معركة استعادة “قرطاج”

Mahjoub_Lotfi_Belhedi.jpg66

 

محجوب لطفى بلهادى

                                   « حين يغتصب المكان، أو يسلب، يتحول إلى قضية»

عندما نقلّب مباحث الفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا نسجّل  الحضور المدوي “للمكان” كقيمة رمزية لدى الشعوب مخترقا الأفق الجغرافي المألوف…

المكان وما أدراك ما المكان ! منه تحلّق الذات الفردية والجماعية لتعود إليه من جديد، ومنه تتّحد الذات البشرية بأديم الأرض لتدوّن الملاحم ويٌكتب التاريخ .. ومن مكان إلى آخر تتشكل فسيفساء متنوعة من الرمزيات.. فبريطانيا المتجذّرة ديمقراطيا تتنفس من رمزية قصر” بكنغهام” الملكي..وفرنسا العلمانية من عبق  قصر “الاليزى”..وتونس الديمقراطية الناشئة تتطلع بدورها إلى التصالح مع الروح الحقيقية “لقصر قرطاج” في أول انتخابات رئاسية مباشرة وحرة في تاريخ البلاد …

تونس تتنفس “قرطاج” هذه الأيام .. الحاضر يستعيد عنفوانه من الماضي البعيد والقريب في رمزية ندر أن نصادفها بهذه الكثافة والتركيز…

فبعد  نجاحه الباهر في التعديل العمودي للمشهد السياسي يستعد الناخب التونسي -الحاكم بأمره-  لخوض معركة استعادة “قصر قرطاج” التي شارفت أسواره على الانهيار، مدركا بالفطرة  أن الديمقراطية ليست فقط تعددية حزبية أو صناديق اقتراع بل جسما حيّا ببصمة جينية خاصة يشكّل “قصر قرطاج” حامضه النووي…

ففي تخوم “قصر قرطاج” أينعت حضارة رائدة.. وداخل القصر وخارجه تحققت أحلام المصلحين الكبار من خير الدين إلى الطاهر بن عاشور على يد أتاتورك تونس “الحبيب بورقيبة”.. وصبيحة يوم 15 جانفى 2011 انطلقت عملية دمقرطة عميقة للمجتمع التونسي  بنمذجة تونسية خالصة ..فكانت ثورة هادئة على الثورة بمفهومها النمطي عنوانها الكبير” استيعاب الماضي مع القطع الناعم ” .. فساكن “قصر قرطاج” بمواصفات 23 نوفمبر القادم ينبغي أن يكون في ذات الوقت استمرارا للروح الإصلاحية  التي سادت أرجاء القصر أثناء حكم بورقيبة والنسخة الديمقراطية المعدلة لبورقيبة نفسه…

منذ أكثر من عقدين أدرك التونسي أن القصر/الرمز تم اختطافه إلى مكان آخر وان استعادته تعدّ مهمة مقدسة ..وان الفصل “الديكارتي” بين الجسد والروح في الحالة التونسية غير ممكن ..وان اللحظة سانحة لإعادة الأيقونة للحياة مجددا…

فتداخل المكان-الرمز بشخوص بقيمة “عليسة” و”حنبعل” و”بورقيبة” في الوجدان الجمعى سيحسم مصير الانتخابات الرئاسية القادمة لصالح الشخصية الأكثر تماهيا وتمثلا لهؤلاء ..فمن مجرد طبوغرافية مكانية محضة سينقلنا  “قصر قرطاج” صبيحة يوم 23 المقبل إلى طبوغرافيا تخيلية رمزية حاسمة…

حتى الدستور التونسي الجديد كان أيضا في الموعد لخوض هذه “الحرب المقدسة” .. فجاء خلافا للقراءات الأرثوذكسية المتكلسة للنصوص التي تتعاطى مع مفهوم الصلاحيات الرئاسية بمنطق “إما أن تكون كاملة ومكتملة وإما أن لا تكون”   مثقلا بالمهام والاختصاصات من امن ودفاع وخارجية وإمكانية حلّ البرلمان وحق في المبادرة التشريعية ودعوة إلى استفتاء.. وكأنّ برمزية “قرطاج” أملت شروطها بقوة في العقل الباطن لعمل اللجان الدستورية للمجلس التأسيسي …

في خضم هذه الهيروغليفيا السياسية العالية الكثافة، هل تخلت حركة النهضة عن “القصر المسكون” أم  أن المكان خذلها وعليها تغيير مقاربتها للمشهد بالكامل  ؟

في حقيقة الأمر أنّ الخيارات المتاحة لمجلس شورى الحركة – المنعقدة إلى حدود كتابة هذا المقال-  محدودة ومحفوفة بالمخاطر.. فالإعلان عن مساندة شخص بعينه دون غيره قد يفقد حصتها من “قصر القصبة” أو يغضب قواعدها وعددا كبيرا من ناخبيها…

من الأكيد أن عقلاء “النهضة” مدركين تماما أن قطع شعرة ” لقاء باريس” مراهقة سياسية مكلّفة والمجاهرة بالحفاظ عليها مجازفة خطيرة..فلا مفرّ من المناورة ولا شيء غير المناورة من خلال الخروج بنص فضفاض وغامض يمنح بشكل ضمني لأنصار الحركة هامشا من الحركة في اختيار الرئيس القادم…

من المؤكد أن “قصر قرطاج” سيظل مسكونا تلفه العفاريت من كل جانب إلى حين دخول ساكنه الطبيعي عشية يوم 23 المقبل…

باحث في التفكير الاستراتيجي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here