مصطفى بودغية: يوسف شاهين “المهاجر” واستحضار التراث الإنساني

mouhajer

مصطفى بودغية

     السينما لغة لها نظامها التعبيري و لها بلاغتها مثل أية لغة أخرى، لكنها أكثر تعقيدا لاستعانتها بأساليب تعبيرية فنية عديدة مثل التشكيل و النحت والمسرح و الموسيقى والتصوير… الخ. والسينما فن وصناعة تعتمد أساسا على التطور التكنولوجي.ولا غرابة أن تكون مصر سباقة عربيا في صناعة السينما وهي التي عرفت صدمة الحداثة مبكرا عندما دخلها (نابليون بونابرت) ودخلت معه أول مطبعة حديثة، وأنشئت فيها أول المختبرات العصرية. هذه هي الخلفية الحضارية ليوسف شاهين الذي أحب السينما منذ صباه و اختارها،مبكرا، فضاء للتكوين ضدا على رغبة الأبوين. واستطاع بعد عودته من أمريكا، أن يخط لنفسه طريقا شاقا في مسار البحث السينمائي المصري، فأخرج فيلمه “باب الحديد” الذي عاكس الذوق السينمائي العام بمصر، وفشل جماهيريا،لأن الجمهور المصري لم يعتد على بطل سينمائي معتوه و مضطرب نفسيا يكن حبا شبقيا مكبوتا لبائعة المشروبات الغازية “هنومة” و لم يعتد أيضا على فيلم يحصر حواسه كلها في محطة قطار، تنتقل فيها الكاميرا بين وجوه أهلكها الكدح و الشقاء. فشل “باب الحديد”،لكنه اختير، بعد ربع قرن، من ضمن أحسن مئة فيلم مصري الذي أنتج في تاريخ السينما المصرية.

     ليوسف مسيرة حافلة و صيرورة غنية جعلته مخرجا عربيا كبيرا، استطاع أن يكون له صدى دولي. كل أفلامه فيها نفس إبداعي مثل فيلمه الرائع “الأرض” الذي استوحاه من رواية لعبد الرحمن الشرقاوي تحمل نفس العنوان، و الذي يصور بإبداع و تعاطف أيضا صراع الفلاحين ضد الإقطاع على الأرض المبتدأ والمنتهي في حياة الناس. لقد استطاع يوسف شاهين أن ينوع إبداعه السينمائي ليضمن أفلامه رسائل مشفرة حول قيم إنسانية كونية دافع عنها في كل مكان و زمان مثل الحرية والعدالة والحق في التعدد والاختلاف وقيم التسامح والتعاطف وقيم الشجاعة والجرأة، ولهذا أثارت جل أفلامه لغطا وجدلا وحروبا، بعضها باسم الدين، كما حدث مع فيلمي “المهاجر” و “المصير”، و قد نمت معارضة هذين الفيلمين بالذات عن جهل عميق و منتشر بقضايا الفن عامة و الإبداع خاصة. فعندما تتأمل أقوال معارضي يوسف شاهين تجدها لا تخرج عن أمرين إما مطالبته بعدم التطرق للموضوع التاريخي نهائيا باسم المقدس كما حدث “للمهاجر” أو سرده كما هو كما حصل في “المصير”، ومثل هذه المطالبة لا تدرك أن الفنان له عالمه الخاص و إن استعان بالتاريخ فهو ليس مؤرخا، لأن الفن رؤية نحو المستقبل نحو أفق إنساني ممكن، إنه تأسيس لسقف إنساني مشترك و ليس إعادة حرفية لما مضى، فيوسف شاهين في “المصير” لم يتوخ أبدا سرد قصة ابن رشد كما هي بل أراد أن يسلتهم محنة هذا الفيلسوف العظيم الذي نكره قومه و أحرقوا كتبه و أذلوه و سجنوه ثم بدأوا يتباكون عليه و يثنون على عظمته و لكن بعد فوات الأوان !! فالمصير من هذه الناحية استحضار لابن رشد الإنسان المحتفي بالحياة بموسيقاها و غنائها و ألوانها و بهجتها وصرخة ضد التطرف و التشدد وقتل الحياة وتحويلها من فرح وعرس إلى حزن ومأتم، أليس هذا ما يحصل الآن؟ ألا يمكن القول إن ابن رشد هو يوسف شاهين و هو أيضا كل إنسان يحب الحياة و يكره ثقافة الموت ؟! نفس الأمر نجده في “المهاجر” الذي كان تحت عنوان “قصة يوسف وإخوته” في السيناريو الأول الذي كتبه يوسف شاهين وقدمه للأزهر، لكن الأزهر رفضه بحجة أن الأنبياء لا يظهرون في الأفلام ! لماذا ؟! لا أحد يعلم ! وبعد أربع سنوات قدم يوسف شاهين سيناريو آخر تحت عنوان “المهاجر” وغير أسماء شخصيات الفيلم فقبل به الأزهر، لكن عندما أنتج قامت دنيا المتشددين ولم تقعد، ومنع الفيلم من العرض في دور السينما، و رغم أن يوسف شاهين ربح الدعوة في القضاء ورفع الحظر عنه إلا أنه لم يعرض في أية دار للعرض خوفا من هجمات المتطرفين. لماذا مرة أخرى !؟ لا أحد يعلم ! أليس الأنبياء قدوة لنا ؟!

