مصر تندفع بقوة نحوالفوضى

ismail-alqasmi-alhusny500 ok

 

اسماعيل القاسمي الحسني

تشهد صحيفة “القدس العربي”، أيام كانت تحت نظر الاستاذ عبد الباري عطوان، عن مقالات عديدة أهمها تلكم التي اشرت فيها بعد تنصيب الرئيس محمد مرسي، ومتابعتي للأشهر الثلاثة الأولى، تعاطي الطبقة السياسية والفكرية والاعلامية مع التجربة الجديدة، وفرص الأخطاء التي قدمها لخصومه، محذرا من حدوث انقلاب حتمي على السلطة الشرعية، ودخول مصر في مرحلة بالغة الخطر، وأذكر من بينها عنوان مقال ” ادخلوا مصر ان شاء الله جزائريين”، استخف بمضمونه أحد كبار المفكرين المصريين،   واستهجن مقارنة مصر بالجزائر.بعد التحذير بسبعة أشهروقع الانقلاب فعلا وواقعا، ليبتلع الكاتب والمفكر الكبير لسانه، ودخلت مصر مرحلة جديدة بالغة الخطر والتعقيد.

واليوم نقف على واقع لا يمكن وصفه إلا بالدراما الكوميدية، انقلبت فيه كل الموازين والقيم، ولا أعتقد أن القارئ العربي في حاجة الى تشريحها، من انقلاب عسكري بامتياز، يصبح بمشيئة العسكر وإعلامه الموبوء استردادا للثورة وللشرعية، ومن رئيس جمهورية منتخب الى مجرم ارتكب أخطر الأعمال مدة ولايته التي لم تزد عن شهور في حق الشعب والدولة، ويقبع حاليا وراء القضبان في مكان مجهول، ومن دستور استفتي عليه الشعب منذ نصف عام فقط، الى مجرد ورق كلينكس رمي به في سلة المهملات، واستبدل بغيره كأنه وحي من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفصيل سياسي له امتداد شعبي واسع، أصبح مجرد عصابات ارهابية موتوره، تُكال لها التهم من كل حدب وصوب؛ لا أعتقد أن هذه المحطاتوغيرها، تحتاج لتشريح فقد سال بشأنها حبر كثير.

سواء عبر مقالات أواتصالات مباشرة حذرت الاخوة في مصر، من تلكم القرارات والسياسات ليس دعما لتيار الإخوان المسلمين، وإنما لاعتقادي بوجود خيارات أمثل تجنب البلد ويلات دموية خطيرة،    ومن بينها انتشار العنف وتنامي عملياته التي لا سبيل لأي سلطة أن تمنعها بالقوة، وجاءني حينها الرد بأن جغرافيا مصر لا تسمح كما التي في الجزائر بأمر كهذا، وكذلك خصائص الشعب المصري وأهمها طبعه المُسالم وتجذّر السلوك المدني في شخصيته؛ أما الجغرافيا فقد ضربت للإخوة بغداد مثلا، التي لم يمنع انبساط أرضها وانكشافها السيارات المفخخة، وتجرأت على تقدير حصول ذات الأمر في القاهرة نفسها، ويأتي على المصريين كما العراقيين، يومً يصبح فيه ديدن اعلامهم عدّ ضحايا الانفجارات، أما التعويل على شخصية المصري فلا شك أنه أمر سليم وصحيح، ولكن كان على الإخوة أن يراجعوا جيدا ما جاء في تقرير ايفي ديختر (رئيس جهاز الاستخبارات الأسبق) الذي استعرضه في معهد القومي الاسرائيلي، ويحملون حقائقه محمل الجد – وغيره من صناع السياسات الاقليمية كثير-؛ العالم أصبح قرية صغيرة، ومراكز كثيرة سواء في مصر اوغيرها باتت مخترقة بشكل يكاد يكون مفضوحا، وهي التي تدير الصراع وأحيانا تختلقه، وتحرك صوب أهدافها المسطرة أدواتها، إعلامية وثقافية ومجتمعية وغيرها، من ينكر هذه الحقيقة إلا منفصل عن أرض الواقع؛ كان على الوطنيين المصريين أن ينتبهوا لهذا جيدا، ذلك أنه من السذاجة بل الحماقة أن نفصل واقع مصر الحالي، عن إمكانية وجود أصابع عدوتعترف الدولة المصرية بوجوده وترفع في عاصمتها علمه. وأن يتصور خبير استراتيجي مدنيا كان أم عسكريا، بأن العدوالاسرائيلي ومن خلفه الولايات المتحدة، سيجلسان يتفرجان مكتوفي الأيادي إزاء بناء أركان دولة عربية بحجم مصر موقعا وكثافة، عزيزة وقوية وعادلة، فعليه أن يخلع فورا بزّة الخبير عن نفسه.

على الإخوة في مصر أن يكفوا من لوك واجترار عبارات تقديس الأنا وجنون العظمة سريعا، ويضعوا أرجلهم على أرض الواقع، فما يحدث في هذا البلد العزيز، ليس فقط نتيجة أخطاء الاخوان وغطرسة العسكر،بل هناك طرف ثالث يستغل خصومة الإخوة في غياب العقل والوعي بالمسؤولية، ومن يقرأ   ويتأمل مثلا لا حصرا، تقرير جيمس غلاسمن 2007 أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي يقر فيه بتأسيس آلاف المواقع الاخبارية ودعم عشرات الفضائيات وتمويل آلاف المفكرين والكتاب و..و… ليس فقط لنشر كراهية من يعادي الولايات المتحدة وتشويه صورته، بل كذلك للتحكم في حركة الشعوب العربية والشارع، عبر هذه الحبال التي يمسك بها من حيث لا يدري أنها موصولة بعدوه مباشرة. وهوتماما ما أقر به ايفي ديختر في محاضرته.مضيفا مراكز الأبحاث وبعض الجامعات الخاصة وشخصيات اعلامية بارزة.

