مصر: احتفاء بالغ بالراحل الكبير نجيب سرور بعد الإعلان عن رحيل ابنه الحزين مغتربا..محبوه ينشرون وصيته المؤثرة ل” شهدي”.. عبد المنعم رمضان : مات بداء كراهية السلطة .. الصباغ: مثقف وطني تعرَّض لأحط أنواع الخيانة والتنكيل من كل الجهات

 

 

القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:

احتفى محبو الشاعر المصري الراحل نجيب سرور بروحه اليوم، بعد الإعلان عن وفاة ابنه “شهدي ” مغتربا في أحد مستشفيات الهند بعد معاناة مع مرض السرطان.

كثيرون اعتبروا الرحيل المأساوي لابن نجيب سرور مناسبا لتاريخ أبيه المأساوي الذي قال كلمته ولم يبال بغضب السلطان الجائر. 

الاحتفاء بسرور الأب جاء تعاطفا معه ضد جهات كثيرة نالت منه طيلة حياته ،ولم تأخذها به رأفة ولا رحمة. 

الوصية 

محبو سرور أعادوا نشر وصية الأب للابن، التي قال فيها:

“بعد التحية يا شهدي والذي منه  هاوصيك وصية تصونها زي نن العين  يا بني بحق التراب وبحق حق النيل  لو جعت زيي ولو شنقوك  ما تلعن مصر اكره واكره واكره بس حب النيل  وحب مصر اللي فيها مبدأ الدنيا دي مصر يا شهدي في الجغرافيا ما لها مثيل وفي التاريخ عمرها ما كانت التانية”.

سرور وبليغ!

الشاعر المصري عبد المنعم رمضان قال: “في الأسبوع الماضي وقعت في يدي-مصادفة- روايتان لطلال فيصل إحداهما عن نجيب سرور بعنوان (سرور) والأخرى عن بليغ حمدي بعنوان(بليغ ) وكأني كنت أتجهز لخبر رحيل ابنه شهدي مغتربا”.

وتابع رمضان لـ “رأي اليوم”: “كنت مع نجيب سرور بعيني طلال فيصل، أنا لم أعرف نجيب سرور شخصيا، رغم أنه كان يتردد على الأماكن التي كنت أتردد عليها، (أسترا ) أحد الأماكن التي كان يظهر فيها نجيب سرور بكثرة وهي تحولت الآن إلى مطاعم ومقاه مواجهة للجامعة الأمريكية وسط القاهرة، وأيضا كان يتردد على مقهى ريش. “.

وتابع رمضان: “كنت متحفظا في فترة من فترات حياتي عليه بسبب أدونيس ومحمد عفيفي مطر ،وكنت متحمسا له في فترة من الفترات بسبب ما كتبه عن أبي العلاء المعري وهو قديس نجيب سرور الذي يستشهد به دائما ،والذي يتحول معه إلى شخص جاد لا يهزل ويتوقف عن البذاءة المعهودة في كلامه إذا نطق اسم المعري.”

وتابع رمضان: “كان نجيب سرور يحترم أبا العلاء احتراما شديدا ،ويزعم أنه هو الشاعر (بلام التعريف)

وتابع رمضان: “شعره لم يصادف هوى كثيرا عندي، ولم أعرفه شخصيا، ولكنني أظن أنه مات بداء كراهية السلطة ، وحظه كان طيبا، لأنه عاش في أيام كانت السلطة فيها رغم بشاعتها أخف وطأة!”.

واختتم عبد المنعم رمضان حديثه قائلا: “مما يؤسف له أن الناس أغلبهم- خاصة الأجيال الجديدة- لا يعرفونه إلا عن طريق (ال…ميات) وهي معرفة ضارة أكثر منها نافعة.

نجيب سرور موجود في مكان آخر خارج (ال..ميات) لكن الأغلبية تعرفه داخل ال..ميات ،ومع ال..ميات إما أن تكرههه، وإما أن تحبه، وإما أن تبتذله ، فال… ميات تدفعك إلى موقف حاد من نجيب سرور بالكراهية أو الحب وهو موقف في النهاية ليس صحيحا”.

