مصر التي حلُمت بعيشِ وحريةِ وعدالةِ اجتماعيةِ؟.. فأين ذهبوا؟

د. محمد عبدالرحمن عريف

جاءت البداية تحت شعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” هي جملة أساسية وشعار رئيسي ردده المتظاهرون الذين خرجوا إلى ميدان التحرير وانتشروا في ميادين وشوارع أخرى بجمهورية مصر العربية في ثورة شعبية بدأت يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2011 قاصدين من ذلك تحقيق مطالب مرتبطة بهذا الشعار. ولاقى هذا الشعار رواجاً لدرجة استخدامه في الحملات الانتخابية لمرشحي المجالس النيابية والرئاسة والأحزاب السياسية في مصر.

لقد سقط العديد من الشباب خلال هذه الثورة بعضهم على يد قوات الشرطة والبعض الآخر على يد بعض المأجورين التابعين للحزب الوطني الحاكم. وقد صرح وزير الصحة في وزارة تصريف الأعمال أن عدد الذين ماتوا جراء الثورة حوالي 365 حتى شباط/ فبراير 2011، بينما رجحت مصادر أهلية أن العدد يتجاوز الـ 500 خاصة أنه يوجد بعض الموتى لم يتم التعرف عليهم كما يوجد عدد غير قليل من المفقودين. وأخيراً في الرابع من أبريل من العام نفسه صرح مصدر مسئول بوزارة الصحة أن أعداد الوفيات في جميع المستشفيات ومديريات الصحة التابعة لوزارة الصحة في الأحداث وصلت إلى 384 شخصًا، ووصلت أعداد المصابين إلى 6467 شخصًا، لافتًا إلى أن مكاتب الصحة أرسلت بيانًا آخر يفيد بأن عدد المتوفين أثناء الأحداث في جميع مستشفيات مصر بلغ 840 شخصًا.

كان يوم 28 كانون الثاني/ يناير هو الفاصل في تاريخ الثورة المصرية حيث بدأ عشرات الآلاف من المتظاهرين في الاحتشاد بميدان التحرير, في جمعة الغضب ووقتها أمرت الحكومة المصرية بقطع الاتصالات والإنترنت لمنع المتظاهرين من الحشد ودعوة الشباب إلى الاعتصام بجوارهم في ميدان التحرير وفي نهاية اليوم اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين انسحبت على اثره قوات الشرطة وأمر مبارك بنزول قوات الجيش وفوجئ المتظاهرون بإحدى الدبابات تسير في شوارع القاهرة وعليها شعار إرحل. في نفس اليوم أيضًا تعرض مقر الحزب الوطني الحاكم لاشتعال النيران فيه وهربت أعداد كبيرة من السجناء والمعتقلين في السجون واضطرت الحكومة المصرية لإعلان حظر التجول وفي مساء اليوم ذاته القى مبارك خطابه الأول بشأن الأزمة وقرر اقالة حكومة احمد نظيف وفي اليوم التالي 29 يناير قرر مبارك تعيين عمر سليمان نائبًا له وتكليف أحمد شفيق بتشكيل وزارة جديدة.

استمرت التظاهرات كما هي ولم تفلح تغييرات مبارك في احتواء غضب المحتجين وفي الأول من شباط/ فبراير احتج عشرات الالاف في ميدان التحرير مطالبين مبارك بالتنحي وخرج الرئيس الأسبق ليلقي خطابه الثاني ويعلن فيه عن إجراء تعديلات دستورية، مؤكداً عدم نيته الترشح لولاية رئاسية سادسة بعد انتهاء ولايته في سبتمبر. في 2 فبراير حدثت موقعة الجمل التي اثارت غضبة الملايين من المصريين ضد النظام بسبب وقوع ضحايا فاحتشدوا بشكل كثيف في الميادين واستمرت التظاهرات تزيد يومًا بعد يوم وفي 10 فبراير انعقد المجلس العسكري دون مبارك وبدا الامر أن البلاد تنتظر حدثًا مهمًا وفي مساء ذلك اليوم أعلن مبارك في خطاب أخير له نقل سلطاته إلى نائبه عمر سليمان. في 11 فبراير انطلقت التظاهرات إلى القصر الجمهوري لمطالبة مبارك بالرحيل الفوري وفي تمام السادسة من مساء ذلك اليوم خرج عمر سليمان نائب الرئيس ليعلن في بيان تليفزيوني مقتضب تنحي مبارك وتكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد.

