مصر وأزمة سد النهضة: مسار تفاوضي خاطئ وآخر عسكري حرج

بلال المصري

هناك عدة توقيتات لمنشأ هذه الأزمة منها ما هو مُتعلق بإستراتيجية المياه الإثيوبية نفسها وهي طموحة ومنها ما هو مُتعلق بالبيئة السياسة العامة المُحيطة بإثيوبيا والسودان ومصر , ومن ثم فقد تُعتبر هذه الأزمة قد بدأت عند توقيع مصر معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني بواشنطن في 26 مارس 1979 , فمن بين أخطر تداعيات ذلك تآكل وتراجع مكانة مصر عربياً وإقليمياً ودولياً , فلم تعد مصر قوة فاعلة مُنشأة للأحداث في إقليمها علي الأقل , ولا شك في أن تأكل وتراجع المكانة كانت له ترجمة في الواقع إذ لم تعد مصر تلك الدولة ذات البأس التي يُخشي جانبها أو من غضبها ويُمل في رضاها , ومن بين القيود التي حدت من إمكانية نزوع مصر للبحث عن مخرج من هذا الوضع السلبي المعونة الأمريكية التي بدأت كمنح إقتصادية لا تُرد قُدرت سنوياً بمبلغ 815 مليون دولار وبالتحديد كان ذلك إعتباراً من 1982 / 1983, وللأسف أدي إستمراء الذهنية السياسية المصرية للمنح وامعونات الخارجية إلي ما يشبه إستعذاب الذل [لأوكدليل علي ذلك أن رئيس مجلس وزراءه د.عاطف عبيد أمام مجلس الشعب المصري ضمن عرضه لبيان الحكومة المصرية أمام البرلمان في 29 ديسمبر 2002 قال ما نصه : “المنح والمعونات مُتاحة في العالم وتُخصص للدول التي لها مكانة خاصة وتتمتع بعلاقات مُتميزة وفر لنا الرئيس هذه المكانة فحصلنا خلال العشر سنوات الماضية علي 1091109 مليون دولار منحاً أُستخدمت جميعها في مشروعات التنمية والتحديث والتطوير”, فقد وصل فساد المنطق بهؤلاء حداً جعلهم يفاخرون بالمكانة الناتجة عن تلقي المعونة ؟؟؟ , بل إن نظام مبارك كان يستدل عن طريق ثبات مبلغ هذه المعونة الأمريكية وعدم تعرضها للخفض أو الإقتطاع علي أن نظامه مازال موضع رضي أمريكي مع إنه كان في الوقت ذاته دالة علي إستمرار تآكل دور ومكانة مصر .

