معركة الأردن مع الفساد والفاسدين لم تبدأ بعد.. والنخب السياسية متهمة ومسؤولة

د. لؤي منور الريماوي

من يتحدث اليوم عن إصلاح شامل في الأردن ووجود محاربة جادة للفساد والفاسدين هو ليس بأكثر من مُضَلِل أو مُضَلَل. فبالرغم من كل البهرجات الإعلاميّة الرسيمّة فإن الأردن ما زال بعيداً عن التشخيصات الجادة والحلول الجذرية، فلا بد من تعزيز المنهجية القانونية التخصصيّة الأردنيّة والإرتقاء بها إلى أعلى المستويات الدولية والدفاع عن مصداقية الاردن بالعمل والإنجاز وليس بالقول والتنظير. فمكافحة الفساد بإستحقاقها الموضوعي تتطلب تفعيل أصول قانونية وإجرائية معقدة من أجل سلامة الأحكام اللاحقة ونفاذها وكذلك تحضير بنية تشريعيّة تحتيّة داخليّة من أجل الإنسجام الدستوري بما يتماشى مع قوننة إنعكاسات حملات مكافحة الفساد وتجاذباتها حتى تكون الدولة دائما مستعدة لتحديات المتهمين القانونية. بالإضافة إلى خلق هيكلية مؤسسيّة واضحة المعالم تتحدد فيها وبكل دقة صلاحيات الكوادر التحقيقيّة المتخصصة وغيرها تبعا للجرائم المرتكبة من حيث قيمتها المادية وخطورتها القومية.

ففي بريطانيا مثلا، إضافة إلى إعطاء الشرطة صلاحية التحقيق في أية جريمة تُخِل بقانون العقوبات البريطاني لعام 1967 (سواء أكانت جرائم مالية أم لا) هنالك قوانين متخصصة مثل قانون الرشوة البريطاني لعام 2010 في ظل هيئات تحقيقية متخصصة مثل مكتب الجرائم الإحتيالية الخطيرة والذي تأسس عام 1987 وكذلك هيئة الجرائم القومية والتي تأسست عام 2013. وعندما يتعلق الأمر بإسترجاع الأصول المالية لمغتنمات الفساد والجرائم الإقتصادية فهنالك تحبيذ قانوني كبير للإجراءات المدنية اكثر من تطبيقات القانون الجنائي، إضافة إلى ضرورة البروتوكولات الثنائية والدوليّة المتبادلة.

وبحكم زمالتنا الأكاديميّة والمهنيّة مع العديد من الزملاء المحققين في مثل هذه الأجهزة التحقيقيّة البريطانية المتقدمة ومع زملائنا في الإدعاء العام البريطاني سواء على المستوى التدريسي او الإستشاري نقول بأن النزاهة والإحترافيّة الدقيقة وسيادة القانون المُطلقة وعدم التسيّس هم من أهم المعايير المُطبقّة عندما يتعلق الأمر بمكافحه الفاسدين والجرائم الماليه والإقتصاديّة.

فبدلاً من إلقاء جُلّ معركة الفساد في الأردن على كاهل دائرة مكافحة الفساد بتراكم الملفات المتشعّبة والشائكة وضعف الدعم المادي الرسمي لها ولكوادرها، أين هي الأجهزة الأردنيّة الموازية لما سبق ذكره من أجهزة تحقيقية متقدمة في بريطانيا مثلاً؟ فوجود مثل هذه الأجهزة الأردنيّة المتخصصة ومقدرتها على الإحاطة بكل جوانب الفساد ومكافحته بمثل هذه الهيكلية الإختصاصيّة الدقيقة سيكون رسالة واضحة للمجتمع الدولي والمحلي بأن الأردن قادر على ملاحقة الفساد والفاسدين الذين تطاولوا على مقدراته وأن يكون من أكثر دول منطقة الشرق الأوسط تقدما بهذا المجال.

