مشكلة فهم “الهويّة العربية”.. وخطورة البدائل!

 

د. صبحي غندور

 

مشكلتنا نحن العرب أنّنا نعاني، لحوالي قرنٍ من الزمن، من صراعاتٍ بين هُويّات مختلفة، ومن عدم وضوح أو فهم للعلاقة بين هذه الهويّات المتعدّدة أصلاً.

فالهويّات المتعدّدة للإنسان، الفرد أو الجماعة، ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها البعض فلا تتفاعل أو تتلاقى، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها، بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها، والتي فيها (أي الدائرة) “نقطة مركزية” هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية. هكذا هو كل إنسان، حيث مجموعة من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموّه وتطوّره: من خصوصية الأم إلى عمومية البشرية جمعاء.

أيضاً، فإنّ مشكلة “الهويّة العربية” نابعة من هذا الانفصام الحاصل بين وجود ثقافة عربية واحدة وعدم وجود دولة عربية واحدة. فشعوب العالم يشترك البعض منها في حضارات، لكن هناك خصوصيات ثقافية لكل شعب، حتّى لو اشترك مع شعوبٍ أخرى في حضارة واحدة. فتلك طبيعة قانون التطوّر الاجتماعي الإنساني الذي انتقل بالناس من مراحل الأسر والعشائر والقبائل إلى مرحلة الأوطان والشعوب والأمم.

إنّ معظم شعوب العالم اليوم تكوّنت دوله على أساس خصوصيات ثقافية، بينما الثقافة العربية لم يُعبّر عنها بعدُ في دولةٍ واحدة تجمع المنتمين لهذه الثقافة. ونجد الآن داخل الجسم العربي من يُطالب بدول لثقافات إثنية (كحالة الأكراد والأمازيغيين، وكما جرى في جنوب السودان) بينما الثقافة العربية الأم نفسها لا تتمتّع بحالة “الدولة الواحدة”. فالموجود الآن من الدول العربية هو أوطان لا تقوم على أساس ثقافات خاصة بها، بل هي محدّدةٌ جغرافياً وسياسياً بفعل ترتيبات وظروف مطلع القرن العشرين التي أوجدت الحالة الراهنة من الدول العربية، إضافةً طبعاً إلى إيجاد دولة إسرائيل في قلب المنطقة العربية.

لقد ترافق تحوّل الأمم أو القوميات إلى دولٍ مع سقوط الإمبراطوريات، بحكم التضارب أصلاً بين وجود إمبراطوريةٍ تضمّ أكثر من أمَّة، وبين الدعوات إلى استقلال الأمم وبناء الكيان/الدولة لها. لكنَّ الملفت للانتباه على الصعيد العربي (منذ عهد الخلفاء الراشدين مروراً بالدولة الأموية والدولة العباسية وإلى نهاية العهد العثماني) هو توالي أشكال من حكم العرب وغير العرب على المنطقة العربية على أساسٍ غير قوميٍّ أو ثقافي أصلاً وغير محدَّدٍ بشعبٍ معيَّن أو بأرضٍ معيَّنة (وهو حالة من مظاهر الإمبراطورية التي تضمّ أكثر من شعبٍ وقومية وثقافة).

وفي مرحلة القرن العشرين -التي ورثت فيها الإمبراطوريتان (البريطانية والفرنسية) الإمبراطورية العثمانية- انتقل العرب من حال حرّية الحركة على أرضٍ واحدة (دون كيانٍ سياسيٍّ عربيٍّ واحد طبعاً) إلى حالٍ من القيود والحواجز على أرض العرب المشتركة، كمحصّلة لاتفاقيات “سايكس – بيكو”، وبشكل متزامن مع محاولاتٍ لصنع ثقافاتٍ فئوية خاصَّة بالأوطان الجديدة، شجَّعت عليها بقوّةٍ السلطات البريطانية والفرنسية التي كانت تهيمن آنذاك على معظم البلاد العربيَّة .

