معظم البلدان العربية عاجزة عن محاكاة التجربة التنموية الصينية.. ولكم الأسباب

د. طارق ليساوي

في مقال الأمس المُعْنون ب “للباحثين عن نموذج تنموي: الصين صنعت البديل” خَلُصنا إلى أن الصين خلال فترة الإصلاحات التي انطلقت منذ 1978، أحدثت تغيرات جذرية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية ، و تم تعديل الأهداف السابقة التي تم رسمها في الحقبة الماوية، بتبني اختيارات سياسية  وتنموية جديدة، و أَجْمَلنا هذه التحولات الكبرى في:

أولا- تحول  برغماتي في  النظام الاقتصادي، فتم تقليص الرقابة المفروضة من المركز على الأطراف، كما أن الاستثمارات أصبحت تمول بشكل أساسي من طرف الادخار الخاص المحلي و الأجنبي، عكس المرحلة السابقة، حيث موارد المالية العمومية هي المصدر الأساسي لتمويل الاستثمارات.

ثانيا- التحول من اقتصاد موجه إلى اقتصاد سوقي، تلعب فيه قوى السوق دورا محوريا في تخصيص الموارد..

ثالثا-التحول رسميا إلى النظام الرأسمالي. من خلال الاعتراف بحقوق الملكية و خصخصة السلع العمومية، وفتح الباب أمام النخبة الرأسمالية للولوج إلى الحزب الشيوعي..

 رابعا- التحول من الوحدات الإنتاجية الكبيرة الحجم إلى الوحدات الإنتاجية المتوسطة الحجم.

خامسا-التحول من إستراتيجية النمو المتوازن إلى إستراتيجية النمو الغير متوازن بعد 1978 باعتماد أسلوب التجميع “”Grouping .

هذه التحولات الكبرى  ضمنت للدولة إطارا تنمويا مستقرا ونموا اقتصاديا سريعا، فما بين 1978 و 2018 أي في ظرف حوالي 40 سنة، (GDP) تضاعف بحوالي سبع مرات،أما الدخل الحقيقي للفرد فقد تضاعف بحوالي خمس مرات، وإنتاجية العمل تضاعفت  بحوالي 4 مرات، بينما اتجه النمو الديمغرافي نحو التقلص، إذ بلغ متوسط النمو السنوي خلال الفترة مابين 78-2003 حوالي1,2% ، بينما متوسط النمو السنوي في الناتج الداخلي الخام للفرد  بلغ حوالي 6.6% في السنة خلال نفس الفترة ، وهو توجه ملائم لاستمرار التوسع الاقتصادي.

فالصين شهدت نموا سريعا أكثر من أي بلد آخر، و هذا النجاح جاء نتيجة لإصلاحات هيكلية  مست بداية القطاع الزراعي، حيث تمت خصخصة عملية تدبير الضيعات الفلاحية، وإلغاء نظام “الكومونات”، وتفكيك نظام الإنتاج الجماعي..  كما تم تحرير الأنشطة الصناعية أو الخدماتية الصغيرة، و التقليص التدريجي من هيمنة المؤسسات المملوكة للدولة على الأنشطة الاقتصادية، و الحد من الفقر.

كما اتخذت الحكومة مجموعة من الحوافز المالية أساسا من قبل الحكومات المحلية ، بهدف تشجيع مبادرات تنظيم المشاريع،  بالإضافة إلى التقليل من الضوابط المفروضة على التجارة و الاستثمار الأجنبي المباشر، وإصلاح نظام الأسعار و  التحرير  التدريجي لأسواق السلع والعمل ورأس المال والنقد الأجنبي. ووضع تشريعات لمكافحة الجرائم الاقتصادية وضمان احترام القانون.. كل هذه الإصلاحات كانت مسئولة عن تحقيق  معدلات نمو سنوية، بلغت في المتوسط ما يقرب من 9 في المائة سنويا خلال  الفترة 1979-2017.

