللبنانيين الصادقين فهمه للعلاقة  الحقيقية مع دمشق، كما مع كل عاصمة عربية معنية بالشأن اللبناني، العلاقة القائمة على ثنائية “وحدة المصير والتنوع في التعبير”.. فأنتزع احترام القيادة السورية، كما كافة القيادات العربية ، ولم تجد قمة بغداد العربية( 2و3تشرين عام 1979) ، أفضل منه ليكون رئيسا لوفد ضمه مع الشيخ صباح الأحمد الصباح ،وزير خارجية الكويت يومها، وأميرها فيما بعد، رحمه الله،  والشيخ الجليل احمد السويدي مستشار الشيخ زايد رحمه الله، ليذهب  الى القاهرة لاقناع الرئيس السادات بالعدول عن التوقيع على معاهدات “كمب ديفيد” التي فتحت باب الشرور التي ما زلنا نراها حتى اليوم في ارجاء وطننا الكبير… ورغم ان المهمة لم تنجح، لكن اختيار  الرئيس الحص ، رئيس حكومة لبنان، كرئيس الوفد العربي الى القاهرة يومها اعتراف صريح بمكانة الرجل في الحياة العربية…

 “السياسة العربية لسليم الحص” تستحق كتاباً كاملاً ولا يمكن اختصارها بدقائق في هذه الحلقة الدراسية المميّزة التي دعتنا اليها ندوة العمل الوطني التي أسسها الرئيس الضمير، وترأسها من بعده الأخ الكبير عبد الحميد فاخوري، ويتولى رئاستها اليوم الصديق اللامع الدكتور وجيه فانوس مع ثلة من شرفاء هذا الوطن واحراره …فألف شكر له..ونأمل بحلقات دراسية مماثلة لتجارب دراسية مماثلة وفي مقدمهم الرئيس إميل لحود، الشريك مع الرئيس الحص في التحرير و المقاومة.

[1]– مداخلة القيت في الحلقة الدِّراسيَّة مُقارَباتٌ تَحلِيلِيَّةٌ في رُؤيَةِ دَوْلَةِ الرَّئِيسِ الدكتور سَليم الحُص إلى لُبنان (اللِّقاء الثَّاني) بدعوة من “ندوة العمل الوطني”

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. مقال الاخ معن بشور وزميل الدراسةً في الجامعة الامريكيةً في بيروت منتصف الستينيات يبعث الامل والثقة بمستقبل واعد للامةً العربية رغم الضباب الكثيف المحدق حاليا. تحياتي لاستاذي الفاضل الدكتور الياس سابا مدينا له بخبرتي في علم الاقتصاد اللذي مازلت امارسه الى الان كمستشار في التنميةً المستدامة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here