ثم ورثت الولايات المتحدة الأميركية دور بريطانيا وفرنسا في المحافظة على الواقع العربي المجزَّأ، وفي محاربة أيِّ جهدٍ يسعى للوحدة بين العرب، مع دعمٍ كبيرٍ ومفتوح لوجود إسرائيل كنواةٍ لبناء قوميةٍ جديدة (غير عربيَّة على الأرض العربيَّة)، وبطابعٍ عنصريٍّ يهوديٍّ وتوسعيّ!.

ولم يكن القصد البريطاني والفرنسي من رسم الحدود بين أجزاء الأرض العربية مجرّد توزيع غنائم بين الإمبراطوريتين الأوروبيتين في مطلع القرن الماضي، بدلالة أنّ البلدان العربية التي خضعت لهيمنة أيٍّ منهما تعرّضت هي نفسها للتجزئة، فالهدف الأول من تلك التجزئة كان إحلال هويّاتٍ محلّية بديلاً عن الهويّة العربية المشتركة، وإضعافاً لكلّ جزء بانقسامه عن الجزء العربي الآخر.

ورافقت هذه الحقبة الزمنية من النصف الأول من القرن العشرين، محاولات فرض التغريب الثقافي بأشكال مختلفة على عموم البلدان العربية، والسعي لزرع التناقضات بين الهويات الوطنية المستحدثة وبين الهويات الأصيلة فيها كالعروبة الثقافية والإسلام الحضاري، ثم أيضاً بين العروبة والدين في استحداثٍ لصراعات فكرية وسياسية بين أتباع التيار القومي والتيار الديني.

وقد تميّزت الحقبة الزمنية اللاحقة، أي النصف الثاني من القرن العشرين، بطروحات فكرية وبحركات سياسية يغذّي بعضها أحياناً المفاهيم الخاطئة عن الوطنية والعروبة والدين، أو لا تجد في فكرها الآحادي الجانب أيَّ متّسعٍ للهويّات الأخرى التي تقوم عليها الأمَّة العربية. فهويّة الأمّة العربية هي مزيج مركّب من هويّات (قانونية وطنية) و(ثقافية عربية) و(حضارية دينية). وهذا واقع حال ملزِم لكل أبناء البلدان العربية حتى لو رفضوا فكرياً الانتماء لكلّ هذه الهويّات أو بعضها.

الآن نجد على امتداد الأرض العربية محاولات مختلفة الأوجه، ومتعدّدة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهوية العربية ولجعلها حالة متناقضة مع التنوع الإثني والديني الذي تقوم عليه الأرض العربية منذ قرون عديدة.

وأصبح الحديث عن مشكلة “الأقليات” مرتبطاً بالفهم الخاطئ للهويتين الوطنية والعربية وبأنّ الحلّ لهذه المشكلة يقتضي “حلولاً” انفصالية كالتي حدثت في جنوب السودان وفي شمال العراق، وكالتي يتمّ الآن الحديث عنها لمستقبل عدّة بلدان عربية. وهذا الأمر هو أشبه بمن يعاني من مرضٍ في المعدة فتُجرَى له عملية جراحية في الرأس!!. إذ أساس مشكلة غياب “حقوق بعض الأقليات” هو الوضع الدستوري وليس قضية “الهويّة”. ففي الولايات المتحدة نجد اعتزازاً كبيراً لدى عموم الأميركيين بهويتهم الوطنية الأميركية (وهي هُوية حديثة تاريخياً) رغم التباين الحاصل في المجتمع الأميركي بين فئاته المتعدّدة القائمة على أصول عرقية وإثنية ودينية وثقافية مختلفة. فمشكلة الأقليات موجودة في أميركا لكنّها تُعالج بأطر دستورية وبتطويرٍ للدستور وللقوانين الأميركية، كما حدث أكثر من مرّة في مسائل تخصّ مشاكل الأقليات، ولم يكن “الحل الأميركي” لمشاكل أميركا بالتخلّي عن الهوية الأميركية المشتركة ولا أيضاً بقبول النزعات الانفصالية أو تفتيت “الولايات المتحدة”. عجباً، كيف تُمارس الإدارات الأميركية نهجاً متناقضاً في المنطقة العربية وكيف تُشجّع على تقسيم الشعوب والأوطان وعلى إضعاف الهوية العربية عموماً!! كما أستغرب فعلاً أن تكون بعض الأصوات العربية المقيمة في أميركا والغرب، في إطار المفكرين أو الناشطين حالياً مع بعض المعارضات العربية، تُساهم في هذه الحملة المقصودة ضدّ الهوية العربية أو تؤيد الآن حركات الانفصال والتقسيم لأوطان عربية، وهي تُدرك ما أشرت إليه عن خلاصات التجربة الدستورية الأميركية وتجارب دستورية أوروبية مشابهة.