أشرف الصباغ كتب معلقا على وفاة شهدي نجيب سرور: نجيب سرور… فارس الميثولوجيا المصرية…  (يا نابشا قبري حنانك.. ها هنا قلب ينام.. لا فرق من عام ينام وألف عام.. هذي العظام حصاد أيامي.. فرفقا بالعظام.. أنا لست أحسب بين فرسان الزمان.. إن عد فرسان الزمان.. لكن قلبي كان دوما قلب فارس.. كره المنافق والجبان .. مقدار ما عشق الحقيقة.. قولوا لدولسين الجميلة.. إخطاب قريتي الحبيبة.. هو لم يمت بطلا .. ولكن مات كالفرسان بحثا عن بطولة.. لم يلق في طول الطريق سوى اللصوص.. حتى الذين ينددون كما الضمائر باللصوص.. فرسان هذا العصر.. هم بعض اللصوص).

وتابع الصباغ: “من لم يقرأ نجيب سرور أو يطَّلِع على سيرة حياته، فقد أفلت ومضة إنسانية وإبداعية مصرية خالصة. ومن لن يقرأ أعماله أو يفوِّت سيرته، يمكن أن يفقد أحد بوصلات الثقافة الوطنية المصرية بجذورها الشعبية.

هذا هو نجيب سرور (1 يونيو 1932 – 24 أكتوبر 1978) المثقف الوطني الذي تعرَّض لأحط أنواع الخيانة والتنكيل من كل الجهات، بما فيها مجموعات بعينها من مثقفي اليسار وساسته. وفي المقابل، كان من الطبيعي أن يطرحوا عملات رديئة وفاسدة ويمنحوها قيمهم لمواجهة المثقف الوطني الحقيقي ذي الجذور الشعبية.”.

وتابع الصباغ: ” تجربة نجيب سرور الإبداعية والحياتية تكاد تكون متفردة من حيث النسق. لأن الكثير من المبدعين المتمردين كانت لديهم قنوات أخرى في بلادهم أو في دول أخرى للدعم والمساندة. وكثيرون من المبدعين المتمردين، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ما طرحوه، حصلوا على جوائز عالمية، ومن ضمنها نوبل، رغم القمع والتجاهل اللذين عانوا منهما في بلادهم. لكن نجيب سرور كتجربة متفردة خرج إلينا من “بطن الأرض” شاهرا سيفه في مواجهة الكذب والخداع والتضليل والتزييف، منحازاً لأسطورته الشعبية المصرية ولناسها الذين يرددوها ويؤمنون بها ويعيشون عليها.

لا أحد يستطيع أن ينفي أو ينكر أن الأحزاب الشيوعية العلنية والسرية لم تكن تعاني من تناقضات وصراعات وحروب داخلية لا تختلف كثيرا عن الصراعات الموجودة بين أجنحة الأنظمة السياسية الرسمية نفسها. ولا يستطيع أحد أن يخدعنا بأن التنظيمات اليسارية السرية والعلنية لم تكن ملغومة، ولم تكن تضم الجيد والسيئ والوطني والمخبر. هذا ينطبق أيضا على كل المجموعات والتجمعات، والقضايا الوطنية، بما فيها القضية الفلسطينية، وكافة قضايا التحرر الوطني.

بعيدا عن كل الانطباعات الخاصة عن نجيب سرور، وبعيدا عن كل ذكريات ومذكرات معاصريه، وبعيدا عن القداسة والتقديس، أو تحويله إلى أسطورة، فقد كان، وما زال، يمثل تركيبة ذهنية إبداعية إنسانية متفردة. وربما يكون هذا التفرد، إلى جانب قدراته الفنية الإبداعية المتنوعة في الشعر والترجمة والتمثيل والإخراج والكتابة والنقد والبحث الفني، هو أحد أهم أسباب تلك العدوانية التي انصبَّت عليه من جميع الجهات: تعقُّب الأجهزة الأمنية، حقد الكثيرين من الأوساط السياسية، وشايات المقربين منه وخيانتهم، ممارسة أحط أنواع التشكيك فيه وفي شخصيته…..

