مصر…الجرح الكبير النازف!!!

muhiy aldeen amimour33

دكتور محيي الدين عميمور

يركز البعض على اتخاذ بلد معين أو جماعة معينة هدفا للنكت، وهو ما نجده في أوربا بالنسبة للبلجيكيين وفي بريطانيا بالنسبة للإسكوتلانديين.

ولسبب لا أعرفه، يعرف الوطن العربي مجموعتين مستهدفتين، الصعايدة في مصر وأهل معسكر في الجزائر، وكلاهما من أكثر الناس وطنية وذكاء واحتراما للآخر.

ويروي لي صديق أن حاجا جزائريا كان يقف أمام البيت الحرام يدعو الله بصوت مرتفع، ويقول: يارب، سامحني على كل النكات التي أطلقتها على أهل معسكر ولن أعود لذلك أبدا.

ويهمس له جاره قائلا: بارك الله فيك، أنا من معسكر، وأشكر لك جميل صنعك، ويتوقف لحظات، تقول النكتة، ثم يسأل الحاج الذي تتعلق عيونه بالكعبة المشرفة: قل لي يرحم والديك، أين اتجاه القبلة ؟

ويرفع الحاج رأسه إلى السماء وهو يهتف: يارب، إنهم يستفزونني لأنكت عليهم.

طافت هذه النكتة في ذهني وأنا أتابع تعليقا لأخ مصري من أنصار الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، فك الله أسره، ورحت أكتب بعد أن كنت قررت التوقف عن تناول الشأن المصري، لأريح وأستريح.

كان المناصر يستعرض ما عرفته مصر منذ أحداث يناير 2011، وهو يصر على أنها كانت أحداثا ولم تكن ثورة، وكان هذا من حقه بعد أن عرفنا أنه كان من أنصار حزب الرئيس مبارك، ثم راح يقول عن حشود 30 يونيو التي مهدت للانقلاب بأنها ثورة “لم يعرف التاريخ لها مثلا” (هكذا)، ورأيت أن المقولة يمكن أن تعتبر عادية، لأنها تتكرر على ألسنة كل الانقلابيين، مما يؤكد أن أحدا منهم لا يستطيع الخروج عن تعليمات الكاسكيطا.

لكن المخلوق يضيف قائلا بأن التاريخ “لن يعرف” مثيلا لثورة يونيو المجيدة، هكذا، بفجور لم أعرف له سابقة، وأكاد أكرر تعبير يوسف وهبي رحمه الله….يا للهوْل..

وواقع الأمر أن الفجور الذي يتصرف به كثيرون من أنصار الانقلاب يؤكد أنهم يكررون تعليمات لا يملكون مجرد تغيير كلماتها، حتى بمترادفات تثبت أن لهم بعض الاستقلالية، وكلهم، كما قال الصحفي المصري الرائع سليم عزوز منذ عدة أسابيع، كلهم يبدءون كل مداخلة لهم على قناة الجزيرة باتهام القناة القطرية بأنها متحيزة ومتعصبة للتيار الإسلامي، ولا يقول لنا أي منهم لماذا يتعاملون مع قناة متحيزة، وقبل ذلك لماذا لا تفتح القنوات المصرية شاشاتها للمعارضين لتؤكد عدم تحيزها.

ويقول عزوز: يسأل المذيع الدكتور نفعي: ما رأيك فيما حدث في مصر يوم 3 يوليو؟، فيرد: إن قناة الجزيرة غير محايدة، ويسأله ثانية عن رأيه فيما جرى يوم 30 يونيه؟.. فيرد: إن قناة الجزيرة غير محايدة. ويسأله في لقاء آخر: وما رأيك في التغييرات المناخية، وأزمة ثقب الأوزون، فيبدأ الرد: إن قناة الجزيرة غير محايدة، وأخشى أن تسأله يوماً مقدمة برنامج الجزيرة الصباحي عن أكلته المفضلة، فيكون جوابه قبل أن يقول :الملوخية بالأرانب، إن قناة الجزيرة غير محايدة.

ويبدو أن طريقة الدكتور صارت فرعا من فروع العلوم السياسية، فسار على نهجه كل مؤيدو الانقلاب، فما أن يظهر احدهم هذه الأيام على الجزيرة حتى يمسك في تلابيب المذيع قبل أن يبدأ كلامه، وعلى نحو بات يحتاج إلى تحقيق استقصائي لنقف من خلاله على من يوزع هذا المقرر الدراسي، ومن يقف وراء الصيغة الموحدة في التعامل مع مذيعي الجزيرة من قبل مؤيدي انقلاب العسكر في 3 يوليو.