وأين هي الأجهزة الأردنية والتي تكون أشبه بدائرة علاقات عامة إعلامية متخصصه من خلال المتابعة الهيكلية التحليلية الدقيقة بكل ما يطرحه الرأي العام من إدعاءات مفترضة بالفساد المؤسسي أو الإنطباعي وغيرهما والتي توضّح للرأي العام النجاحات التي حققتها الحكومة في القضايا المكتملة وغيرها من القضايا التي تسمح الظروف القانونية بالحديث والتعليق عليها؟

وأين هي دوائرنا القانونية الحكومية الأردنيّة والتي تُنسق ما بين جهاتِنا التحقيقية والقضائية والتشريعية والإستخباراتيه وغيرها وبشكل متخصص حتى نكون متقدمين بعددة خطوات إستباقية في مواجهة الفاسدين وإسترجاع المليارات من أمول أردننا المهدورة في ظل تنسيق محلي ودولي؟ وبدلا من الإستسلام للكيل والإتهام الشعبي بالتقصير والتخاذل لماذا لا نتحدى الواقع الذي خلقه الإنهزاميّون ونصبح في الأردن مركزا دوليا ومنارةً إقليمية عندما يتعلق الأمر بالإبتكارية والإمتياز الدولي في مجال محاربة الفساد والفاسدين وتحقيق النجاح في إسترجاع المليارات من أموال الأردن المهدورة؟

فالمسألة ليست وكأنها ’رفع عتب‘ حكوميّة بتخصيص هذه الموارد المادية الهزيلة لمعركة مكافحة الفساد الغنيّة فقط بالشعارات التسويفيّة والتعبوية العبثيّة. فلو نظرنا بعمق إلى هذا التشتيت الشديد في كيفيّة محاربة الفاسدين في الأردن وملاحقتهم على مدى العقود المنصرمة لوجدنا أن هذا التخاذل الحكومي في ظل هذه الإنهزامية الرسميّة هو أمر مرفوضُ جملةً وتفصيلاً. فعدم وجود الجديّة الرسميّة بمحاربة شلليّلة بما يُسمي ’بالنخب‘ من أصهار ومحاسيب ومنافقي النظام، بل تواطئها المشترك في تآمر علني غير مكتوب (على قهر إرادة الشرفاء من أهل الأردن من أجل تحقيق مصالحها الخاصة وتشييع الفساد مذهباّ والتسّلق الإجتماعي الرخيص منهجيةً) كان عنوان النظام السياسي في تعامله مع هذا الملف الداخلي. هذه الرؤيا القاصرة عن مماشاة ومحاكاة التغيرات الهائلة في الواقع السياسي والإجتماعي الأردنيّ لن تؤخر الا التفجرات التراكميّة المستقبليّة في إحباط للعزائم والطاقات بدلا من النهوض الوطنيّ الشامل وإعلاء شأن الأردن الإقتصادي والسياسي.

فمعركة  الأردن مع الفساد والفاسدين لم تبدأ بعد في ظل هذا الإستعداد الرسمي الهزيل وهذا الوضع المرثى له في ظل هذه الإنهزاميّة الرسميّة التي لا تمثل الا عرابيها المتخاذلين بتبنيها أنصاف الحلول في معركة الأردن الوجودية ضد الفساد والفاسدين.

مستشار قانوني للإدعاء العام البريطاني وزميل أكاديمي أردني سابق في كلية القانون بجامعة هارفارد

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. أعجبني جدا بداية المقال الصريحة والشجاعة والبليغة والتي ليست بحاجة إلى تفسير:

    “من يتحدث اليوم عن إصلاح شامل في الأردن ووجود محاربة جادة للفساد والفاسدين هو ليس بأكثر من مُضَلِل أو مُضَلَل.”

    انشاء الله بهمة كل شباب الوطن المؤهل الواعي والمبدع امثالكم دكتور ننتقل إلى مرحلة العمل الجاد.

    مع كل تقديري سيدي الدكتور لؤي على هذا الاخلاص للوطن ووقوفكم مع الأردن وكلمة الحق ولو كره المنافقون.

  2. تحليل قانوني عميق مع خبرة دولية أكاديمية وعملية بالموضوع.

    بارك الله بقلمك الأردني الحر د. لؤي الريماوي وبخاصة حرصك على نزاهة البلد وتزويدنا بوجهة النظر البريطانية.

  3. اصبت تماما. لكن الامر يحتاج الى قرار سياسي وسيادي من قمة الهرم بالدرجة الاولى.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here