قرأت إثيوبيا جيداً خروج أو إخراج مصر من نطاق قيادة العالم العربي في مواجهة الكيان الصهيوني من أجل إستنقاذ حقوق الشعب الفلسطيني التي هي من خاصة حقوقنا أيضاً , وأدركت إثيوبيا معان عدة لذلك منها أنه يمكنها المساس بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل وبالتالي إضعافها أكثر بل وتهديد بقاءها علي المدي البعيد لذلك كان سد النهضة الذي كان يمكن أن يكون مستوي تخزينه هو وسد السرج أقل من 74 مليار م . م ففي مقابلة مع رئيس الجانب السوداني في الهيئة الفنية المُشتركة الدائمة لمياه النيل في فبراير 1998 أشار إلي أن “إثيوبيا ولدوافع سياسية خارجية تتبني مشاريع خزانات وسدود علي الهضبة وعلي عدة أنهار وأن لا حاجة إقتصادية لذلك ” وأضاف قوله ” أن رئيس قطاع الموارد المائية الإثيوبي (كان مسلماً) أكد له ذلك ” , وأوضح قوله ” إن الدول الغربية هي التي تمول تلك المشاريع رغم أن القطاع الشرقي من إثيوبيا والبعيد عن النيل أحوج ما يكون للتنمية من خلال مشاريع ري, وأن تنزانيا وكينيا وأوغندا والكونجو الديموقراطية تقوم وبدفع غربي بمجهوداتا لإستغلال مياه النيل بناء عن رؤية سياسية وليست فنية”  , لكن إثيوبيا لم تشرع في بعض مشروعات السدود التي تضمنتها الدراسة المسحية لمواقع علي النيل الأزرق والتي قام بها مكتب إستصلاح الأراضي الأمريكي في الفترة 1956 حتي 1964بتكليف من الإمبراطور هيلاسيلاسي بسبب فترة الحكم العسكري والحرب الأهلية وعدم توفر التمويل , وكان علي المؤسسات الرئيسية الثلاث المعنية بالحفاظ علي مكانة الدولة وهي الخارجية والمخابرات والري (في حالة التعامل مع إستراتيجية المياه الإثيوبية) أن تكون علي بصيرة بما سينشأ قطعاً عنها من تداعيات سلبية خاصة وأن أول هذه التداعيات كانت المقاطعة العربية بسبب معاهدة السلام التي حتي وإن إعتبرناها ضرورة حتمية إلا أنها عرضت مكانة مصر لأخطار مختلفة , لكن المؤسسات الثلاث المعنية نتيجة الثقة الزائدة , أهدرت مبدأ أساسي في الذود عن مكانة الدولة أعني مبدأ : “الحيطة والحذر” وأطمئنت إلي بقاء أو ثبات العوامل السلبية التي تحول ما بين إثيوبيا وبين تنفيذها لإستراتيجية هجومية تمس مصالح مصر النيلية , وهو وضع لم يستمر خاصة بعد أن بدأت إثيوبيا المضي في طريق الإصلاح السياسي وإعتماد النهج الديموقراطي في الحكم والذي بدأ بعهد ميليس زيناوي وبداية الإصلاح الإقتصادي علي التوازي وتدفق الإستثمارات ومنها العربية ضُخت في جسد إثيوبيا الإقتصادي والذي يُعتبر سد النهضة من وجهة نظر إثيوبية أهم روافع التنمية بالبلاد التي إن إتسع نطاقها من خلال هذا السد فستجذب المزيد من الإستثمارات .

إذا ما أخذنا بالمعيار المادي البحت لتحديد بداية أزمة سد النهضة فسوف تكون في أبريل 2011 يوم الإعلان الرسمي عن إقامة سد النهضة بتكلفة قدرها 4,8 مليار دولار , وكان لزاما علي هذه المصرية الثلاث النزوع إلي تصرف مؤسسي مُستقل ومسؤول أي غير مُسيس حتي أثناء الظرف الداخلي المُضطرب أي ثورة 25 يناير التي كان أحد دوافعها الإطاحة بنظام كرس عملية تآكل مكانة مصر فأثقلها بالديون وتبني عملية إصلاح إقتصادي فاسدة وتبني مشروعات لا طائل من وراءها كمشروع توشكي الفاشل لا لشيئ إلا لإستعراض قدرة النظام علي الفعل بالرغم من أن المخلصين من علماء مصر عارضوه علمياً , وها هو المشروع جثة هامدة مُلقاة غرب النيل , ولقد إستمرت هذه المؤسسات الثلاث تعمل كجزء من النظام لا كجزء من الشعب والدولة , وربما أدت طبيعة عمل هذه المؤسسات وفقاً لهذا النهج إلي الإتجاه صوب مسار تفاوضي ثلاثي يضم إلي جانب مصر إثيوبيا والسودان وهو مسار خاطئ … خاطئ لأنه لا يتناسب تماماً مع ثقل وطأة هذا السد بمواصفاته الفنية التي تعرض بالأمن القومي المصري ككل وفي شقه المائي علي نحو خاص أشد التعريض فسد النهض يضع بقاء الشعب المصري الذي تتجمع 95% من كتلته الديموجرافية علي ضفتي النيل في بؤرة الخطر , ولذلك كان حرياً أن توصي هذه المؤسسات الثلاث مُتخذ القرار السياسي بالتعامل مع سد النهضة ليس علي أنه أمر قابل للتفاوض عليه بل بإعتباره قضية ضد الإنسانية تهدد بقاء شعب وإستقرار أمن دولة ومثالها قضايا قد لا تتطابق مع قضية هذا السد إلأ أنها تتطابق في النتيجة وهي القضايا التي شكلت نطاقاً لجهود منظومة الأمم المتحدة الرامية إلى منع الإبادة الجماعية التي سيؤدي هذا السد بمواصفاته الإثيوبية إلي إلحاق أشد الضرر علي سكان مصر بدون إستخدام الوسيلة العسكرية , ووفقاً لهذه الرؤية كان الأنسب التوجه بالقضية برمتها إلي الإتحاد الأفريقي بالتوازي أو بالتتابع مع رفعها للأمم المتحدة ولمجلس الأمن الدولي نظراً لتعريضها بالأمن الإقليمي للخطر وذلك لسببين :