ويواصل سليم عزوز تعليقه على بعض مناقشات لجنة الدستور الجديدة المعينة من قبل الانقلابيين، ويتناول بعض ما قالته الفنانة ليلى علوي، قائلا:

لقد أطربتنا المناقشة التي جرت داخل لجنة الدستور الوقورة، عندما أصرت الفنانة ليلي علوي إصراراً وألحّت إلحاحاً على ضرورة النص في الدستور على أن مصر دولة عربية في القارة الأفريقية وتطل على البحر الأحمر والبحر المتوسط، ويبدو أن هناك من لقنها بأن مصر دولة متوسطية، فظنت أن الموضوع مرتبط بحديث البحار والترع والمصارف، وإن كان فاتها أن تطالب بالنص في الدستور على أنه يجري فيها نهر اسمه  النيل.

 وطالب الفنان احمد بدير بوضع خريطة مصر داخل الدستور باعتبار أن هذا مهم جدا (وقال بدير أن الدستور يجب أن توضع فيه خريطة سيناء وحلايب حتى لا تختطف منا أرضنا، وأضاف نكتة سمجة وكأنه في غرزة حشيش: وهضبة الأهرام أيضا، لأنني ساكن فيها)

ويواصل عزوز قائلا :أما الفنان مدحت صالح فاكتشف أن تعبير الإسلام دين الدولة (وهو المادة الثانية من كل دساتير مصر قبل الانقلاب) مقولة لغوية خاطئة، لأنه لا يصح أن يكون الإسلام دين حيطان، ويبدو أن هناك أيضا !!! من أفهمه بأنه لا يجوز النص على دين الدولة لان الدولة في النهاية هي *كيان معنوي * فلم تسعفه ثقافته الضحلة وقال: لا يصح أن يكون الإسلام دين حيطان.. جمع حائط طبعاً.

ولعل عزوز نسي اكتشاف الفنانة يسرا بأن المبشرين بالجنة أربعة فقط، وكل هذا صورة من صور النفاق الفاجر تميزت به مرحلة ما بعد يونيو، وتشير إلى المستوى الذي وصلت إلي مصر العظيمة بفضل أنصار 3 يوليو.

ويحتج مندوب الأنقاض على تعبير قاله صحفي الجزيرة، ويصحح له قوله بأن مصر ليست تحت حكم العسكر، ثم يسكت تماما عندما يشاهد العالم كله أن من قام بزيارة ضريح الرئيس جمال عبد الناصر للترحم عليه لم يكن رئيس الجمهورية المؤقت، أو حتى رئيس الحكومة الذي عينه الانقلاب، وإنما وزير الدفاع، في حين أن عبد الناصر كان رئيسا للدولة ولم يكن وزيرا للدفاع.

وكان هدف من خطط للزيارة واضحا إلى درجة تخدش العفة.

وعندما قال أوباما بأن الرئيس مرسي لم يستطع أن يكون رئيسا لكل المصريين اندفعت الجوقة كلها لتحتفل بمقولة الرئيس الأمريكي، الذي قيل عنه في أيام سابقة أنه يدعم الإخوان وأن أخاه عضو في تنظيمهم الدولي.

ولم يتوقف أحد بالطبع لتحليل ما قاله أوباما، لمعرفة لماذا لم يستطع الرئيس المصري المنتخب أن يكون رئيسا لكل المصريين.

بل إن كمال الهلباوي، وهو إخواني قديم منشق عرفته في باكستان ناشطا في تجنيد الشباب للحرب في أفغانستان لمصلحة المخابرات المركزية الأمريكية، يقول حرفيا في القدس العربي:

جاء خطاب أوباما في نيويورك، موجعاً للإخوان المسلمين والحلفاء من أجل الشرعية، بعد أن أكد فشل الرئيس المعزول في إدارة البلاد، وأنه حكمها بطريقة إقصائية، ويكرر الداعية الإسلامي، حكاية : لا تقربوا الصلاة، فيتناسى استكمال بقية تصريح أوباما الذي ندد فيه بما يعانيه معارضو الانقلاب، وبضرورة فتح المجال أمام كل الآراء.