في 13 شباط/ فبراير أصدر المجلس العسكري برئاسة حسين طنطاوي بيانًا قرر فيه تعطيل العمل بدستور 71 وتأكيد المجلس على أنه يتولى ادارة شؤون البلاد بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو حتى انتهاء انتخابات مجلسي الشعب والشورى ورئاسة الجمهورية كما قرر حل مجلسي الشعب والشورى وتشكيل لجنة لتعديل بعض مواد الدستور وتحديد موعد الاستفتاء عليها من الشعب. وهنا جاءت بداية سرقة للثورة.. وإن تمت في مراحل قادمة.

في 19آزار/ مارس وافق المصريون على التعديلات الدستورية التي كانت خارطة طريق للبلاد في المرحلة التالية ومهدت الطريق لإجراء انتخابات برلمانية بحلول أيلول/ سبتمبر وإجراء انتخابات رئاسية بعد ذلك. وظلت البلاد في فراغ سياسي كامل وحكم شبه عسكري يمهد لقتل ثورة مع تغيير تكتيك السيناريو كلما استدعى الأمر، وهكذا سُرق الحلم بالعيش وقبله الحرية وموت للعدالة الاجتماعية.

ماتت الثورة، هذا جواب من فقدوا العزم وظنوا أن الأيام على وتيرة واحدة، وتصوروا أن المعالي بالتمني فلم يريدوا أن يبذلوا صبرًا ولا جهدًا، وقد فُتنوا بما قال خصوم الثورة من أنها لن تتكرر، فلا يزال أنصار الثورة المضادة يهيلون على الثورة التراب؛ ليصرفوا عنها أصحاب الإرادات الضعيفة والأجيال الصغيرة، من أجل ذلك فإنهم يزيدون عليهم كل يوم أعباء جديدة فيدور المساكين فى رحى الشقاء ليل نهار فليس هناك متسع لرفاهية السياسة، ويراهنون على كرّ الأيام وما يتبعها من نسيان، وما يقع فيها من أحداث تطغى على حدث الثور.

نعم قد لا ينسى الناس ذلك اليوم الأغرّ، وتلك الأيام التى تلته؛ ذلك أنها لم تكن حفلاً واختتم، أو سوقًا وانفضّ، بل كانت صاعقة على المفسدين، هزت أركانهم، وقطعت أوصالهم، وتركت آثارها التى لا تمحى من نفس كل أبىّ. وإذا كانت الأمم القديمة تؤرخ لنفسها بالأحداث الجليلة فالحال نفسه يتكرر مع 25 يناير 2011 إذ صار المصريون يؤرخون به؛ دلالة على أن الثورة لا زالت في أعماقهم رغم مرور السنين وتعاقب الأيام. وإذا كان من فقدوا العزم بادعاءات، مثل الثوار فى السجون ولا أحد يعمل للثورة أو يهتم بها، أو أن ما تحقق ضاع ولن يعود، وأن البلد تراجع مائة خطوة للوراء ومن المحال أن يمتلأ ميدان التحرير بالثوار مرة أخرى.

هكذا راهن أعداء الثورة؛ أن يصل الشعب المصري لتلك الحالة من اليأس والإحباط، فيفقدوا الرغبة فى كل شىء، حتى في الثورة التي اعتقد الشعب يومًا أنها تستحق بذل النفس والمال؛ وهذه حرب نفسية تعتمد على هزيمة الخصم من داخله، وإرهاقه بالأقوال والشائعات، وتزييف الواقع وتضخيم قوتهم وإمكاناتهم، وهذه أمور قد لا تفتُّ السالكين دروب النضال والجهاد ضد سارقى الوطن ناهبى الثروات.

نعم مهما بدت الثورة المضادة مسيطرة على مقدرات البلاد والعباد، ومهما بدا الناس منشغلين عن الخروج على الظالمين المجرمين، ورغم تعثر الربيع العربى وعدم نجاحه فى إتمام ثوراته فى البلاد المنكوبة -رغم كل ذلك يبقى التطور الرائع فى وعي الجماهير التى باتت تفرّق بين الحق والباطل، وهو وعي صار متجذرًا، ولم يزل يتطور حتى تستعرّ النار تحت الرماد، وحتى يبقى وهج الثورة وتطلعاتها في نفوس السواد الأعظم من الشعب، وحتى تتوارثها الأجيال الصغيرة التى يراهن أعداء الثورة على تربيتها على أعينهم وتفريغ أدمغتهم مما يمتّ للسياسة والسياسيين بصلة.

