مصدق مصدق پور: لماذا استبدال الجنرال سلامي للجنرال الجعفري في قمة الحرس الثوري الايراني وفي هذا التوقيت؟

 

مصدق مصدق پور

مرة أخری یتصاعد  التهریج الاعلامی الصهیوغربی والخلیجی فی عوالم وفضاءات الوهم والخیال ..

 وهذه المرة ، المادة التي استخرج منها هذا الاعلام خيوط نسج فبراكته : قرار المرشد الاعلى للثورة الاسلامية في ايران السيد الخامنئي  بتعیین قائد عام جدید للحرس الثوري الايراني وهو اللواء حسين سلامي ليخلف القائد السابق اللواء جعفري ..

الزفير الاعلامي لتسويق هذا الخبر كان مغايرا حتى لقاعدة ترويج الكذب بالطريقة المدروسة ، وما نفثته هذه الابواق والاقلام المأجورة من اكاذيب ومغالطات للواقع وحقيقة القرار العسكري الايراني كانت من التفاهة والضحالة بحيث تحولت الى إضحوكة ومثار سخرية :

اولا – قائد الحرس الثوري السابق اللواء جعفري لم يقال من منصبه كما ان التعيين الجديد لايمت بصلة الى ” تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية الحرس الثوري على قائمة التنظيمات الإرهابية ” ولايعتبر خطوة مفاجئة وانما تم ذلك وفقا لاجراءات التعيينات والإعفاءات في المناصب والوظائف العسكرية العليا التي تتم في ايران كل عشر سنوات مرة واحدة علما انه تم في العقد الاول من الثورة الاسلامية تغيير اكثر من خمسة قادة للحرس الثوري حسب مقتضيات المصلحة العامة التي يحددها قائد الثورة الاسلامية الذي يقف طبقا للدستور في هرم المؤسسة العسكرية في البلاد .

ثانيا – نفهم من رسالة الشكر التي وجهها السيد الخامنئي الى القائد العام السابق اللواء محمد علي جعفري وتعيينه “مسؤولاً لمقر بقية الله الثقافي الاجتماعي ” ان هذا التحول لم يكن اقالة  بل جاء منسجما مع رغبة الاخير في العمل في السلك الثقافي والاجتماعي وممارسة الدور في ميدان الحرب الناعمة التي لاتقل اهمية عن الحرب الصلبة حيث نقرأ في نص الرسالة : ” نظراً لرغبتك في التواجد بالحقل الثقافي ولعب دور في الحرب الناعمة، ونحن اذ نثمن جهودك الجديرة طيلة فترة توليك لمهام قيادة الحرس الثوري قررنا تعيينك مسؤولا عن مقر بقية الله الثقافي والاجتماعي .

واقع الحال ان اللواء جعفري لم يكن يخفي رغبته في العودة الى ممارسة الدور في الحرب الناعمة التي تعتبر من اهم استراتيجيات الحرس الثوري وقد تكشفت هذه الرغبة من خلال تصريحات متعددة حيث اشار في اكثر من تصريح الى تنامي قدرة القوة الناعمة للاسلام في مناطق عديدة من العالم وخاصة في غرب آسيا. وقال بان هذه الحركة العظيمة تبشر ببداية مرحلة جديدة، ومن الطبيعي ان هناك توقعات اكبر من الثورة الاسلامية في هذا الاطار. وقد نجح اللواء باقري بامتياز طيلة فترة توليه قيادة الحرس الثوري في تعزيز القوة الناعمة الايرانية من خلال انشاء العديد من المراكز والمؤسسات التابعة لقواته وبالتالي كان قرار قائد الثورة الاسلامية السيد الخامنئي في المرحلة السابقة بتعيينه قائدا للحرس الثوري بدلا من اللواء محسن رضائي قرارا صائبا ودقيقا حيث لم تكن مثل هذه الخبرة والكفاءة في مجال الحرب الناعمة متوفرة لدى سلفه . واليوم عندما يعاد باللواء جعفري ثانية الى مجال تخصصه الرئيسي فهذا يعني بوضوح عزم العقل العسكري الايراني على تأسيس قدرات تحاكي حجم التحديات الماثلة . فان الحروب الناعمة التي خاضتها ايران لعبت دورا كبيرا في تحويل ايران الى كيان ابعد من جغرافيتها وافشلت الكثير من مشاريع امريكا وحلفائها وعملائها في المنطقة واسست لمحور مقاوم يمتد بطول وعرض الشعوب وليس الدول . فخلافا للاستراتيجية الامريكية التي تحتل الدول بقوة السلاح لتطوع شعوبها وتعتمد منطق القوة فان ايران تعتمد قوة المنطق وتحتل قلوب الشعوب التي تفتح بدورها ابواب بلدانها امام النفوذ والتوسع المعنوي الايراني لكن خصوم ايران ادركوا هذه الحقيقة ولهذا لجأوا الي تغيير قواعد الصراع في محاولة واعتقد انها ستبقي يائسة لتقويض  هذا الانجاز الايراني من خلال العودة الى قواعد الحرب الصلبة والتقليدية . من هنا قررت القيادة الايرانية ان يكون على رأس حرسها الثوري رجل الحرب الصلبة مع الاحتفاظ بالتقدم على جبهة الحرب الناعمة وتوسيع دائرة المؤسسة التي تقودها حسب الاطروحة التي يقدمها اللواء جعفري . الان نستنتج مما سبق ان هذا القرار العسكري الايراني لم يكن تراجعا او تحسبا لامر تخشى  ايران عاقبته وانما هو بامتياز تقدم ووليد استحاق مستقبلي.