أيضاً، نجد في داخل بعض الأوطان العربية أنّ ضعف الولاء الوطني لدى بعض الناس يجعلهم يبحثون عن أطر فئوية بديلة لمفهوم المواطنة الواحدة المشتركة، وربّما لاستخدام العنف من أجل تحصيل “الحقوق”، كما نجد من يراهنون على أنّ إضعاف الهوية الثقافية العربية أو الانتماء للعروبة بشكل عام، سيؤدّي إلى تعزيز الولاء الوطني، أو من يريدون إضعاف التيّارات السياسية الدينية من خلال الابتعاد عن الدين نفسه.

إنّ الفهم الصحيح والممارسة السليمة لكلٍّ من “ثلاثيات الهوية” في المنطقة العربية (الوطنية والعروبة والدين) هو الحلُّ الغائب الآن في أرجاء الأمَّة العربية. وهذا “الحل” يتطلّب أولاً نبذاً لأسلوب العنف بين أبناء المجتمع الواحد مهما كانت الظروف والأسباب، وما يستدعيه ذلك من توفّر أجواء سليمة للحوار الوطني الداخلي، وللتنسيق والتضامن المنشود مستقبلاً بين الدول العربية.

***

هذه كلّها عناصر مهمّة في فهم الأسباب الخارجية المؤثّرة سلباً على مسألة “الهُوية العربية”، لكن من المهمّ أيضاً إدراك أنّ العرب هم أمَّة واحدة في الإطار الثقافي وفي الإطار الحضاري وفي المقاييس التاريخية والجغرافية (اشتراك في عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والأرض)، لكنَّهم لم يجتمعوا تاريخياً في إطارٍ سياسيٍّ واحد على أساس العروبة وحدها. فالهويّة العربية كانت موجودةً ك”ثقافةٍ خاصَّة” قبل الإسلام، ثمّ كحضارةٍ من خلاله ومن بعده، لكنها لم تتجسَّد بعدُ سياسياً كأمَّةٍ واحدة، في إطار كيانٍ سياسيٍّ واحد، وعلى أساس مرجعية الأنتماء للعروبة الثقافية فقط.

وذلك يعني أن “العروبة” هي في الجانب السياسي ما زالت “مشروعاً قيد التنفيذ”، وإن كانت “العروبة” قائمةً ومحققّة في الجانب الثقافي على مرّ قرونٍ من الزمن. وهذا الأمر هو الذي سبّب الخلط الخاطئ بين العروبة كهويّة ثقافية مشتركة بين كلّ العرب، وبين الممارسات السياسية باسم العروبة، والتي كان بعضها سلبياً، فجرى رفض ما هو “ثقافي مشترك” بسبب الخلافات السياسية أو لبعض الممارسات السيّئة باسم القومية العربية.

