مشهدان غريبان في لبنان

 

 deeb-hijazi

 

ديب حجازي

كنت أسير في منطقة الحمرا، وفي شارع بعلبك بالتحديد، فوجدت جمهرة من الناس متجمعين فسألتهم عن السبب فاجأني الجواب: انها سيارة مشتبه بها ويجري التحقق مما اذا كانت مفخخة ام لا ….

وبعد قليل وصلت الى الشارع الرئيسي فاذا بصوت يلعلع في ارجاء الشارع، والناس كلها تستمع وكأن على رأسها الطير، وكانت سيارة مجهزة بمكبر صوت تحمل شبابا يدعون الى اعتصام في ساحة الشهداء (الخميس في الرابعة عصراً) وموضوع الاعتصام رفض الطبقة السياسية الحاكمة بكل اجنحتها واتهام رجالها بسرقة البلد ونهب الناس.

توقفت ملياً امام مشهدين يلخصان حال الوطن بأوضح تعابيره، قلق أمني متصاعد ويشمل كل المواطنين وكل المناطق، وغضب شعبي عارم ينفجر بوجه كل مسؤول، بل كل سياسي بات يغلّب اعتباراته الذاتية على كل اعتبار، ويفكر بما يجنيه من مكاسب في كل استحقاق، لا بما يمكن ان يجنيه الوطن من استحقاقات متلاحقة.

ولقد تأملت بعمق في المشهدين لأجد وكأنهما جاءا ليردا، بشكل عفوي وتلقائي، على بعضهما البعض، لا من حيث سلمية الاعتصام مقابل عنفية السيارات المفخخة فحسب، بل ايضا من حيث خلفية التحريض الطائفي والمذهبي البغيض الكامنة وراء “مشروع” السيارات المفخخة والاجرام الفتنوي المتنقل مقابل الافاق الوحدوية التي تحملها دعوات كل حراك عابر للطوائف والمذاهب وان كان فيها احياناً بعض التجني والقسوة وعدم التمييز بين الذين يخدمون الناس وبين الذين ينهبونهم.

واذا كانت مشاهد “التفخيخ” الدموي تتكاثر في غير منطقة، وتجد من يعطيها التبريرات ويوفر لها الغطاء، فإن اللبنانيين عاينوا ايضا مشاهد تعبّر عن ارادة الوحدة بين اللبنانيين وعن التفافهم حول كل مبادرة مناقضة للعصبيات المتأججة، رافضة للغة التحريض المريض المغمسة بسموم الفتنة.

وقد شهد لبنان في الآونة الأخيرة سواء في طرابلس او بيروت او الجبل او البقاع والجنوب الكثير من اللقاءات الثقافية والمسيرات النقابية والاعتصامات المطلبية والانشطة الشبابية والاحتفالات الوطنية والقومية التي تؤكد انه ما زال في هذا الوطن من يجسد مقولة  “جسور بين ابنائه ومتاريس بوجه اعدائه”، وان الناس لن تسمح بتدمير هذه الجسور او قصفها كلامياً او أمنياً، بل ستعمل على تحصينها وحمايتها، لكي تنتصر ارادة الوحدة والسلم الاهلي على كل اعداء لبنان، بل على أعداء الامة بأسرها.

المنسق الاعلامي لتجمع اللجان والروابط الشعبية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here