     إن فيلم “المهاجر” مثل “المصير” لا يريد أن يسرد قصة النبي يوسف في ذاتها بل يريد أن يستلهمها ليطرح قضايانا نحن،الآن وهنا، ف “رام” في الفيلم هو يوسف و ليس يوسف في آن معا. فهو يوسف في حلمه و تسامحه و حبه للناس جميعا سواء أحبوه أو كرهوه، وهو توحيدي يؤمن بالله الواحد، يكره الحزن ويحب الحياة، لكنه ليس يوسف النبي الذي كانت له قدرة ميتافيزيقية غامضة على تفسير الأحلام باعتبارها ما سيحدث في المستقبل، أما “رام” فيؤمن بالمعرفة والعلم لتغييرعالم قبيلته. فمنذ المشاهد الأولى للفيلم تجول بنا الكاميرا في عالم صحراوي قاحل وتنتقل بين وجوه قاسية حانقة عاكسة لقساوة الطبيعة التي من حولها، لكننا نجد في المقابل الشاب “رام” ذا وجه مفعم بالحيوية والرغبة في المعرفة وفي تحويل الواقع القاسي لصالح قبيلته خلاف إخوته المستسلمين لواقعهم و لحقدهم.يقضي “رام” بعض وقته في التأمل ومراقبة الطبيعة والنجوم، ويهتدي إلى موقع مصر من خلال”نجمة الشمال” و”ريح الجنوب” ومصر في ذلك الوقت كانت هي “مهد المعرفة والعلوم”، لا يبالي “رام” بكراهية إخوته له بسبب تميزه وتفرده وقدرته على فهم ما يجري حوله، بل يفكر في كيفية إنقاذهم من الجفاف والجهل. فيقرر الهجرة إلى مصر،على أن يعود، بعد أن يتعلم هناك “تقنية الفلاحة والزراعة والري”، يوافق الأب الذي يحب ابنه “رام” حبا خاصا، ويمنحه ما وفر من مال، لكن إخوته يعتبرون هجرة “رام” مجرد رغبة في النزهة في مصر وفي تبديد مالهم.