إنّ إضعاف الهُويّة العربية المشتركة يتمّ الآن لصالح “الهويّات” الطائفية والمذهبية والإثنية في معظم المجتمعات العربية. وبهذا الأمر تكمن مخاطر الانفجار الداخلي في كلّ بلدٍ عربي، وبذا تصبح “العروبة” لا مجرّد حلٍّ فقط لأزمة العلاقات بين البلدان العربية، بل أيضاً سياجاً ثقافياً واجتماعياً لحماية الوحدات الوطنية في كلّ بلدٍ عربي.

إنّ العروبة الثقافية الجامعة بين كلّ العرب هي حجر الزاوية في البناء المنشود لمستقبلٍ أفضل داخل البلدان العربية، وبين بعضها البعض.

وحينما تضعف الهُويّة العربية فإنّ بدائلها ليست هُويّات وطنية موحّدة للشعوب، بل انقسامات حادّة تولِّد حروباً أهلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس معاً.

إنّ التنوع والتعدّد بمختلف أشكالهما، ومنها الاختلاف في الخلق والأجناس واللغات والطوائف، هي سُنّة الخالق الحتمية على هذه الأرض، والطبيعة تؤكّد في كلِّ زمانٍ ومكان تلك الحقيقة. لكن ما هو خيارٌ بشري ومشيئةٌ إنسانية هو كيفيّة التعامل مع هذا “التنوع والتعدّد”، ومن ثمّ اعتماد مفاهيم صحيحة للمواطنة ولضوابط أساليب التغيير التي تحدث في المجتمعات القائمة على “التعدّدية الدينية والإثنية”.

فليس المطلوب عربياً، وهو غير ممكنٍ أصلاً، أن تتوقّف كل مظاهر التنوّع والتعدّدية في المجتمع. فهذه دعوةٌ للجمود ولمناقضة طبيعة الحياة وسنّتها، لكن المؤمَّل به هو أن تأخذ الصراعات السياسية والاجتماعية أولويّة الاهتمام والتفكير والعمل بدلاً من تفجير الصراعات الدينية والإثنية والتي تجعل الفقراء مثلاً يحاربون بعضهم البعض لا لشيء بل لمجرّد توزّعهم في انتماءاتٍ إثنية أو طائفية أو قبلية مختلفة.

فحينما ينتفض شعبٌ ما في أيِّ بلد من أجل المطالبة بالعدالة السياسية والاجتماعية، تصبح حركته قوّة تغيير نحو مستقبلٍ أفضل، بينما العكس يحدث إذا تحرّكت الجماعات البشرية على أساس منطلقات إثنية أو طائفية، حيث أنّ الحروب الأهلية ودمار الأوطان هي النتاج الطبيعي لمثل هذا التحرّك.

ولقد أثبتت العقود الأربعة الماضية، أنّ بديل الهُويّة العربية، الحامل للتسميات «الدينية»، لم يفتح آفاقاً جديدة في الهويّة أو الانتماء، وإنّما قزَّم الواقع العربي إلى مناطق وطوائف، فتحوّلت الهويّة الدينية الشمولية إلى هويّة في مواجهة الشريك الآخر في الوطن، إنْ كان من طائفةٍ أخرى أو حتّى من اتّجاهٍ سياسيٍّ آخر!

وكما فشل هذا البديل الموصوف بتسمياتٍ دينية، في توحيد شعوب الأمّة العربية، فقد عجز «البديل الوطني» وحده أيضاً عن بناء مجتمعٍ تكون الأولويّة فيه للولاء الوطني. إذ لا يمكن بناء أوطان عربية سليمة في ظلِّ تهميش الهويّة العربية، وحيث الفهم الخاطئ للدين في هذه الأوطان، ولكيفية العلاقة مع الآخر أيّاً كان.

فتعزيز الهوية الوطنية يتطلّب إعادة الاعتبار من جديد لمفهوم العروبة، على المستوى العربي الشامل، كما يستوجب تحقيق أوضاع دستورية سليمة في كلّ بلد عربي، لكي يتحقق مفهوم “المواطنة” في الوطن الواحد ولكي يتعزّز الولاء الوطني الصحيح.