الأول / أن الإتحاد الأفريقي مُختص بذلك فمصر وإثيوبيا والسودان من بين الدول الأفريقية المُوقعة علي الإتفاقية الأفريقية لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية والتي أُبرمت في قمة منظمة الوحدة الأفريقية بالجزائر عام 1968 ونُقحت في قمة الإتحاد الأفريقي في مابوتو عام 2003 وتُشير هذه الإتفاقية في البند الثاني بالمادة الخامسة منها إلي : ” أنه في حالة وجود مصادر مياه مُشتركة الإنتفاع بين دولتين أو أكثر من الدول المُتعاقدة في هذه الإتفاقية فإن هذه الدول تعمل بالتشاور فيما بينها – كما تتكون إذا لزم الحال – لجان مُشتركة لدراسة المشاكل التي تنشأ من إستخدام هذه المصادر إستخداماً مُشتركاً وحلها وكذلك للإشتراك في تنميتها والمحافظة عليها ” , وتشير المادة الرابعة عشر- البند الثالث – من هذه الإتفاقية تحت عنوان ” مشروعات التنمية ” إلي ” أنه في الحالات التي يُحتمل فيها أن يكون لأي مشروع من مشروعات التنمية مساس بالمصادر الطبيعية لدول أخري يُؤخذ رأيها , كذلك أشارت المادة السادسة عشر تحت عنوان ” التعاون بين الدول” إلي أن الدول المُتعاقدة تتعاون فيما بينها إذا كان هذا التعاون ضرورياً لتنفيذ أحكام هذه الإتفاقية , وكذلك عندما يكون هناك إحتمال بحدوث تأثير لأية دولة أخري .

الثاني/ أن الأثر المباشر والمُتراكم جراء إقامة سد النهضة بالمواصفات الفنية الإثيوبية التي تعارضها مصر بسبب أن فترة ملأ الخزان وكميته (74 مليار م / 9 ستخفض الوارد لمصر من حصتها الثابتة منذ عقود من مياه النيل البالغة 55,5 مليار متر مكعب بواقع 25% مما سؤدي إلي زعزعة الإستقرار والأمن الإقليمي إنطلاقاً من مصر وهي مجتمع زراعي في الأساس , إليس من واجبات الأمم المتحدة وفقاً لميثاقها حفظ الأمن والإستقرار العالمي ؟ , كذلك فالسد بهذه الكيفية قد يُوصف بأنه ” جريمة ضد الإنسانية” وهي قضية تناولتها الجمعية العامة للأمم المتحدة كما أن الموقف الإثيوبي يتعارض مع ما ورد بالمادة 3 من إتفاقية الأمم المتحدة بشأن إستخدام المجاري المائية في غير الأغراض الملاحية , فسيؤدي إلي بوار دلتا مصر (أكثر من 3 مليون فدان من 8 مليون تمثل مساحة الزراعة بمصر) وكنتيجة سيُؤدي هذا إلي هجرة قسرية غير شرعية لأكثر من 25% من القوي العاملة في كل الإتجاهات المحيطة بمصر , وإن لم تكن هذه النتيجة الحتمية لهذا الوضع فما الفرق بين ما تُؤدي إليه الحروب العسكرية ومشروع كهذا يحقق تنمية بإثيوبيا ويُلحق الدمار بمصر ؟ أي تنمية وأي سيادة يراها الإثيوبيين في ذلك؟

إن التفاوض الثلاثي بشأن سد النهضة مُؤسس علي قاعدة من الخلافات والعدائيات السابقة والمُتزامنة مع إقامته , وهو ما يعني أن المفاوضات لابد لها أن تكون عبثية وعلي خلفية من سوء النية للأسباب التالية :