لقد مارس الكثير من المثقفين والساسة، عربا ومصريين، أسوأ سيناريوهات الأجهزة الأمنية وألاعيبها ضد البشر. ومن الواضح أن كل تلك التصرفات والانحطاطات شغلت نجيب سرور وأثَّرت فيه، ومع ذلك تمكن خلال عمره الإبداعي القصير أن يترك لنا رصيدا متنوعا من الأعمال الإبداعية. هذا الرصيد ليس مجرد أعمال إبداعية من حيث الكم والكيف والحجم، بل يمكن أن نطلق عليه بثقة “مصدرا” للإبداع. أي قاعدة ارتكاز وانطلاق كتراث يمكن أن ننهل منه ونصيغ وننوِّع. أو بمعنى أوضح، ترك لنا “مصدرا” للإبداع، لأنه لم يستلهم التراث فقط، وإنما خلق تراثا جديدا يمكن الاعتماد عليه في أعمال فنية أخرى. وهذه هي سمات المبدعين الكبار الذين يعتمدون على تراثهم، ثم يعيدون إنتاجه، وبعد ذلك يخلقون تراثا جديدا.

لقد تمكن الأفراد القلائل الذين آمنوا بإبداعات نجيب سرور من دعمه ومساعدته والحفاظ على ما أنتجه، ونجحوا في الالتفاف على “المؤسسة” و”النظام” في فرض بعض أعماله على الرغم من الحملات الأمنية والثقافية – الأمنية ضده وضد أعماله والتشكيك الدائم فيه. وسوف يرتبط اسم نجيب سرور بهيئة “الثقافة الجماهيرية” تحديدا، لأن بعضا من رجالها المثقفين المؤمنين بقيمة ثقافتنا الشعبية والوطنية وضعوا أعمال سرور على قائمة أولوياتهم، وتحايلوا والتفوا على كل الأجهزة الرقابية والمباحثية لكي يطرحوها على المصريين بأشكال مختلفة وعروض مسرحية متنوعة.”.

واختتم الصباغ حديثه قائلا :هناك مبدعون متمردون لم تكن الأنظمة السياسية تتحملهم، ولكن مع الزمن، ومع تقدم السن، حدثت عمليات تدجين غير مباشر لا شأن للمبدع بها. وكثيرا ما تجاهلت الأنظمة والمؤسسات الكثير من المبدعين في المراحل التي كانت تمثِّل ذروة إنتاجهم الفني والأدبي. وبعد أن هدأت الأمور، وتبدلت الأنظمة شكليا فقط، انتبهوا لهؤلاء المبدعين، وحاولوا استخدامهم بأشكال مختلفة عبر منح الجوائز أو التركيز الإعلامي أو الاهتمام السياسي الذي يعطي الضوء الأخضر لوسائل الإعلام بضرورة الاهتمام بالمبدع “العجوز”. ولكن كل المؤشرات تؤكد أن نجيب سرور لو كان العمر قد تقدم به ودخل في هذا الاختبار، لكن قد فشل وأفشل كل من فتح له قنوات التدجين.

و”التدجين” هنا، يجب أن لا نتعامل معه وكأن المبدع قد أصبح عميلا للمخابرات أو مخبرا لأحد أقسام الشرطة، أو أنه تنازل عن مواقفه أو بدَّل آراءه إلى النقيض. كل ما في الأمر أن التدجين هو عملية معقدة مرتبطة بالزمن وبتغيير “أنظمة المؤسسة” مع احتفاظ تلك المؤسسة بأولوياتها، وربما حفاظها على كل سياساتها الفظيعة والبشعة وأدواتها المرعبة. ولكن تغيير النظام ضمن الخط العام للمؤسسة يمثل شكلا من أشكال الخداع والتضليل الناعمين اللذين يمكنهما خداع أي إنسان أو مبدع. كما أن “التدجين” مرتبط أيضا باستحداث بدائل للمبدع، أي ببساطة طرح “عملات” رديئة في سوق الأدب والفن والترويج لها من أجل منافسة “العملات الجيدة” مع التضييق على الأخيرة وكتم أنفاسها ماديا والتعتيم عليها إعلاميا، وربما تشويهها عبر حملات ممنهجة. وفي الوقت نفسه، تسمح المؤسسة بهامش لحركة “المبدع” لتجميل وجهها من جهة، ولاستخدام ما يناسبها من إبداعاته من جهة أخرى، لكي تزيل عن وجهها الظلم والتجهيل والقمع والدماء، وتغسل ضميرها من أجل تجهيزه لقاذورات جديدة.