ويمكن تجميع مجموع السياسيات السالفة الذكر،  في ثلاث محاور أساسية مثلت  دمغة مميزة للنموذج التنموي الصيني :

المحور الأول: تبني  سياسة فعالة لإدارة الاقتصاد الكلى، وهو ما تطلب اتخاذ سلسلة من التدابير أهمها  :

أولا- خلق بيئة أعمال تجارية مستقرة Stable Business Environment تشجع على الاستثمار .

ثانيا- سياسات مالية مستدامة وفعالة تضمن  تقاسم منصف لثمار النمو المرتفع.

ثالثا- سياسات سعر صرف متحكم فيها، بهدف تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الصينية .

رابعا-التنمية والتحرير التدريجي للقطاع المالي. بغرض تعبئة الادخار وتحويله إلى استثمارات منتجة، وتقوية دور القطاع المصرفي في الوساطة بين الادخار والاستثمار.

خامسا- التقليل إلى أدنى حد من تشوهات الأسعار.

سادسا- اتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم انتشار التعليم الابتدائي والثانوي، فضلا عن تنمية المهارات والقدرات المعرفية.

المحور الثاني: تشديد الإستراتيجية التنموية على ضرورة وجود بيروقراطية قوية قادرة على وضع وتنفيذ مخططات “الدولة القوية” (Centralized Developmental State) ، فهذه الإستراتيجية بنيت على اختيارات انتقائية، فلكي يتمكن الحزب الشيوعي الصيني من توجيه التنمية لابد من القبول ببعض التضحيات السياسية – من قبيل ما يعرف بالحريات المدنية والسياسية – فالسلطات مخولة باتخاذ مبادرات التنمية الرامية إلى دعم نمو الناتج والعمالة  .

ونتيجة لذلك، لم يتم إبعاد الحكومة عن الأعمال التجارية، بل استمر الحضور القوي للدولة عبر المقاولات المملوكة للدولة ((SOEs ..كما أن التفاعل بين المسئولين الإداريين ورجال الأعمال كان كبيرا، من خلال العديد من الوسائل كالتداول في المجالس لصياغة الأولويات الوطنية، فضلا عن انفتاح الحزب الشيوعي الصيني ((PCCعلى نخبة رجال الأعمال.

 كما عملت البيروقراطية عبر أسلوب الحمائية والإعانات الحكومية، في حفز ودعم المجموعات التجارية لضمان المنافسة في السوق المحلي والدولي.  بل تم إنشاء تحالفات قوية بين الحكومات المحلية والشركاء الأجانب، فالصين الشعبية هي البلد الوحيد في العالم الذي يحتفظ فيه صانعوا السيارات المحلية بمشاريع متساوية الملكية مع الشركاء الأجانب المنافسين لهم .

المحور الثالث:  الإسراع بعملية التصنيع وزيادة نسبة الصادرات الصناعية إلى الخارج، و تبني سياسة لسعر الصرف Exchange Rate Policy متناسبة مع هذا التوجه، إذ  تم التحكم في قيمة “اليوان” و خفض قيمته لجعل الصادرات الصينية منخفضة الثمن في أسواق التصدير.. كما عملت الحكومة الصينية على تشجيع نقل التكنولوجيا والمهارات الجديدة، فدخول الاستثمار الأجنبي للسوق الصيني مرتبط بنقل التكنولوجيا الجديدة والمتطورة للبر الصيني. مع تبني سياسات متسامحة في مجال حقوق الملكية الفكرية فالقرصنة والتزوير وتقليد العلامات التجارية مسألة غير محرمة في الصين ، كما تبنت الصين خطوات جد فعالة لإصلاح النظام التعليمي بغرض تقليص الفجوة المعرفية بينها وبين البلدان الصناعية والتسلق إلى أعلى السلم الصناعي و التكنولوجي، بدلا من التركيز فقط على المنتجات الرخيصة الكلفة.

كما تم الحرص على عولمة الصين، فبعد 1978 بدأت فترة جديدة من العلاقات مع الدول الأخرى بمختلف توجهاتها الإيديولوجية بما يضمن تحقيق مصالح الصين، وخصوصا مع البلدان الرأسمالية المتقدمة، فتم الانفتاح على الرأسمال الأجنبي ليسهم في عملية التنمية الاقتصادية، فأصبحت الصين ثاني اكبر بلد مضيف ل FDI  في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. كما عملت الصين الشعبية على تقوية التكامل الاقتصادي مع باقي مكونات “الصين الكبرى” والبلدان الآسيوية.

