مصر: الإعلام يتجاهل كالعادة الاحتفاء بذكرى ميلاد الشيخ محمود شاكر وتساؤلات عن الدوافع.. وماذا خسرت الثقافة العربية بتجاهله؟ محمود الربيعي: عالم عظيم من علماء العربية.. أحمد درويش: عالم حفريات جيولوجية في تاريخ التراث واللغة والثقافة العربية يجب الاستفادة من علمه

القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي :

بحلول الأول من فبراير من كل عام، تحل  ذكرى ميلاد الأديب والمحقق الكبير محمود محمد شاكر المولود منذ  أكثر من قرن من الزمان ” ألف وتسعمائة وتسعة ” وتوفي في السابع من أغسطس عام ألف وتسعمائة سبعة وتسعين ، وبرغم قيمة وقامة الشيخ شاكر ، فإن الإعلام المصري أعرض عن الاحتفاء به  كالعادة ، ولم يحتف بالذكرى أحد .

الشيخ  شاكر  عرف بدفاعه  عن الثقافة  العربية في مواجهة التغريب،  وخاض الكثير من المعارك  مع حملة ألوية التغريب والانفتاح على الغرب ، ومن أبرزها معاركه الضروس مع طه حسين  مع لويس عوض.

المحقق الفنان

من أشهر  مؤلفات الشيخ شاكر كتابه ” المتنبي “،” أباطيل وأسمار” ، و ” رسالة في الطريق الى  ثقافتنا ” ، ”  نمط صعب ونمط مخيف” ، وغيرها من المؤلفات القيمة ، فضلا عن تحقيقاته  الفريدة  المتقنة لكتب التراث العربي ،وأطلق عليه عباس العقاد  لقب

” المحقق الفنان ” .

لماذا التجاهل؟

تجاهل الشيخ شاكر أمر متكرر ومعتاد ، لكن الدوافع هي المجهولة ، فما أسباب تجاهل شاكر وأمثاله؟ في الوقت الذي يتم الاحتفاء  بدعاة التغريب ؟

عالم عظيم

الناقد الكبير د. محمود الربيعي يرى أن الشيخ

محمود شاكر عالم عظيم من علماء العربية، وخبير عالى المؤهلات بتراث أمته، ومدافع جسور عن ثقافتها، أخذ الناس عليه حِدَة لغته، ولأنهم لا يتجاوزون السطور إلى ما بينها أو ما وراءها، غفلوا عن علمه الغزير الذى أودعه كتبه، المتنبي، وأباطيل وأسمار، ونمط صعب ونمط مخيف، كما أودعه قراءاته وشروحه فيما نشره من كتب الأقدمين مثل ابن سلاّم، وعبد القاهر، وغيرهما.

وتابع د. الربيعي: “ثم إنه أودع تجربته العاطفية أشعاره الرصينة، كما أودع تجربته الفكرية كتابه الصغير الحجم، العظيم القيمة «فى الطريق إلى ثقافتنا». وكان يفتح بيته لطلاب العلم من كل أنحاء الدنيا، وكانت مكتبته العامرة متاحة للباحثين، يجدون فيها مالا يجدونه فى أى مكان آخر، لا أستثنى مكتبات الكليات، أو مكتبات الجامعات، ثم ولّى هذا الزمان كله، وانتهت هذه المنحة العظيمة المجانية لطلاب العلم بوفاة محمود شاكر.” .

قامة بارزة

 الناقد الكبير د. أحمد درويش يرى أن الشيخ شاكر  علم  كبير وقيمة  بارزة في تاريخ الثقافة والفكر العربي المعاصر، مشيرا الى أنه ينتمي الى  أسرة كريمة من العلماء: الشيخ محمد شاكر والشيخ أحمد شاكر وهم في مجموعهم يمثلون تيارا فكريا محافظا متثبتا قارئا للثقافة العربية  والاسلامية يمثل نموذجا حيا لها.

وتابع د. درويش: “الأستا ذ شاكر عرف  بسعة اطلاعه وعرف بجرأة رأيه وعرف بصلابته في الحق وشدته ، وهي صفات يتفق عليها مناصروه ، ويتفق عليها من لا يتعاطف معه ، وهي صفات ليست جميعا في كل حالاتها مريحة لجلسائه وتلاميذه، لكنها مفيدة وأولها  صفة الجرأة التي ظهرت في حياته منذ كان طالبا في الجامعة يدرس الأدب العربي على يد  طه حسين وخالفه في المسألة المشهورة حول حياة المتني، وصدح الشيخ محمود شاكر الطالب برأيه، وأصر على رأيه ، وناقشه الدكتور طه وأصر الدكتور على رأيه، فترك الجامعة كلها ثمنا لجرأته في القول ، ولم يكمل دراسته في الجامعة ، و ذلك موقف نتفق معه أو نختلف ، ولكنه كان سمة من سماته ، وظل سمة   ملازمة له في الشدة والصراحة حتى مع كبار العلماء الذين يحضرون مجلسه، يجابههم إن هم خرجوا قليلا عما هو معروف في تاريخ العلم ، فلا يتردد في  أن يوجه اليهم  كلاما قاسيا ، لكن ذلك  لا يجعل الشيخ شاكر  يخرج عن جادة الحق   والطريق المستقيم حتى وإن  خرج في رأي بعض الناس عن دائرة الألفة واللياقة ” .

