معن بشور: تجربة في كتاب

معن بشور

-1-

في أوائل تسعينات القرن الفائت قال الوزير السابق بشارة مرهج خلال اجتماع لهيئة التنسيق في تجمع اللجان والروابط الشعبية محذراً:

 “سيأتي على اللبنانيين يوم لن يجدوا فيه ماء للشرب، ولا كهرباء الإنارة، ولا بيئة تحمل هواءاً نظيفاً، ولا مدارس جيدة لتعليم أولادهم، ولا مستشفيات مستعدة لمعالجة أمراضهم”…

وحين سمحت ظروف متداخلة له أن يتولى وزارة الداخلية عام 1992، حاول أن يعالج من داخل الحكومة… فلم يتحمله نادي السلطة أكثر من عامين… فجرى ذات “ليل” إقصاءه عن وزارة الداخلية، فرد باستقالة مدوية ظن أهل الحكم أنه سيتراجع عنها بفعل ضغوط القيمين على الأمور يومها… لكنه لم يتراجع”…

تجربة تسهم في تشكيل جزء من وعي شعب يريد التغيير ويصطدم دائماً بنظام حصنته الطائفية والفساد ضد اي تغيير…

-2-

     ان تقرأ كتاب الوزير السابق بشارة مرهج “كهوف السلطة..تجربتي في وزارة الداخلية”تدرك كم هو مكلف أن تكون نزيها في أجواء سلطة تفوح منها روائح الفساد،بل كم هو مكلف أن تبقى مستقلا في مواجهة شتى انواع الضغوط أو الإغراءات التي تقودك الى الارتهان والالتحاق  بهذا النظام أو ذاك،بهذه العصبية الطائفية أو المذهبية  او تلك، بهذه السطوة المالية أو المصالح الضخمة..

مرهج كان ابن مدرسة فكرية وسياسية وأخلاقية وصفها مرة المفكر التونسي الراحل الدكتور محمد المسعود الشابي “تسيرون في الوحول ولا تتسخوا” ، مدرسة تريد أن تقدم، في الفكر كما في الممارسة، نموذجا مشعا يضيء كل ما حولها ،وتجربةمعاكسة لمفاهيم عفنة رائجة وقيم ملوثة سائدة…

لقد تأخر مرهج ٢٤ عاما عن إعداد هذا الكتاب، الذي يعتبر مرجعا تاريخيا لتلك المرحلة الدقيقة من حياة لبنان(١٩٩٢-١٩٩٤) ، لكي يأتي الكتاب نقيا من اي انفعالات لا تخلو منها طبيعة البشر ، ومن اي عوامل ذاتية  كثيرا ما تترك ظلالها على قراءة الأحداث…

-3-

كانت الأجواء العامة في لبنان، كما المنطقة، ملبدة يوم 13 أيلول/سبتمبر 1993، يوم توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير وحكومة تل ابيب، في وقت كان الاتحاد السوفياتي ومعسكره قد انهار، والعراق قد تلقى ضربة عسكرية قاصمة في الغزو الثلاثيني عام 1991… وكبار المسؤولين في لبنان يتباهون بمكالمة هاتفية طويلة أنعم عليها بهم الرئيس الأمريكي كلينتون… فيما احتفالية التوقيع في حدائق البيت الأبيض حضرها الجميع من ممثلي الدول العربية والأجنبية.

في بيروت وحدها، وكالعادة، قرر جمهور المقاومة أن يخرج بمسيرة تعلن رفض أوسلو، فيما الجميع كان بين مهلل للاتفاقية المشؤومة أو حذر في مواجهتها…

كان القرار في مجلس الوزراء هو منع التظاهر وكان على وزير الداخلية بشارة مرهج وقائد الجيش العماد اميل لحود أن ينفذوا بالرصاص قرار المنع…

لحود غادر اليرزة معترضا… فيما حاول مرهج مع رفاقه منع المواجهة الدموية عبر اتصالات مع كل المعنيين… لكن وقعت الواقعة وكانت مجزرة جسر المطار… ليعلن الوزير تعليق مهامه كوزير للداخلية حتى يجري التحقيق… وشهد لبنان أزمة سياسية حادة مرتبطة هذه المرة بموقف وزير رفض أن يتنكر لمبادئه الوطنية والديمقراطية…

-4-

كان الوزير السابق بشارة مرهج مشبعا بثقافة حقوق الإنسان الأصيلة التي ترفض الاستغلال..وكان حريصا على ترجمتها في حياته العامة منذ أن كان مناضلا في صفوف الحركة الشعبية إلى أن أصبح نائبا في ثلاث دورات انتخابية ورئيسا للجنة حقوق الإنسان النيابية ثم وزيرا لمرات ثلاث وخصوصا عندما أصبح وزيرا للداخلية..

ولعل من ابسط حقوق الإنسان أن تكون له جنسية ووطن ينتمي إليه…وقد رأى مرهج وأبناء جيله معاناة عشرات الآلاف من العائلات المحرومة من الجنسية التي تستحق، وقد منحت الدولة  غالبيتهم بطاقة “قيد الدرس” وقد طال  هذا “الدرس” لسنوات وعقود.. والسبب بسيط وهو علة العلل في النظام اللبناني اي الطائفية…

رأى مرهج أن تكون في رأس مهامه في وزارة الداخلية العمل لاحقاق الحق ومنح المستحقين جنسياتهم مستندا إلى حماسة رئيس الوزراء يومها الرئيس الراحل رفيق الحريري ومن تفهم رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي ،فجرت واحدة من أكثر العمليات التي عرفها لبنان شفافية ونقاء، رغم ما علق بها من شوائب محدودة اعترف بها مرهج ولاحق  مرتكبيها…

لكن تلك العملية أيضا شهدت واحدة من ابشع عمليات الشيطنة التي عرفها لبنان، حيث جرى استنفار عصبيات طائفية ، واحقاد سياسية، واطلقت أكاذيب كبرى، واشاعات مغرضة، لم يتصدى لها سوى قلة من الشرفاء فيما صمت كثير من المستفيدين وتخلى بعض أنصار الرئيس الحريري رغم معرفتهم بحماسة الرئيس الشهيد لهذا المرسوم الذي أعاد لأكثر من ١٥٠ ألف مستحق حقوقا حرمهم منها النظام الطائفي …

قصة مرسوم التجنيس الشهير الذي أقر مجلس شورى الدولة قانونيته ودستوريته ،والذي مازالت تداعياته تتفاعل رغم مرور أكثر من ربع قرن على صدوره،تقرأها في كتاب مرهج “في كهوف السلطة..تجربتي في وزارة الداخلية’الصادر عن دار سائر المشرق ويوقعه في السادسة من مساء الخميس في ٦تشرين ثاني في معرض الكتاب الدولي في بيروت.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here