 وقد اتجهت نحو تعزيز نفودها   بالقارة الإفريقية باعتبارها  منجم العالم من المواد الأولية، فاستطاعت الصين في غضون 40 سنة من أن تصبح الشريك التجاري الأول للعديد من الدول في إفريقيا . وعملت على تسخير  عضلتها الاقتصادية لتقديم  الدعم والاستثمار للاقتصاديات في هذه البلدان، بهدف إيجاد طريق للطاقة والمواد الأولية اللازمة لتنمية الاقتصاد الصيني. ونتيجة لذلك، كانت السياسة الخارجية للصين في قلب التحولات الكبرى التي شهدها الاقتصاد الصيني،  إذ انتقلت الدبلوماسية الصينية من  مرحلة  “تصدير الثورة إلى البحث عن الثروة “..

هذه مجمل ملامح النموذج التنموي الصيني، و مما يقوي من فعالية هذا النهج أنه خاضع للتجربة ليس فقط في الصين، بل هو نفس المنهج الذي اتبعته اليابان و بلدان شرق أسيا ، و تبنته ماليزيا و أندونيسيا و فيما بعد تركيا.. نعم لكل تجربة خصوصياتها، لكن هذا لا يمنع أن المحاور الكبرى مشتركة بين مختلف هذه التجارب الدولية.. و بنظرنا، إن فشل البلدان العربية في تحقيق التنمية الشاملة، والعجز عن تسجيل  مستويات متقدمة على درب التقدم الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي، راجع بالأساس الى غياب أنظمة سياسية و طنية في توجهاتها و سياساتها، فهي أنظمة لازالت في الغالب الأعم، خادمة ومنفذة لسياسات و أجندات دولية، تخدم مصالح القوى الدولية المهيمنة، سواءا مؤسسات دولية أو مصالح دول أو شركات عابرة للحدود..

ويضاف إلى ذلك، ظاهرة مرضية تطبع أنظمة الحكم العربي و هي زواج السلطان بالتجارة، و يترتب عن هذا الزواج نتائج مدمرة على كل المستويات، أقلها هدر الموارد و الفرص، فواضع السياسات العمومية يضع في حسبانه مصالحه التجارية والاقتصادية ضيقة الأفق، و من المعلوم أن المصالح الخاصة تتعارض في حالات كثيرة مع المصالح العامة..

لذلك،فإن التحدي الذي يواجه الشعوب العربية، ليس هو إيجاد و صفة تنموية ناجعة، و إنما القطيعة مع أنظمة سياسية تنشر الفساد و تدعمه،و السعي نحو بناء إدارة بيروقراطية فعالة و صادقة،عبر تغليب مبدأ الكفاءة و الأمانة في اختيار صناع السياسات العمومية و منفذيها من الرأس إلى القاع، و ربط المسؤولية بالمساءلة ، و الانفتاح على بلدان الجوار العربي و الإسلامي ، و تجاوز الخلافات البينية ضيقة الأفق و تغليب منطق المصالحة و التوافق، وكل فرد بإمكانه المشاركة الفعالة  في هذا الورش الضخم، و لعل أقل درجات المشاركة هو الفهم و الإدراك، ثم التوقف عن دعم الفاسد و المفسد.. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. الأزهر ومن يعملون فيه هل هم المحصنون و المحامون عن الدين الإسلامي و عن شرف شرفنا و كرمنا وعرضنا والأمر ينطبق عن دول ليست قليلة سواء بالمجالس العلمية و من هم يسيطرون بالأخص عن مقاليد السلطات؟ هل الفصل لدين عن السياسة حل منطقي وشرعي وفي المستوى؟

  2. طالما عنا الشیخ القرضاوی و الازهر لم ولن یکون هناک تقدم یعنی فصل الدین عن السیاسه …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here