وتابع د. درويش :

” الذي كان يميز الشيخ شاكر  التمسك الشديد برأيه ، فمنذ خالف طه حسين ، شكل رأيا  فيما يقوله الذين  قدموا  من جامعات الغرب، وفيما يقوله المستشرقون  بصفة عامة ، وكان رأيه أن مجمل ما يقولونه لا يقدم جديدا للثقافة العربية ، وفي ذلك نوع من المبالغة فيه جزء من الصواب ، ولكن فيه  إنكار لجهود  قيمة قدمت في خدمة الثقافة العربية، من قبل مستشرقين أخلصوا حياتهم لها دون أهداف  دينية أو  سياسية  ، وإن كان آخرون اختلطت أهدافهم هذه بتلك ،  وظل محمود شاكر على هذا النحو ، وجاء  نفر من  تلاميذه لا  يملكون علمه  الغزير ولا يملكون تثبته ، فاتخذوا موقفا من حملة   الثقافة الحديثة  ، فظلموا الرجل بنسبة هذه المواقف اليه!” .

وتابع د. درويش: “عرفت الشيخ محمود شاكر وأنا طالب في المرحلة الثانوية، قدر لي أن أصطحب أستاذي  السيد أحمد صقر في زيارة للشيخ شاكر بمكتبته عصر يوم جمعة ، فهالنا ما رأينا  مجلس علم

يجلس فيه كبار علماء الأمة ، أذكر من بينهم  ناصر  الدين الأسد وعبد الله الطيب  العالمين الجليلين  الكبيرين من الأردن والسودان، والحوار يدور وكأن شاكر دائرة معارف تعرف كل رأي أين وجد  وفي أي صفحة وفي أي كتاب، وظللنا نتابع آراءه وتحقيقاته، والذي يقرأ مثلا  مقدمة طبقات فحول الشعراء للشيخ  محمود شاكر يدرك أنه يكاد يكون عالم حفريات جيولوجية في تاريخ التراث واللغة  يقدر الجهد الذي يبذله وراء الكلمة أو المخطوطة، وقد يستمر الجهد سنوات طويلة  حتى يصل الى الصورة الصحيحة للمخطوط الذي توزعت أجزاؤه أو تقطعت أوراقه أو ضاعت كلماته، فيجمعها كلمة كلمة، وفسيفساء فسيفساء، حتى يضع لها الصورة العظيمة”.

واختتم د. درويش حديثه قائلا: ” كان  محمود شاكر شاعرا عظيما، وله قصائد عظيمة جديرة  بالدراسة، وكان محققا رائدا وكان أستاذا لجيل يجد كثيرا من التلاميذ  يأنسون إليه، وينبغي أن يستفاد من علمه في إطار ذلك النوع من التوازن، بمعنى أن التابعين لا يملكون شخصيات الرواد أنفسهم، فلا  ينبغي أن يذهبوا مذاهبهم  للمبالغة، وإنما عليهم أن يستفيدوا من علمهم، وأن يحتفظوا بتراثهم ، وأن يقابلوه بالآراء الأخرى لكي يتكون  الرأي  الصواب في نهاية المطاف”.

ماذا خسرت الثقافة العربية بتجاهل أمثاله؟

برأي الشاعر المصري  فتحي عبد الله ، فإن الثقافة العربية خسرت صوتا مهما بتجاهل الشيخ شاكر، وأصبح عملاء الاستعمار هم الموجودين  على الساحة الثقافية  المصرية .

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. اتفق مع رأي الدكتور أحمد درويش . رحم الله الشيخ محمود شاكر

  2. العلامة محمود محمد شاكر ليس في حسبان السلطة الجاهلة التي تحكم بالحديد والنار منذ خمس وستين سنة. فهي لا تقبل به ولا بفكره ولا بااتجاهه، ولا من يشاطرونه هذا الفكر. العسكر الانقلابيون الجهال، اعتقلوه في الستينيات، وجلدوه، وعذبوه، دون جرينمة . ثم تجاهلوه حتى وفاته، ولكن دولة عربية منحته جائزتها الكبرى،فوقف أمام الحاكم وألقى خطبة غير مسبوقة في الجرأة والشجاعة وسلامة الفكر واللغة، وهو ما فرض الحظيرة الثقافية أن تداري سوءتها، فمنحوه جائزة الدولة التقديرية، بينما منحوا كاتبا طبالا هشا جائزة الدولة الكبرى التي كانوا يسمونها جائزة مبارك.
    الحظيرة الثقافية التي أنشأهاا الحكم العسكري لا تهتم إلا بمن يحمل الدفوف للنظام الفاشي الإرهابي،ولهذا تكثرم من تكريم الطبالين والمنافقين والأفاقين والمهرجين ومن يمسكون العصا من الوسط، وقبل هؤلاء وبعدهم من يكرهون الإسلام ويرفضونه.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here