– أن محركات ودوافع السلوك السياسي الإثيوبي / السوداني منذ إنطلاق التفاوض الثلاثي عام 2014تتراوح ما بين العدائية والتنافسية المغرضة فكلاهما حليف للآخر , وبالرغم من أن السودان ومعه مصر رفضا منذ عام 2002 التوقيع علي إتفاق التعاون الإطاري لدول حوض النيل أو ما سُمي بإتفاقية عنتيبي التي رغم إستمرار الرفض المصري السوداني لها وقعتها 6 دول نيلية منذ إخراجها للتوقيع عام 2010 , وكان سبب رفضهما عدم تضمنها بنداً يتعلق بالأمن المائي يتضمن الحفاظ علي الحقوق والإستخدامات الحالية لجميع الدول , وعدم الإشارة لمبدأ الإخطار المُسبق وإغفال الإشارة لعدم تعديل مواد الإتفاق الهامة إلا علي قاعدة التوافق بين دول الحوض أو بالأغلبية المشروطة بأن تكون مصر والسودان منها , رغم ذلك إلا أن السودان لم يُعارض كمصر إقامة إثيوبيا لسد النهضة رغم أنه لم يتم التشاور الإثيوبي بشأنه مع مصر (وربما مع السودان الذي لابد من واقع علاقة التحالف علم بصفة غير رسمية)  ويبدو أن الوعد الإثيوبي بإمداد السودان بحصة من الكهرباء المُولدة من السد والبالغة 6,500 ميجا وات وعدم تأثر حصة السودان من مياه النيل (وقد تزيد لثلاثين مليار م م عام فيما هي 18,5 مليار م م / عام بموجب إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل الموقعة مع مصر في نوفمبر 1959) وراء عدم الممانعة السودانية , ومبدأ الإخطار المُسبق مُشار إليه في الإتفاقية الأفريقية لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية وفي القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود , كذلك فالعداء الإثيوبي وهو تاريخي لمصر ويكاد أن يكون مُنحصراً في قضية النيل ومن أهم المواقف السلبية لإثيوبيا وتعبر عن ذلك موقفها من إقامة مصر للسد العالي فعدما وافق البنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 1956علي تمويل مشروع السد العالي بمصر أستدعي الإمبراطورهيلاسيلاسي السفير الأمريكي بأديس أبابا ليبلغه إستياءه وطلب منه إلغاء قرار البنك الدولي والضغط علي مصر لبدء مفاوضات تتعلق بمياه النيل بصفة عامة , كذلك موقفها من شق ترعة السلام لسيناء فقد أرسلت الخارجية الإثيوبية عبر سفارتها بالقاهرة مذكرة مُؤرخة في 8 فبراير 1976 ضمنتها عدم موافقة إثيوبيا علي تحويل أي جزء من مياه النيل إلي خارج حوضه تلتها أخرى في 5 مايو 1980 تحتج فيها علي إعلان رئيس مصر نيته تحويل جزء من مياه النيل إلي إسرائيل وهو أمر أكد المسئولين المصريين أنه عار عن الصحة وعدم وجود النية في مد أو نقل مياه النيل إلي ما بعد حوضه الذي ينتهي عند بحيرة البردويل , كذلك كانت العدائية المُتبادلة سمة العلاقات الثنائية المصرية الثنائية في عهد البشير 30 يونيو 1989 حتي 11 أبريل 2019 فخلال هذه الفترة فقد ت العلاقات الثنائية معظم أساستها وتداعي بنيان العلاقة التي وُصفت بأنها “أزلية” وأُستبدلت بعلاقات تحالف إثيوبي / سوداني مازالت إثيوبيا تحرص علي بقاءه , ويعبر مسئولي الري السودانيين والرئيس البشير نفسه طيلة هذه الفترة عن رؤية سودانية مختلفة بل وناقدة لرؤية مصر بشأن مياه النيل إذ قال علي سبيل المثال في تصريح أدلي به لوكالة أنباء السودان في 7 أغسطس 1995أشار فيه إلي ما نصه ” إن أي حديث  عن زيادة إستغلال السودان لمياه النيل يضايق الحكومة المصرية , علي الرغم من التطورات في دول حوض النيل بما في ذلك الجفاف وحاجة الدول التي لا نصيب لها من مياه النيل والتوسع في إستخدام المياه في السودان بسبب الهجرة ” .