أختلف مع الأستاذ محمد حسنين هيكل في دعمه لسياسة العسكر، وهويعلم جيدا كما غيره ممن ذهبوا لهذا الخيار، بأن اللاعبين الفعليين على ارض الكنانة هم قوى اقليمية، تريد أن تجعل من الاخوة أعداء    وتوظفهم لمصالحها لا لمصلحة شعب مصر، وتتجار بدماء أبنائه كما تفعل تماما في سورية وفي ليبيا دون رحمة ولا شفقة، ليست معنية البتة بالخط السياسي ولا بالدين إنما هي مصالح، خلاصتها ومنتهاها مصلحة العدوالاسرائيلي، وما نشاهده اليوم بأم أعيننا كان ينكر وقوعه القوم حين حذرناهم منذ عام،    ولا أصدق كيف يسقط احتمال تورط طرف خارجي في اغتيال اللواء محمد سعيد أول أمس، ويذهب الاخوة الأشقاء في توجيه الاتهامات لبعضهما فقط !!!أحدهما يقول: إن الاسلاميين الارهابيين قتلوه. ما يزيد من حنق عناصر الجيش والشرطة ضد هذا المكون المصري الأصيل. والثاني يقول: إن العسكر هم من قتلوه ليلفقوا لنا التهمة. ليعطوا انطباعا لأتباعهم بأن هذه المؤسسة تضحي بأبنائها إذا اقتضى الأمر، من أجل تشويه التيار الاسلامي. ما يزيد طبعا من كراهية اتباع هذا التيار لكل مؤسسات الدولة والنظام، وعلى رأسها الجيش والمخابرات العمود الفقري لكل كيان. والمحصلة هل تحتاج لشرح؟ القاعدة الشهيرة تقول: إذا أردت أن تعرف مرتكب الجريمة فابحث عن المستفيد، ولست أرى في هذه الحادثة وغيرها سوى طرفا واحدا خارجيا، مكابرتنا تسقطه دوما من الحساب.

ختاما أقول: ما لم يسارع الوطنيّون المخلصون في مصر العزيزة لمراجعة عميقة وسريعة، وإعادة الاعتبار لدى الوعي الجمعي شعور الأخوة بينجميع المواطنين، وأن لا مكان للعداوة بينهم، والعمل على اصلاح ذات البين وضبط انفلات بعض القيادات العسكرية، ووقف مسلسل قراراتها الارتجالية التي انتقصت كثيرا من مكانة مصر، فاذكروا كما سبق وأن حذرناكم، عنوان المقال: مصر تندفع بقوة نحوالفوضى، فالواقع المُتوهم لا يعني بالضرورة أبدا الواقع المعيش.

فلاح جزائري

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. ايها الفلاح الاصيل:اذا اصبح طلوع الشمس يحتاج الى برهان فاعلم انه اخر الزمان!!

  2. هذة حقائق فالمستفيد الاول هو العدو الاسرائيلي. الطوفان قادم و اذا لم ينتبة اهل مصر فان الشرق كلة سيغرق في ربيع الارهاب الامريكي المبرمج عربيا.

  3. بالله عليكم يا أهل مصر لا تصنعوا فرعونا ٱخر ……. فعلا كما جاء على لسان الكاتب هناك قوى خارجية تسعى لزعزة مصر والغريب في الأمر أنّ أغلب”النّخب “السياسية والفكرية تعلم هذا جيّدا و لا تحرّك ساكنا، بل بالعكس تزيد في إشعال نار الفتنة. مصر ليست ملكا للإخوان ولا للعسكر ….

  4. مافيا ولا دولة عربية تتدخل لصلح بين الأطراف وتوحيد الصف المصري اين المثقفون المصريون .لماذا هذا الصمت؟ واللاهوت حيرتونا

  5. مقال رائع يحلل الواقع و يقف عن الأخطاء المرتكبة وما إنجر عنها ،
    أنا أرى ان ما يقلته أقرب الى الحقيقة ، ونتمنى الخير لمصر الشقيقة وكل الأمة الإسلامية

  6. نصيحه اخويه صادقه من قلب عربي نابض ولكن للأسف فات القطار
    مصر يددت احلامنا نماما ولم تعد مصر التي رأيناها قبل 3 سنوات ومثقفيها قتلوها قبل اعدائها
    لنتشبث بتونس وشعبها العظيم الواعي والذي عرف كيف يفوز بثورته فهم ما تبقى لنا من بصيص امل
    نتنمنى لتونس كل الحب والسلام والامن والوئام ونشد على ايديهم للبقاء متحدين ليكونوا تجربه حيه
    تقول للعالم اننا شعب عربي قادر على تحرير نفسه من عبودية الغرب الفاجر
    هذه رساله من فلسطيني يعشق تونس وشعب تونس وارض تونس ولا يريد ان يشفى من عشقها

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here