ثالثا : حسب المعلومات التي تسربت بشكل طبيعي من قيادة الحرس الثوري كان مقررا ان يتم هذا التغيير في القيادة العليا للحرس قبل حوالي ثلاثة أشهر اي قبل العام الايراني الماضي الذي يمضي عليه اليوم حوالي شهرين الا ان وقوع السيول وضع المؤسسة العسكرية الايرانية بشقيها الجيش والحرس الثوري امام استحقاقات أهم بعد تكليف المؤسسة العسكرية مهمة مهام الاغاثة والانقاذ لمتضرري السيول، الامر الذي ادى في نهاية المطاف الى إرجاء صدور هذا القرار .

رابعا : بغض النظر عن ان قرار تعيين قائد جديد للحرس الثوري جاء في اطاره الطبيعي والمنطقي لكنه يحظى ايضا باهمية بالغة في اطار المصالح الوطنية العليا لايران لمواجهة التحديات القائمة . وخلافا  لما ذهب اليه البعض عن جهل او عمد  لم تكن الاقالات والتعيينات الجديدة داخل مؤسسة الحرس الثوري بهدف وضع نهاية للصراعات بين اجنحة النظام الاسلامي  في ايران لاسيما فيما يتعلق بالعلاقة بين الحرس والحكومة من خلال انهاء سيطرة الجيل الاول وحتى الجيل الثاني للثورة على الحرس  من هنا يمكن القول ان هذا القرار يجمع بين دفتيه المتطلبات الطبيعية ومقتضيات المصلحة العامة وما بينهما من الاستحقاقات .

خامسا: فسّر البعض “تهنئة الرئيس الإيراني حسن روحاني، تعيين حسين سلامي لمنصب القائد العام لقوات الحرس الثوري، واعرابه عن أمله بأن تشهد الحكومة والحرس الثوري علاقات أفضل خلال فترة مسؤوليته” وكأن خلافات كانت قائمة بين الحكومة والحرس الثوري وان الرئيس روحاني بات يعلق آمالا على القائد الجديد للحرس الثوري لانهائها واستند اعداء ايران لتسويغ نظريتهم الخاطئة هذه وبيان سبب ارتياح وترحيب الرئيس روحاني بهذا التغيير الى ان اللواء حسين سلامي على عكس اللواء جعفري لم يكن منخرطا في الصراعات بين أجنحة النظام الإيراني وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة والتعامل بين الحكومة والحرس الثوري . ابسط ما یمکن ذکره هنا لدحض هذا التأویل الخاطئ هو مراجعة التعيينات السابقة لجميع قادة الحرس الثوري ؛ التي لم تخلو من رسائل تهنئة من رؤساء الجمهورية طبقا للضوابط والاعراف المتداولة ليس في ايران فحسب بل في جميع دول العالم .

سادسا: من دون شك ان هذا التحول المتزامن مع التصعيد الامريكي والاسرائيلي وادواتهما الاقليميين وفي مقدمتهم حكام السعودية واعلان الحرس الثوري تنظيما ارهابيا يعكس بوضوح رغبة جادة لدى القيادة الايرانية العليا للتأهب من اجل مواجهة تحديات المرحلة المستقبلية فالمعروف عن اللواء سلامي هو رجل الميدان والقيادة العسكرية ويعرف بتصريحاته النارية ضد سياسات الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي حيث ذهب في الشق الاخير الى تأكيد العزم على إزالة “إسرائيل” من خريطة العالم. وأمضى اللواء سلامي الدورات التدريبية في کلية القيادة والأرکان، وتخرج في الإدارة الدفاعية من الجامعة الإسلامية، كما يعد قائد الدورة العليا لحرب السنوات الثمان التي  اشعل فتيلها “صدام حسين” بتمويل مالي خليجي وتعاون تسليحي واستخباري امريكي وغربي وسوفياتي ايضا.

وتبوأ سلامي مناصب عدة، منها مساعد عملية الأرکان العامة في الحرس الثوري، وقائد سلاح جو الحرس الثوري، وعضو هيئة التدريس في الجامعة العليا للدفاع الوطني، وأخيرا نائب القائد العام للحرس الثوري منذ العام 2009. وطالب السيد الخامنئي القائد الجديد للحرس الثوري بتعزيز القدرات الشاملة للقوات، والاستعدادات بكافة القطاعات، بما فيها النواة الداخلية للحرس الثوري ، بالإضافة إلى التوسع في تطوير المرافق المعنوية وتعزيز الخبرات والثقافة للقوات، وأن يتخذ الحرس الثوري خطوات نحو التكامل والتطوير الشامل.

باحث استراتيجي ايراني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. دائما يفسر الاعداء الاحداث وفق امزجتهم معتمدين الحرب النفسية في التحليل وسيلة لتوهين الخصم او اثارة الاخرين ضده لكن هذه التفسيرات القائمة على الحمق لم تحقق نتاىجها بل ورجعت على اصحابها بالخيبة والفشل. والمشكلة اليوم ليس بالجهة الشيطانية التي فشلت في كل الميادين بل المشكلة في الاذناب الذين لم يعتبروا بعشرات الشواهد والاحداث الدالة على فشل الاسياد في اساليبهم ولهذا واصل الاذناب الهجوم والانسياق مع الشيطان الاكبر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here