إنّ ذلك يحتاج حتماً إلى طليعة عربية واعية وفاعلة، تبني النموذج الجيّد لهذه الدعوة العربية المنشودة. ولن يتحقّق ذلك البناء في زمنٍ قصير، لكنّه الأمل الوحيد في مستقبلٍ أفضل يحرّر الأوطان من الاستبداد والفساد والهيمنة الأجنبية، ويصون الشراكة مع المواطن الآخر في الوطن الواحد، فلا يكون مُسهِّلاً، عن قصدٍ أو عن غير قصد، لسياساتٍ أجنبية تفرّق بين العرب لتسود عليهم.

وما حدث ويحدث في العقود الثلاث الماضية يؤكّد الهدف الأجنبي بنزع الهويَّة العربية، عبر استبدالها بهويّة “شرق أوسطية”، بل حتى نزع الهويّة الوطنية المحلّية والاستعاضة عنها بهويّات إثنية ومذهبية وطائفية .. وفي هذا التحدّي الأجنبي سعيٌ محموم لتشويه صورة الإسلام والعروبة معاً، من أجل تسهيل السيطرة على الأوطان العربية وثرواتها.

إنّ العودة العربية للتمسّك بالهُوية العربية المشتركة هي حاجةٌ قصوى الآن لحماية المجتمعات في الداخل، ولتحصينها من هيمنة الخارج، ولبناء أسس سليمة لتعاونٍ عربيٍّ مشترك وفعّال في المستقبل.

إنّ العروبة المنشودة ليست دعوةً لتكرار التجارب السياسية والحزبية التي جرت بأسماء قومية في مراحل مختلفة من القرن العشرين، بل هي عودةٌ إلى أصالة هذه الأمَّة ودورها الحضاري والثقافي الرافض للتعصّب وللعنصرية. ومن دون عروبةٍ جامعة لن تكون هناك أوطان عربية واحدة.

إنّ “الكلّ العربي” هو مكوَّن أصلاً من “أجزاء” مترابطة ومتكاملة. فالعروبة لا تلغي، ولا تتناقض، مع الانتماءات العائلية أو القبلية أو الوطنية أو الأصول الإثنية، بل هي تحدّدها في إطار علاقة الجزء مع الكل. 

إنّ القومية هي تعبير يرتبط بمسألة الهويّة لجماعات وأوطان وأمم، وهي تحمل سمات ومضامين ثقافية تميّز جماعة أو أمّة عن أخرى، لكنّها (أي القومية) لا تعني نهجاً سياسياً أو نظاماً للحكم أو مضموناً عَقَديّاً/أيديولوجياً. لذلك من الخطأ مثلاً الحديث عن “فكر قومي” مقابل “فكر ديني”، بل يمكن القول “فكر علماني” مقابل “فكر ديني”، تماماً كالمقابلة بين “فكر محافظ” و”فكر ليبرالي”، و”فكر اشتراكي” مقابل “فكر رأسمالي”.. وكلّها عناوين لمسائل ترتبط بنمط فكري وسياسي تصلح الدعوة إليه في أيِّ بلدٍ أو أمّة، في حين يجب أن يختصّ تعبير “الفكر القومي” فقط بمسألة الهويّة كإطار أو كوعاء ثقافي. ولذلك أيضاً، يكون تعبير “العروبة” هو الأدقّ والأشمل حينما يتمّ الحديث عن القومية العربية حتّى لا تختلط مسألة الهويّة الثقافية المشتركة بين العرب مع قضايا المناهج والأيديولوجيات المتنوّعة داخل الفكر العربي ووسط المفكّرين العرب.

إنّ الشخص العربي هو الإنسان المنتمي للثقافة العربية أو لأصول ثقافية عربية. فالهويّة العربية لا ترتبط بعرق أو دين، ولا بموقف سياسي أو منظور أيديولوجي. والعروبة هي تعبير عن الانتماء إلى أمّة لها خصائص تختلف عن القوميات والأمم الأخرى حتّى في دائرة العالم الإسلامي. فالانتماء إلى العروبة يعني الانتماء إلى أمّة واحدة قد تعبّر مستقبلاً عن نفسها بشكل من أشكال التكامل أو الاتّحاد بين بلدانها.