ويضيف: تزامن كلام أوباما مع حكم المحكمة المستعجلة في مصر بحظر أنشطة تنظيم الإخوان المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين وجمعية الإخوان المسلمين في مصر، وقد تضمن هذا الحكم تشكيل لجنة مستقلة من مجلس الوزراء لإدارة الأموال والعقارات والمنقولات المتحفظ عليها ماليا وإداريا وقانونيا، لحين صدور أحكام نهائية وقطعية، بشأن الاتهامات المنسوبة إلى الجماعة وأعضائها، وبعضها اتهامات جنائية تتعلق بالأمن العام (ولم يقل لنا كيف لا يذكر السلطة بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولماذا يودعُ الناس في السجون باتهامات غير مؤكدة، وبدون ضمان أي حق من حقوقهم، وكذا يتجاهل عبد الدولار النفطي وجود رفاق سابقين له في السجن بتهم تثير سخرية كل الشرفاء)

وتغضب الخارجية المصرية من دعوة ناشط حقق الإنسان الذي أصبح رئيسا للجمهورية التونسية، رائدة الربيع العربي، التي طالبت بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، في حين لم نسمع تنديدا واحدا بتعليقات إسرائيلية تسيئ لمصر ولقيادتها، ذما بصيغة المدح، ولا قرأنا تكذيبا لادعاءات إسرائيلية تمس بسيادة مصر على سيناء، ولا توقف أحد عند تعبيرات الوصاية على المسيرة المصرية ممن يحقنونها بالبترودولارات.

ونجد من فقهاء السلطان من يعايرون محمدمرسي بأنه لم يسصتجب لدعوات الانقلابيين لكي يتنازل عن سلطة منحه الشعب إياها فيقولون، تشهيرا به، ليته فعل مثل الحسن بن علي رضي الله عنه/الذي تنازل لمعاوية بن أبي سفيان حقنا لدماء المسلمين، ويتناسى أمثال الشيخ علي “سبت” بأن الحسن بن علي مات مسموما بحلويات أرسلها له معاوية وهو يقول : إن لله جنودا من عسل.

وفي كل هذا تتضح يوما بعد يوم عظمة الشعب المصري وتهافت ادعاءات الانقلابيين، من أن قيادات الإخوان هي التي تحرك الشارع ضد الانقلاب، حيث يتزايد غليان الشارع في حين وضعت في السجون قيادات الصف الأول والثاني وربما الثالث من الإخوان المسلمين.

وتتأكد عفوية تحركات الشارع وتبدو نسبة الملتحين فيها محدودة، وتضم في معظمها شبابا في مقتبل العمر، فيردد الإعلام المرتزق بأنهم أقلية لا يمثلون شيئا، لكنه مع ذلك يصر على أنهم، رغم ضآلة عددهم، هم المسؤولون عن وقف حال البلد وتدهور الساحة وزيادة النزيف المالي واتساع ثقب الأوزون وسقوط النيازك على أرض سيبيريا.

وقوم الإعلام لا يخجلون، ومن نددوا بالأمس باصطحاب الأطفال الصغار إلى الاعتصامات في رابعة وغيرها، والذي كان تأكيدا لإرادة المعتصمين السلمية، حيث لا أحد يعرض أبناءه لخطر محتمل، أولئك يستعرضون اليوم بحماس فاجر لقطات متلفزة تقدم أطفالا صغارا يتقافزون وهم يهتفون للانقلاب، ولا تحاول المذيعة المختفية وراء الكاميرا أن تحذف صوتها الذي يوجه الأطفال للهتاف.

بل إن إعلاميا مصريا لا يخجل من القول على شاشة الجزيرة، تعليقا على سجن فتيات قاصرات : ولماذا خرجن من بيوتهن والله يقول : وقرن في بيوتكن…، ويتناسى الصحفي الجاهل أن الكلمات موجهة في سياق آخر تماما لنساء النبي.

لكن المأساة هي أنه وبعد أن أدخل الإعلام في قائمة من تأكلن بالأثداء، أضيفت لهم قيادات الطب الشرعي وعدد من الأدباء وكانت ثالثة الأثافي سقوط ما كان يعتبر المؤسسة الشامخة، والتي يشير لها المصريون اليوم بحذف الميم ووضع خاء مكانها.

ويروي القرآن الكريم قصة لها دلالاتها، تتكرر عبر التاريخ مع قوم لا يقرءون، ولا يتفكرون.

فعندما ذهب موسى ليكلم ربه من جبل الطور ترك قومه في رعاية أخيه، لكن يهوديا خبيثا استطاع أن يُضلل القوم، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، فقالوا هذا إلهكم وإله موسى.

وحاول هارون أن ينبههم إلى خطيئة عبادة تمثال من دون الله فرفضوا وهددوه وكادوا يقتلونه، ويقول المولى عز وجل: : قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، ثم يقول: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي.