مما لا شك فيه أن الموضوعية والحيادية والنزاهة تقتضى من الجميع الآن القول إن ملايين الشباب الذى ثاروا وخرجوا لاستعادة مصر من خاطفيها كانوا فى معظمهم نتاجًا طبيعيًا لحالة الحراك والتفاعلية التى أحدثها أنظمة مبارك حتى الآن، وما دعوة الشباب للتغيير ونزولهم الشارع في مناسباتٍ ليست بقليلة، إلا أنها كانت بالغة الأثر في كسر حاجز الخوف، وهدم جدران الإحساس باللاجدوى. وعليه اكتسبت الجماهير الحالمة بالتغيير مهارة النزول إلى الشارع، ومخاطبة قطاعاتٍ عديدةٍ من الشعب، تفاعلت مع بيان التغيير والمطالب السبعة… فأين هذه المطالب؟. وأين مصر التي حلُمت بعيشِ وحريةِ وعدالةِ اجتماعيةِ؟.

كاتب وباحث في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. من سيعوض حياة القتلى ومن سيحاسب المجرمين ما يخافون الله أما حتى من الفأر هم مرعبون فما بالك لما كانوا الناس خرجوا الشارع تخلصوا من عقدة الخوف والهلع ورثوا في عزة طفولته إن لم أقول قبل الولادة يريدون تحقيق العدل والمساواة وطرد هؤلاء إلى مستنقع أخر يعيشون به إذا لم يريدون المجهول ما يخصهم وهم نهبوا وقتلوا وجرحوا وكانوا سبب القضاء على طموحات وأمال الملايين هم لهم إمكانيات وطاقات و أذكياء ربما أكثر من هم بالسلطة وخدامهم وأصبحوا مواطنون مغتربين في وطنهم مثل عديد الدول العربية الإسلامية وبعدما إنتصروا جزئيا في الثورة من تحقيق بعض الأحلام وطرد لهم الفرعوان بالعصر الحديث أكثر همجية وعنف و أنانية من قبله قبل تحقيق الدستور المحمدي من أجل العدالة والمساواة وهنا أرجع أقول ما دور الدين الإسلامي والمرجعية الدينية بالبلد وهل الجيش العسكري وكل الأجهزة الأمن حماية له والشعب أم التأمر عليهم و خدمة أسيادهم من أجل الحصول على فتات بعد المنح والمكاسب منهم و حتى لو عاشوا مئات السنين إذا لم لم أقول ألف سنة هل سبنجحون في صعود نصف السلم لتحقيقهم ما نجحوا فيه خلال بضع سنوات وعقود أن يصبحوا مثل الملوك و الأمراء والسلاطين ومن أغنى البشر في العالم؟ بعد وافقوا الناس عبر الإنتخابات بتسيير أمورهم السياسية والمالية والإجتماعية من قبل النظام الإسلامي الإخوان وأنا ليس من مؤيد أي جهة وحزب معين حتى لو كانت على أساس علماني ومشاركة المسيحيين معهم وفصل الدين عن الدولة ممكن له قابلية ونجاح بمصر ولا أدري أي الحزب أو النظام الجيد والمشجع بالذهب الشعب إلى المقدمة وتصحيح ما أخطؤوا من قبلهم والتغيير بالستور وبناء الوطن ومطالب كثيرة عند أهل البلد وبعد إختيار لمن يحكموه وموافقتهم في كل شيء يقدم عليه النظام الحاكم والمشاركة لهم والعمل مهم يد واحدة لذالك والنقطة الأخيرة ما يخص من جاؤوا بالإنتخابات بعد الربيع العربي هل إزاحته بالقوة والعسكرة وشوا الخطأ الذي سواه ولماذا لم يحكمون وماذا عن النظام المبارك و عباده والراكعين له أين كانوا العسكر بعد فساد بالبلد و نهب وسرقة أموال وثروات الشعب عار عليه وأخاف من هؤولاء لو تحقق الإرهاب هناك أو حاولت الدولة المحتلة لفلسطين سيطرتها على كم كيلومتر بمصر وتحقيق مستوطنة لم يكون الرد مشرف وهم مازالوا محتلين طبعا ولهم علاقة صداقة ومعرفة وربما أحباب لبعضهم أكثر من أخوهم الدم واللحم والعقيدة الإسلامية. لماذا ورثنا الخوف و الهلع والجهل والتخلف و الأمية والفقر منذ صغارنا وعلينا الطاعة والصمت وعدم تدخل فيما لا يعنينا حتى لو جرحنا أو سبب لنا حالة التشاؤم واليأس ومن قال كلمة الحق والحقيقة يقطع رأسه من أجل ترعيب وتخويف من يبقون والساكت بالنهاية عن هذا شيطان أخرس.

  2. ذهبت أم عمرو على الحمار , فلا عادت أم عمرو ولا عاد الحمار !!!.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here