إنّ “العروبة الحضارية” هي الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري الذي أخرج الثقافة العربية من الدائرتين: العرقية والجغرافية إلى الأفق الحضاري الواسع، الذي اشترك في صيانته ونشره مسيحيون عرب ومسلمون من غير العرب، وبالتالي فإنّ الهويّة الثقافية العربية، بعد ظهور الدعوة الإسلامية، لم تعد ترتبط بالعنصر القبلي أو الإثني، ولا بمحدودية البقعة الجغرافية (شبه الجزيرة العربية) التي انطلقت منها أولاً. فالهويّة الثقافية العربية اتّسعت في تعريفها ل”العربي”، لتشمل كل من يندمج في الثقافة العربية، بغضّ النظر عن أصوله العرقية والإثنية. ودخل في هذا التعريف معظم من هم عرب الآن ولم يأتوا من أصول عربية من حيث الدم أو العرق، كشعوب دول شمال أفريقيا العربية والسودان. ويؤكّد هذا الأمر تاريخ العرب القديم والحديث من حيث اعتبار الثقافة العربية ثقافة حاضنة لتعدّدية الأديان والأعراق. فالهويّة العربية لا ترتبط بعرقٍ أو دين، ولا بموقف سياسي أو منظور أيديولوجي. وحينما نفهم “الهوية العربية” على حقيقتها تُصبح هي الحل لمشاكل صراع “الهُويات” الأخرى على الأرض العربية، ويكون ذلك مدخلاً سليماً لتحقيق “المشروع العربي” بإقامة اتحادٍ وتكامل بين أتباع “الهويّة العربية المشتركة” على أسسٍ دستورية سليمة.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن.