– أن هناك سابقة إثيوبية لفرض سيطرتها تؤك ميلها الدائم لسياسة الإملاء فيما يتعلق بمياه النيل , فإثيوبيا وبإسهام وتنسيق أوغندي أرادت أن تفرض علي مصر والسودان ( ومعهما جنوب السودان)منذ يناير 2010 التوقيع علي إتفاق عنتيبي أو الإتفاق الشامل للتعاون بين دول حوض النيل Comprehensive Framework Agreement ورفضت مصر توقيعه للأسباب المُشار إليها , وهذا الإتفاق سبب وجيه لتوقع عبثية المفاوضات الثلاثية فالطرف الإثيوبي رفض وبإصرار تضمين هذا الإتفاق ما أشارت إليه مصر , ومن ثم فخلو الإتفاق مما طلبته مصر وهو ضرورة تضمنه نص عن  مبدأ الإخطار والتشاور المُسبق ومبدأ الأمن المائي أو الحفاظ علي الحقوق المائية الحالية للجميع دليل قاطع علي إستحالة تحقيق المفاوضات الثلاثية لما ترجوه مصر , فالمفاوضات إن حققت شيئ فسيكون أقل مما لدي مصر حالياً من حقوق في مياه النيل أي أقل من 55,5 مليار م م / عام , كما هناك سابقة إثيوبية أخري وهي إقامة سد فينشيا عام 1975 دون إخطار أو تشاور مع مصر والسودان  .

– لم تربط مصر بين تنامي العلاقات الأمريكية/ الإثيوبية وبين سعيها للوساطة الأمريكية بعد أن أوصدت إثيوبيا باب الوساطات بما فيها البنك الدولي لحل الأزمة , فمصر تناقص أهمية دورها بلا شك في محيط الشرق الأوسط وأقتصر علي موضوعات متناهية الصغر كالمعابر في قطاع غزة والتعامل المُتقطع مع حماس لوضع كلمة النهاية لحملاتها المتعددة لضرب القطاع أي فض الإشتباك فقط , في الوقت الذي برز فيه دور لاعبين صغار كالسعودية والإمارات كل دورهم فتح خزاناتهم المُتخمة لتحويل مطامع الغرب في المنطقة إلي واقع , بينما يشتد الدور الإثيوبي وسيدعمه أكثر إكمال سد النهضة الذي سجعل من إثيوبيا الدولة المفتاحية بالقرن الأفريقي الأكبر G H A , وهو ما يعيه المُخطط الأمريكي وهو يضع إستراتيجية الولايات المتحدة في أفريقيا فلإثيوبيا أهمية مُضطردة فيما تدعيه الولايات المتحدة من الحرب علي الإرهاب وخاصة في الصومال الذي يُعد بمثابة البطن في نظرية الأمن القومي الإثيوبي وتعتبره القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا أحد أهم قلاع الإرهاب , والدور الإثيوبيفي الصومال وفي شرق أفريقيا بناء علي التداعيات الإقتصادية الإيجابية إثيوبياً لسد النهضة لا غني عنه للولايات المتحدة في الصومال خاصة لأسباب مختلفة أهمها أن إثيوبيا مُهيئة بطبيعة التكوين النفسي لقطاع من شعبها خاصة الأمهرا والمُتعالي عن باقي الأعراق الإثيوبية كالتيجراي والأرومو وبالطبع الصوماليين وكذلك بحكم الأساس الذي أرساه نظام الــ Derg أو لجنة تنسيق القوات المُسلحة الإثيوبية تجاه الصومال منذ غزو الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري لإثيوبيا عام 1977مُهية أيضاً لتبني موقف هجومي إزاءالصومال رسخته الأطماع الإثيوبية في موارد وأرض والإطلالة البحرية (إثيوبيا بلد حبيس منذ إستقلال أرتريا) للصومال , وهو ما يجعل إثيوبيا دائماً الأنسب لأداء دور شرس يتفق والمزاج الأمريكي من قضية الصومال التي يصر عدد كبير من المحللين السياسيين ومنصات العصف الذهني بالولايات المتحدة علي النظر إليها كبؤرة إرهاب وليس كدولة , لكل ذلك وغيره كثير كانت الوساطة الأمريكية مُبتسرة لا هي وساطة ولا هي مساع حميدة وهو ترجمة أمينة لرؤية أمريكية لكل من مصر وإثيوبيا , وتمخض الدور الأمريكي الذي تولاه وزير الخزانة وليس الخارجية الأمريكي عن لجان تفاوضية ثلاثية كالتي سبق وفشلت .

