مشير الفرا: هل نمارس العنصرية ولا ندري؟

 

مشير الفرا

  في حديثه للصحافة البريطانية؛ قال المتحدث السابق للبرلمان البريطاني “جون بيركو” في رده على منتقدي مذكراته الشخصية إن هناك من يريدون “تسويد اسمي (Blacken my name)، تمر استخدامات عنصرية كهذه مرور الكرام لأن الناس تعودوا عليها. حتى بين بعض من  يقاومون العنصرية؛ وتاريخهم واضح في هذا؛ لا يرون ضيراً في إصطلاح كهذا ؛ كونه أصبح دارجا.

 وعندنا لا نرى ضير اً في قطاعات كبيرة من مجتمعاتنا أن نشير لإخواننا واخواتنا من أصحاب البشرة السوداء ب-” العبيد ” ؛ فيخاطب احدهم أخراً : اتعرف فلان؟؛ لا ؛ ياراجل؛ العبد؛ نعم أعرفه،  وعندما تواجه بعضهم ؛  ولا أشك في النية بل الممارسة البغيضة؛ يأتيك الجواب الساذج: أنا لا أقصد أبداً؛ ماذا تعني لا أقصد ؟؟ ما المعني الحرفي  لكلمة عبد؟؛ ومن أين إشتقت هذه الكلمة؟

 البعض الآخر يرد بالهجوم : أنتم لاشاغل لكم إلا النقد : يا رجل كلنا عبيد الله! ولا تقتصر هذه الممارسة العنصرية على المخاطبة بل تتعداها ويومياً للإشارة لكل شيء سيئ بالسواد ؛ ليلتك سودة ؛ الله يسود وجهك ؛ وتمارس المسلسلات والأفلام هذه العنصرية بكل بكل وقاحة وتمررها جيلاً بعد جيل؛ مثلاً: في الفيلم  الشهير “صعيدي في الجامعة الأمريكية” يخاطب الممثل محمد هنيدي بائعة الهوى سوداء البشرة قائلاً:  ليلتك سودة زي وشك !!! ومرة أخرى تمر هذه الإشارة العنصرية وغيرها  مرور الكرام؛ ناهيك عن الإستخدام السيئ لأصحاب البشرة السوداء كبوابين في الأفلام القديمة والسخرية من لهجتهم.

 ويشمل هذا المثقفين  للاسف; دهشت منذ عدة اعوام:  قرأت قصيده  للشاعر الشعبي الكبير ؛  أسود البشر،  المرحوم عبدالرحمن الأبنودي والتي تقول أحد أبياتها: ” ولابد من يوم تترد  فيه المظالم  —  أبيض على كل مظلوم أسود على كل ظالم “!!!  بالطبع لا أشك لحظة أن الأبنودي يقصد أن يكون عنصريا ولكنه مارسها دون أن يدر ؛ والحجة : لا أقصد والكل يستعمل هذه المصطلحات ولا داعي ال-” التحبيك !!!” ؛

 تماماً كما يقول الغربيين عند إستعمال مصطلح ” اللائحة السوداء ”   ” ولكن اللائحة السوداء لا تشير إلى السود بل إلى الأشخاص الممنوعين وسميت هكذا لأن الحبر  الذي كتب به أول من أوجد الإصطلاح  كان لونه أسود”  .  عذر غير مقنع في رأيي المتواضع  .  مع تنامي العنصرية يجب أن ننتبه لتسميات كهذه ؛ لماذا ترتبط لائحة المجرمين أو المنوعيين باللون الأسود ???؛ لماذا لا تسمى بتصنيف الممنوعين  بحسب جرمهم أو مخالفتهم .  نفس الشيء ينطبق على فرز المنتجات :  هذا يبيض ومعناها جيد وهذا يسود ومعناها رديء الجودة … ونشهد كثيراً إستعمال القصيده العنصرية البغيضة لأبو الطيب المتنبي  التي يهجي فيها كافور الإخشيدي ؛ أسود البشرة ؛ والتي يشيرون إليها ليس فقط كونها  ضد العبيد بل من يكونوا في حالة خلاف شديد معهم : ” لا تشتر ألعبد  – – – إلى أخر البيت”..  نفس الناس الذين ينكرون أن إستخدام كلمة العبد ؛ لوصف أصحاب البشرة السوداء ؛ فيها عنصرية ; يستشهدون بأبيات المتنبي السيئة !!!!