المبدع أيضا إنسان. وهو ككل إنسان، تحدث له إزاحات وانزياحات بفعل الزمن والتقدم في العمر، وبفعل الصراع في المجال والوسط مع نظرائه أو مع ما يتم طرحه من “عملات رديئة” لتصعيد الصراع والغيرة والحقد من أجل “تدجين” الخارجين عن الخط العام، وعن السياسة المرسومة، وعن “المؤسسة”.

نجيب سرور كان خارج “المؤسسة”، متمردا عليها وكاشفا لها، وفاضحا لتوجهاتها وسياساتها

اللا إنسانية. وكان أيضا خارج المؤسسة المزيفة للمجتمع المزيف. وربما هذا أيضا أحد أسباب ذلك العداء المحكم، والخيانات والوشايات المتواصلة التي مورست ضده على المستويين الشخصي والإبداعي. وبالتالي، وبعد ما يقرب من ٤٠ عاما على رحيل “مبدعنا” نجيب سرور نكتشف ليس فقط قيمة أعماله، بل وأيضا قيمة تجربته الشخصية والإنسانية العامة، ومواجهته للكذب والنفاق والانتهازية، وارتباطه “الجذوري” بالثقافة الوطنية المصرية ذات الجذور الشعبية. كل ذلك يصنع منه ومن أعماله “رأسمالا رمزيا” لثقافتنا الوطنية والشعبية، ويمنحنا الطاقة للرفض مهما مورست ضدنا 

أبشع الجرائم حتى من أصدقائنا وأقاربنا.”.

وكتب علي الخولي معلقا: ” ‏نهاية شهدي نجيب سرور مش بس نهاية معبأة بروح الهزيمة ومليانه بمشاعر القسوة والاغتراب.. نهاية شهدي النهاردة نهاية واقعية جدا واستشراق لجيلنا في الشتات.. السلام والطمأنينة والمحبة لروحك يا شهدي”.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ما علاقة أشرف الصباغ بالحركات الشيوعية السرية؟ ما الذي يعرفه عنها؟ كفى ادعاء وتعالمًا. وما معنى ما يقوله عبد المنعم رمضان أن نجيب سرور مات بداء كراهية السلطة؟ ألم تطارده السلطة وتزج به في مستشفى للأمراض العقلية، بعد أن ادعت عليه الجنون؟ ألم تفصله من عمله بالمعهد العالي للفنون المسرحية؟ هل كان على نجيب سرور أن يتسامح مع النازية الناصرية التي لم تُوفِّرْ أحدًا؟ عبد المنعم رمضان يُريد أن يُجرِّم أي عداء للسلطة التي يغرق في أطايبها. ولا أنسى يومَ جاء أدونيس إلى مصر ، وطلبَ مقابلة فاروق حسني ليكلِّمه عن رمضان، ويُوطِّد صلته به. هناك ملاحظة مهمة: ألا يوجد في مصر شاعر غير عبد المنعم رمضان ليأخذ محمود القيعي رأيه في الشعر والشعراء؟ وما السر الكامن وراء إصرار محمود القيعي على فرض عبد المنعم رمضان علينا في أي تحقيق صحفي يُجريه؟

  2. الشيوعيون محظوظون. يجدون من يهتم بهم في حياتهم وبعد مماتهم. أما المسلمون فلا أحد يذكرهم مهما جرى لهم إلا في مجال الهجاء.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here