أما بالنسبة للمسار العسكري فهناك معلومات غير مؤكدة من مصادر رسمية من ثلاثي الأزمة تشير إلي توجه عسكري مصري قد يكون إجراء إحتياطي بعد التأكد من فشل الجولات التفاوضية الحالية التي ستنتهي في يناير 2020 , ومن الإشارات التي تناولت هذا الإجراء المُفترض ما نشره موقع وكالة أنباء جنوب السودان في 5 نوفمبر 2019نقلاً عن إفادة في 3 صفحات سلمها جاسوس أوغندي سابق لمندوبها في كمبالا أشارت إلي أن مصر وأوغندا وجنوب السودان يعملون علي عرقلة إستكمال إثيوبيا لسد النهضة , وان جنوب السودان وأوغندا بموجب خطة موضوعة سيساعدان مصر إن قررت خوض الحرب مقابل إستمرار دعم مصر لبقاء الرئيسين Salva Kiir و Yoweri Museveni في الحكم , كذلك أشار موقع AFRICA INTELLIGENCE بتاريخ 15 نوفمبر 2019 حيث أشار إلي أن رئيس جنوب أفريقيا Salva Kiir يساعد مصر لتمركز قوات مصرية علي الحدود بلاده مع إثيوبيا , وكان قد سبق أن أشارت صحيفة SUDAN TRIBUNE علي موقعها في 17 أبريل 2017 بالإحالة علي منظمة عفار البحر الأحمر الديموقراطية RSADO المُعارضة لنظام الحكم القائم بإرتريا أن حكومة أسمرا أعطت مصر الضوء الأخضر لإقامة قاعدة عسكرية علي أحد جزيرة كم مع السودانNora أو Norah الأرترية وهي ثاني أكبر جزر أرخبيل Dahlak  وتبلغ مساحتها حوالي 105 كم مربع , لكن القاهرة تجاهلت هذا ولا يبدو أنه أمر له ظل في الواقع خاصة وأن التطورات التالية أكدت إستحالة ذلك بعد إعلان إثيوبيا وأرتريا رسمياً في9يوليو2018 عن إنتهاء حالة الحرب بينهما وتطبيع مجمل علاقاتهما الثنائية بعد الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الإثيوبي لأسمرا التي أنهت عداء مُتبادل ظل لعقود عديدة , ولكن فيما يتعلق بأوغندا وجنوب السودان فإن تطور العلاقات المصرية بهما تنظر له إثيوبيا علي أنه خطر مُحدق بها فتحت الثري توجد جذور مختلفة لعداء وتربص من جنوب السودان وأوغندا بإثيوبيا ليس هنا مقام بيانها لكنها مُستترة , لكن الذي يثير خشية إثيوبيا هو قوة العلاقات المصرية بجنوب السودان فمصر دعمت بمختلف الوسائل نظام Salva Kiir منذ توليه الرئاسة بعد إعلان إستقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011مروراً بسنوات الحرب الأهلية ضد خصمه Riek Machar والتي إشتعلت في 15 ديسمبر 2013 وأنتهت حتي أغسطس 2018 ولعبت إثيوبيا فيها دوراً لتسوية النزاع بين الطرفين ووقعا في أديس أبابا إتفاقية مشاركة في الحكم في 17 أغسطس 2015  لكنها نُقضت , فيما كانت مصر تدعم نظام في مجلس الأمن الدولي فعلي سبيل المثال صوتت عام 2016ضد مشروع قرار أمريكي يقضي بدعم بعثة قوة الأمم المتحدة في جنوب السودان بنحو 4,000 رجل وهو ما كان يرفضه الرئيس Kiir وصوتت ضد مشروع قرار أمريكي آخر في نوفمبر 2016يدعو إلي حظر السلاح عن أطراف الحرب الأهلية بجنوب السودان , وبينما رفضت أوغندا مُقترح أعلن عنه عام 2016المبعوث الأمريكي السفير السابق للسودان ولجنوب السودانPrinceton Lyman لفرض وصاية دولية من خلال الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي علي جنوب السودان بإعبارها أياه تدخلاً من شأنه جعل الموقف الأمني بجنوب السودان أسوأ فيما آثرت مصر عدم التعليق , ومع ذلك ظل الدعم المصري لنظام Kiir مُستمراً وقوياً حتي الآن بما يوفر قاعدة صلبة للتحرك بجنوب السودان في كافة الإتجاهات حماية لمصالحها في جنوب السودان نفسه وفي جوار جوار السودان أي في إثيوبيا وتنمية مصالح جنوب السودان أيضاً الذي في حاجة لحليف يُعتد به .