وما يقوم به اليوم في مصر بعض من كنا نظن أنهم النخبة لا يختلف كثيرا عن قصة السامري، حيث يتبارى القوم في تقديم فروض الولاء الذليل لنظام لم ينجح منذ أكثر من خمسة أشهر في إخفاء ارتباكه وتردده ودمويته، بعد أن قام، اعتمادا على القوة المسلحة، بعزل رئيس منتخب ديموقراطيا للمرة الأولى في تاريخ مصر.

وتثبت النخبة الزائفة، بنفاقها الذي تجاوز كل حدود العفة، أن كل خطبها الحماسية عن الديموقراطية كانت بلاغيات ارتزاقية لضمان كرسي جانبي (strapentain) في جهاز السلطة الحاكمة، بعد أن أدركت أنها مجرد خضرة فوق عشا، ولا وجود لها في الشارع المصري.

ويصل الأمر بأشباه المثقفين وعلماء السلطان إلى حد تبرير جرائم قتل جماعي سقط فيها خلال أربعين ساعة أكثر ممن سقطوا خلال أربعين سنة من الصراع المصري الإسرائيلي.

وحقيقي أن الرئيس محمد مرسي ارتكب الكثير من الأخطاء، التي كان يمكن أن يتم تفادي الكثير منها لو كان بجانبه مستشارون أكفاء يضعون أمامه كل البدائل الممكنة لأي تصرف أو موقف أو تصريح. لكن ما تأكد اليوم هو أن قصر الرئيس كان مخترقا بأكثر من حصان خشبي، أستطاع من فيه أن يضللوا رجلا نظيفا لم يعرف ألاعيب السلطة ومكائد القصور.

وتذكرت أنني، عندما أصابني الملل والقرف من متابعة القنوات المصرية، الحكومية والخاصة والتي ذكرني أداؤها بالمرحلة المؤسفة التي تزامنت مع أحداث الكرة الشهيرة في 2009، رحت أتابع قناة تركية كانت تقدم حوارا حول الأوضاع في مصر.

كان الحوار بين ناشطة يسارية من بقايا الماركسيين وبين محامية من جماعات حقوق الإنسان، وكان اللافت للنظر أن الناشطة كانت متشنجة ضد الرئيس مرسي لأنه يمثل الإخوان المسلمين، رافعة في نفاق غريب شعار أننا كلنا مسلمون، في حين أن محامية حقوق الإنسان، التي كانت تدافع عن الشرعية وتندد بالانقلاب على الرئيس محمد مرسي، كانت مسيحية، وتقول بكل هدوء أن الأمر ليس صراعا بين مسلمين أو إسلاميين أو متأسلمين وبين بقية الشعب المصري، كما يريد الانقلابيون أن يفرضوه كواقع سياسي، ولكنه صراع بين جماهير واسعة  ترفض الانقلاب على الشرعية، ولا تقبل بحكم من لا يحق له أن يحكم، لمجرد أنه يمتلك المدفع، والذي كان مجرد أداة ساذجة في يد من لا يملكون شرعية شعبية حقيقية.

وذكرتني الناشطة اليسارية ببعض حلقات الاتجاه المعاكس، عندما كان المحاور، الذي يفشل في إقناع الناس بوجهة نظره، يواصل مقاطعة محاوره، ويرفع صوته لتشتبك الأصوات فلا يفهم المشاهد حرفا واحدا مما يقال، وهو ما كنا عشناه يوما على قناة الجزيرة في حوار حول أحداث التسعينيات في الجزائر.

ورحت أسترجع بعض ما كنت تابعته من نقاشات متلفزة حول الأحداث لألاحظ أمرا أراه بالغ الأهمية، ويتركز في أن معظم المدافعين عن التغييرات الانقلابية يستعملون نفس الحجج وأحيانا نفس التعبيرات، بما يكاد يوحى أن الأصل هو مذكرة توجيهية تلقاها الجميع، ولا يملكون الخروج عن فقراتها.

بل إن رئيس الوزراء، وهو الثمانيني صاحب الخبرة الكبيرةندد بالمعتصمين ضد الانقلاب في رابعة العدوية، واصفا إياهم بأنهم (المغرور) بهم، بدلا من (المغرّر) بهم.

ولقد قلت أن نظام مرسي ارتكب حجما من الأخطاء من العسير أن يدافع المرء عنها، ومنها أخطاء ارتكبت باسمه ولا يمكن تبرئته من المسؤولية عنها، حتى عندما يتأكد أنه لم يكن له دور مباشر في تعيين معظم من كانوا يعملوا تحت أمرته.