     لكنهم سيقبلون مرافقته إلى حيث المراكب الموصلة إلى مصر، وهي رحلة شاقة وبطيئة يرمز لها مشهد “السلحفاة” والآفاق الممتدة من رمال الفيافي. و عندما يصلون إلى الميناء حيث المراكب، يتخلصون منه في قاع مركب، بعد تقييده وسلبه ماله الذي منحه إياه أبوه. لكن “رام” سينجح في الوصول إلى مصر، حيث ستتجول بنا الكاميرا لننخرط في معايشة حيوية سكانها وحركتهم، ونتحرك معها في أزقتها المفعمة بالحياة، يباع “رام” إلى الحاكم العسكري العام، فيخضع لامتحان “اللغة” وينجح فيه ببراعة وتفوق مستفيدا مما تعلمه من صديق أبيه وهو لا يزال في بلدته “طناي”. لم ينشغل “رام” بأي شيء ،لا بلهو ولا بتجارة، بل فقط بكيفية دخول “بيت العلم” المحروس و الذي لا يدخله أحد إلا الكهنة و الحراس، ينجح “رام” في دخول بيت العلم متسللا عبر نفق تحت أرضي و يفاجأ بالحاكم العام الذي اشتراه وهو داخل البيت العلم، يدافع “رام” عن نفسه وعن سبب تسلله وخرقه للمحظور برغبته في التعلم حيث يقول : “ما يبقاش أمير من لم يبحث عن نور العلم” ويرد الحاكم العام : “ما يبقاش أمير من لم يوصل علمه للناس” ويأمر بتعليمه، لكن ،لسوء الحظ ،سيتم اختياره لشعبة “علم التحنيط” التي يكرهها “رام”،لأنه لا يؤمن بخلود الجسد، وبعد أحداث ستصب في النهاية لصالحه، سيقبل الحاكم العسكري العام بمنحه قطعة أرض على حدود مصر ويطلب من خادمه المتعلم “وزير” أن يرافقه إلى هناك. يرحل “رام” و “وزير” إلى تلك الأرض وأول ما يتعلمه “رام” هو توقيف زحف الرمال بواسطة حواجز نباتية، يقول “وزير” ل “رام” : “جاءت الريح وقفناها، جاءت المية ، حجزناها” يقول رام : “هي فين المية، البئر خربان”. يجيب “وزير” : “نحفر غيره، الطبيعة لو روضتها تخدمك، اتركها دايرة على حل شعرها تهدك !”، يحفر “رام” و يحفر…. لكنه لم يجد ماء، يدب اليأس في مرافقيه، و خصوصا بعد مغادرة “وزير” الذي سيطلبه الحاكم العسكري العام. لكن “رام” سيكتشف مجرى مائيا عذبا ويفكر في تحويله إلى أرضه عبر قنوات ري يقوم بابتكارها، تعطي الأرض ما عندها ويحصد “رام” الغلة الوفيرة، يضرب الجفاف المنطقة المحيطة بمصر، يهاجر الناس إليها أفواجا. يقول “رام” للحاكم العام العسكري مقترحا الحل : ” بدل منحول الفلاحين عساكر، نحول العساكر مزارعين لمدة ثلاث سنين و ننزل على الأرض”. يرد الحاكم العسكري : “حديك الجيش كله لمدة خمس سنين، و أنا واثق أنك ستنجح”. يجني “رام”، بجهده ومعرفته التي اكتسبها عن الزراعة، خيرا وفيرا، ويحتل مكانة مرموقة في المجتمع الفرعوني حيث سيتعرف عليه الفرعون نفسه، يأتي إخوته ضمن المهاجرين سيعرفهم دون أن يعرفوه، و بطريقة مثيرة يخاطبهم قائلا : ما أنتم أولاد “طناي” بترموا أولادكم، سايبينهم ضايعين في الجهل و التخلف عايشين يوم بيوم زي المواشي و اللي يفكر يبقى بالنسبة لكم عدو، يستاهل يترمي في قاع مركب !!” يتعرف عليه إخوته، و يطلب من الفرعون و الحاكم العسكري العام العودة إلى بلاده “طناي” و قد تعلم ما كان يحلم به لرفع الجفاف و الجوع و الجهل عن بلده.

     هذه باختصار قصة “رام” التي حكاها فيلم “المهاجر” بلغة سينمائية جميلة و مرحة غير مملة رغم أن مدة الفيلم ساعتان و ثلاث دقائق.ويبدو بجلاء أن الفيلم يطرح مشكل “التقنية” التي هي المشكلة الأساس في العالم الثالث، و عندما قال يوسف شاهين : “أنا يوسف” إبان الضجة التي أثارها الفيلم،ويقصد أنه “يوسف” بطل الفيلم الذي تحول إلى “رام”، فإنه كان يعني هذا الجانب الأساسي و الجوهري في الفيلم و هو مشكل نقل المعرفة التقنية إلى البلد الأم الذي لا يمتلكها. ألم يهاجر شاهين إلى أمريكا ليتعلم تقنية السينما ؟ ألم يهاجر شاهين في مساره الإبداعي من فيلم إلى فيلم باحثا عن لغة سينمائية أجمل ؟! لقد عبر شاهين عبر باستلهامه للتاريخ الثقافي والديني عن رؤية الفنان و ليس رؤية الداعية !!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here