الموضوع بساطة شديدة وبعيداً عن المزايدات : هناك مئات  الملاييين من البشر في أفريقيا والعالم كله من أصحاب البشرة السوداء ولو لم ندرك أن إستخدام مصطلحات كهذه يؤلمهم و يسيء لهم  ؛ فهناك خلل واضح في تعاملنا الإنساني مع بعضنا البعض.

 حتى نستطيع مقاومة العنصريه بمصداقية في كل مكان ؛ بما فيها العنصرية البغيضة ضد العرب والمسلمين ؛ علينا  أن نقاومها في أوساطنا .  ما المانع مثلاً أن نستبدل مصطلح ليلتك سودة كبداية بليلتك كحلي ؟؟ لا يوجد بشر لونهم كحلي ولن يسبب هذا   أي إساءة لأي بشر أو يا خيبة الوجه بدل يا سواد الوجه !!!!

ولا تقتصر ممرساتنا اللفظية العنصرية ” والتي نتفق أن الكثير يرددونها براءة و- دون إدراك ”  على  استخدامنا الخاطئ لمصطلح العبيد ؛ هناك الخطأ العنصري الكبير في الإشارة لسكان أمريكا الأصلييين ب “ألهنود الحمر ” ؛ تخيلوا اننا نستخدم مصطلح اطلقه المستعمر الأوروبي الأبيض على سكان البلاد الأصلييين الذين شردهم وتسبب في إبادة 100 مليون منهم ” نعم مئة مليون” أما عن طريق الأمراض التي جلبها المستعمرون معهم أو القتل الوحشي .

كيف يمكن أن نتماهى مع  هذه التسمية العنصرية ألاستعمارية ونحن ضحايا نفس الإستعمار ؟؟  المؤلم أن اعلامنا ؛ صحف؛ إذاعة وفضائيات يستخدم هذا المصطلح بإستمرار دون إدراك.

هذا عدا التمييز المدمر للنسيج الإجتماعي بيننا ؛ هذا فلاح ؛ وذاك مدني ؛ مواطن ولاجئ ؛ ثم التفرقة بناءً على الدول والحدود التي رسمها الإستعمار ؛ و أخيراً أقذر ما في الرزمة:  الطائفية ؛ الدينية ؛ مسيحي ؛ مسلم ؛ سني شيعي إلخ. ما الضير  أن نبدأ بتعليم  ابنائنا وبناتنا الصغار البديهيات:   التسميات الصحيحة؛ هذا بلا شك سيساهم في بناء فكرهم المستقبلي الذي نأمل ألا  يكون عنصريا :من الخطأ الكبير الإشارة للاسود بالعبد؛ لا يوجد شيء إسمه الهنود الحمر ؛   الأمريكان الأصلييين  Native Americans أو الأمة الأولى First Nation .

إن كنا نطمح في مجتمعات يعمها السلام والمساواة فواجبنا أن نرسخ  في عقول أطفالنا أنه من اللا انساني  إتخاذ مواقف سلبية من أي بشر بناء على خلفيتهم المناطقية ؛  القومية ؛ العرقية؛ أو الدينية .

  سهل جدا ويتناسب مع ما يجب أن تكون عليه أخلاقنا و مبادئنا و- مظلوميتنا كشعوب إضطهدت قرون طويلة .

 السمو أن نعامل الكفاح لأجل التحرر ومقاومة الظلم كرزمة واحدة ؛ علينا  مقاومة العنصرية في كل مجال ; تعريفنا لبعضنا البعض الذي من المفترض  أن يعكس الإحترام المتبادل ؛ هو جزء مهم من هذا الكفاح.

كاتب  وناشط سياسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here