في تقديري أنه لا تثريب علي مصر إن هي قررت النزوع إلي أي تصرف سياسي و / أو عسكري براجماتي يفرض علي إثيوبيا إحترام القانون الدولي والإتفاقية التي وقعتها بل و من المُؤسف أنها لم تحترم حتي توقيعها علي إتفاق الإطار العام للتعاون بين مصر وإثيوبيا عام 1993 والذي به نص يُؤكد إمتناع الطرفين عن القيام بأي نشاط يتعلق بمياه النيل يمكن أن يضر مادياً مصالح الطرف الآخر , ويؤكد علي ضرورة حماية مياه النيل والحفاظ عليها والتعاون والتشاور بشأن المشروعات المُشتركة بما يؤدي إلي تعزيز مستوي تدفق المياه وتقليل الفاقد منها , فالمعركة معركة مصر وعليها أن تؤسس تحركها وفقاً لقاعدة أسوأ السيناريوهات فهكذا يمكن صيانة الأمن القومي للدول , لكن علي مصر قبل هذا ولإكتساب الذريعة الحائزة علي القبول من المجتمع الدولي إستنفاذ آخر الوسائل السلمية بعرض قضية سد النهضة علي الإتحاد الأفريقي و / الأمم المتحدة بالتتابع أو بأحدهما وبعد ذلك تمضي لإنتزاع حقها في الحياة إنتزاعاً بيدها .

سفير مصري سابق

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. الأنظمة المصرية المتعاقبة تعلم جيدا أن افق تحركها اليوم ضيق جدا ، وأن وسائلها في معالجة قضية السد محدودة جدا ، فالتهديد بالحرب هذا للاستهلاك المحلي ، والمتتبع لمعالجة هذه المسألة من قبل الانظمة كان ضعيفا منذ البداية ولم يكن جادا ، ربما هونت هذه الانظمة من القضية في بدايتها وربما قللت او شككت في قدرة اثيوبيا على المضي قدما فيه حتى فوجئت بالمعاول والجرارات تشق الارض والبناء يرتفع فاسقط في يديها ، اليوم لا خيار امام الحكومة المصرية الا التفاوض وإبداء حسن النية وإقحام الدول الافريقية ودول الجوار خاصة في مناقشة القضية ومحاولة نيل أي مكسب بدعم هذه الدول وضغوطها ، ثم تصبح الخطوات المحلية مهمة جدا كما في تعليق الاخ تيسير كترشيد الاستهلاك ومشاريع التحلية والمحافظة على المخزون الجوفي واعتماد الزراعة المقننة ، وستجد مصر في النهاية انها لم تتأثر كثيرا بسد النهضة وسواه ان شاء الله .

  2. لو ممكن منع إقامة دولة لسدود على أنهار تنبع بأراضيها لمنعت العراق وسوريا تركيا من بناء سدود ضخمة على نهري الفرات ودجلة تسببت بجفاف وأضرار لهما، فالأفضل لمصر تحصيل ما يمكن من إثيوبيا بالمفاوضات بدون استعداء وبدون خلق صراع عسكري يستحضر دول استعمار تدخل لإدامة الصراع واستنزاف الجميع، وبالتوازي يجب عدم إضاعة الوقت بل تحسين إدارة مصر لمياه نهر النيل الواصلة لها ووقف الهدر وتطوير زراعة حديثة ومنع تلويث مصانع ومعامل ومزارع واستعمال الغاز التريليوني المكتشف لتوليد الكهرباء وتحلية المياه بسواحلها الطويلة

  3. يا سيدي إثيوبيا تبني السد ورئيس وزرائها يمنح نوبل للسلام
    أما السيسي والمرتزقة من حوله يبنون القصور

    ومن قال أرواحنا فدى النيل رحمه الله

  4. التحكم في مياه مصر خطر وجودي علي مصر وعلي القياده المصريه تحمل مسئوليتها
    المفاوضات يجب أن تكون علي حجم السد نفسه وليس علي فتره التخزين
    كان يجب اصدار انذار رسمي مصري لاثيوبيا بوقف البناء لحين اتمام دراسات دوليه قانونيه وفنيه !
    بصراحه مصير التفاوض وحسن النيه في هذه الأمور يثير ألحيره والعجب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here