ولعلي أختار هنا عنصرا ركز عليه كل لاعني الرئيس ومنتقدي سياسته وممارساته، وهو خطاب اعتماد السفير المصري الجديد لدى إسرائيل، والذي أعادني إلى نهاية الثمانينيات، عندما حملت إلى الرئيس غلام إسحق خان خطاب اعتمادي سفيرا للجزائر لدى باكستان، موقعا من الرئيس الشاذلي بن جديد.

فقد فوجئت عندما استهل الخطاب بعبارة : أخي وصديقي العظيم، حيث كنت أعرف أن الرئيسين لا يعرفان بعضهما بعض، ولم يلتقيا على الإطلاق حتى عبر الهاتف، كما حدث يوما بين الرئيس الشاذلي والرئيس ضياء الحق واضطررت فيه للترجمة بينهما، ومن هنا أحسست بحجم المبالغة في اعتبار الرئيس الباكستاني صديقا عظيما للرئيس الشاذلي، لكن الأصدقاء في وزارة الخارجية، حيث تعدّ خطابات الاعتماد، أكدوا لي أن هناك نصا دوليا متفق عليه، وتكتفي كل دولة بوضع الاسم الذي تختاره والبلد الذي تريده.

ولقد كان على الرئيس أن يتوقف عند هذا التعبير أو يرفض التوقيع عليه، ولكن المؤكد أن هناك من قال له بأن الأمر ليست له أية أهمية، لأنه مجرد روتين، لا يقف عنده أحد.

والغريب هنا أن هناك من سرب صورة الخطاب الذي يحمل توقيع مرسي إلى الصحافة المصرية، التي نشرته على صفحاتها للتعريض بالرئيس، وكان مؤكدا أن الصورة لم تتسرب من وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي روجت الخبر.

وراحت البلاد تعيش حجما من الأكاذيب لم يسبق له مثيل، وسارت العناصر القيادية للعملية على ضوء مقولتين إحداها لجوزيف غوبلز، تنصح بتكرار الكذبة إلى أن يصدقها الناس، والثانية لأحمد شوقي الذي قال أن الشعب ببغاء عقله في أذنيه.

وأتذكر تعليقا للمناضل عبد الباري عطوان قال فيه: عندما تتبنى دولة مثل جنوب إفريقيا مع دول الاتحاد الإفريقي موقفا عدائيا من الانقلاب، فإن هذا يعني أن ما حدث بمصر سنة سيئة ومصيبة ليس على مصر ولكن على القارة الإفريقية كلها (..) وحتى لو عملنا ماكياج للانقلاب بثوب مدني فإخواننا الأفارقة لن تخدعهم مثل هذه التمثيليات (..) وتركيا خير مثيل على انقلابات العسكر التي جعلت منها أفشل دولة في العالم.

وكنت قلت في حديث سابق بأنه كان من أخطاء الإخوان المسلمين القاتلة عدم قلبهم لصفحة الخلاف التاريخي مع الرئيس جمال عبد الناصر، وهو الزعيم الذي ما زالت شرائح كبيرة من الشارع المصري تحن لعهده.

وكان هذا عنصرا استثمره مخرج العملية الانقلابية، وهكذا تم تقديم قائد الانقلاب كاستنساخ للرئيس عبد الناصر، وبرز هذا عبر آلاف اللافتات التي حملت صورة الفريق ووراءه صورة جمال، وكان أسلوب الفريق في خطابه الذي طلب فيه تفويض الشعب بأسلوب يقترب من أسلوب الزعيم الراحل، ولم يلفت المخرج نظر الفريق بأن عبد الناصر لم يخاطب الشعب يوما وهو يضع على عينيه نظارات غامقة، تجعله أقرب إلى البلي بوي (play boy) أو عناصر المافيا.

وقال مصري ساخر : افتكرناه جيمس بوند فطلع جيمس دين.

و….لك الله يا شعب مصر الأبي.

 وزير اعلام جزائري سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. بارك الله فيك وفي مقالك المنصف والعادل اصبت كبد الحقيقة وحتى وانت لست من التيار الاسلامي الرجال تعرف بالحق

  2. أمر النخبه العربيه في الغرب عجيب !

    كيف لهولاء النخبه الذين يتمتعون بالحريه والآمان والنهضه في النظام الغربي الليبرالي الا ديني ، وفي نفس الوقت يتمنون ويويدون جماعات دينيه رجعيه بخطابها المظلم لكي تحكم الأوطان العربيه ؟!
    شئ شاذ غير منطقي فعلا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here