Twitter: @AlhewarCenter

Email: Sobhi@alhewar.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

7 تعليقات

  1. “يا سيدي تتكلم من جهة عن الهوية العربية ومن جهة تتأسف على وجود هويات متعددة متصارعة وغامضة وهذا يعود أصلا إلى غموض مفهوم “الهوية العربية” وتناقض أسسها وصراع أطرافها لأن الهوية القومية مهما كان نوعها أو جنسها فهي فارغة من المضمون وخالية من الروح مما جعل الذين يتبنونها في صراع وشقاق بينهم حول مضمونها فهي أشبه بزجاجة فارغة يختلف الناس حول المادة التي تملأ بها ،فالعرب يتفقون حول عروبتهم ويختلفون حول أساسها فإفترقوا شيعا وأحزابا ، فالعروبة لا تصلح كأساس أيديولوجي أي كحد أدنى للإلتقاء والوفاق بين ما يسمون عربا فأهل مكة عرب لكن لم يتفقوا بعد ظهور الإسلام فأبو لهب والعباس وأبو سفيان حاربوا المؤمنين من إخوانهم وأشقائهم على حرية عقيدتهم ، والمشكلة بقيت قائمة منذ القدم إلى يومنا هذا فالعرب لم يحققوا حتى أدنى إتفاق أو إتحاد بينهم إلا الإتفاق على حرب بعضهم لبعض وهذا نتيجة عدم وجود هوية عربية واحدة ، فمشكلة العرب هي أنهم يعتقدون أنهم يمكن لهم تحقيق وحدة أو إتحاد وهم تتنا زعهم أيديولوجيات وتوجهات تفرقهم وتشتتهم ،وولاءات لغير عروبتهم بل لغير عقيدتهم ففي الداخل تتنازعهم ملل ونحل “ايديولوجيات ، وإصطفافات ” وفي الخارج ولا ءات، والأغرب أن العرب لم ينجحوا في تأسيس دولة عربية واحدة على أساس الهوية فقط بل إنشطرت وإنفجرت الدول القطرية إلى أجزاء يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا والواقع العربي المزري مثل واضح على عبثية الهوية العربية وخلوها من الروح بل مجرد وثن لا يؤسس وطنا ولا يجمع شعبا ولا يوحد أمة .
    ومما يؤسف له فالثوابت التي توحد الأمم المختلفة في دولة واحدة مستقلة وفي أمة واحدة مستقرة،أصبحت عند العرب أشبه بمفرقعات تهدد كيانهم ووجودهم فالبعث العربي السوري في خصام تاريخي مع جاره العراقي ، والإسلام السعودي في خصام مع جاره القطري ، والوحدوي المصري ضد جاره الليبي وهلم جرا
    وعليه من قال أن الهوية العربية مشتركة ؟ فما مصير الهويات غير العربية فيما يسمى بالوطن العربي
    فالقول بالهوية العربية المشتركة تزييف للتاريخ وتحريف الكلم عن مواضعه فهي ليست إلا إستلاب لهويات تاريخية مشروعة تتعارك وتتشابك حول الهويات مما أيقظ النعرة القومية والشعوبية بين الشعوب الإسلامية فالصراع التركي ،والعربي مثله الصراع الفارسي العربي دليل أزمة الهوية ، إضافة إلى إستبعادها لعامل الدين ،الإتجاه “العلماني والشيوعي ” مما أثارحساسية الإتجاه الإسلامي ، فهي بذلك فتحت جبهتين : جبهة الهويات الأخرى ،وجبهة الإسلام السياسي .
    والعجب العجاب أن المنطقة العربية عقيمة من أن تلد طليعة نخبوية ، أو زعيم كايزماتي تفكك أو يفكك المتفجرات المزروعة تحت الباخرة العربية لتصل إلى بر الأمان قبل أن تنفجر في عرض المحيط فيموت البعض حرقا والآخر غرقا لا جئون بلا وطن وموتى بلا كفن .

  2. أميركا تتعرض سنوات لمشروع تغريب الهوية والقضاء على أميركا ككيان سياسي. يتم التركيز على تدمير الجنس الأبيض والهوية المسيحية بشكل خاص والدين بشكل عام. من يقوم بهذا الدور هم انفسهم العولميون. وبدأ هذا الأمر بتوجه واع منذ عهد بوش الأب بعد حرب الخليج وسقوط السوفييت حين طرح نظاما عالميا جديدا.

    تنامى هذا التيار متصاعدا حيث مثل كل رؤساء أميركا منذ ذلك الحين وحتى نجاح ترامب تيار العولمة وهدفه تفتيت شعوب العالم والقضاء على القوميات والدين والتاريخ وتحويل الأفراد إلى شخصيات تافهة مقطوعة الأصل لتسهيل التحكم المركزي من قبل اقليه طائفة عنصرية هي نفس التي أرادت تمزيق العرب. لذلك ليس هناك غرابة في السلوك من نفس الجهة.

    المشروع عالمي لكن العرب أكثر من يدفع الثمن لأنهم أصل الأمم وهناك من يريد محو هذه الحقيقة ويشملون جماعة العولمة ( تشمل كيانات ومراكز تحكم من الشركات الاحتكارية والاتحاد الأوروبية والحزب الديموقراطي في أميركا والمنظمات الدولية- الترك –ايران وشعوبيون عملاء من داخل العرب

  3. الدكتور صبحي غندور المحترم
    تحية طيبة اعتقد انه ضرب من التسرع والضحالة لو ناقشنا ، علقنا، عقبنا ، وافقنا ، اواختلفنا على ماتفضل
    به الدكتور فالمقالة عميقة ودسمة بالأفكار واعتقد ان كل فكرة تحتاج لوقت لآباءس به من التمحيص
    لكن والحق يقال فهي راءعة بكل المقاييس وياحبدا لو كتبها الدكتور صبحي على مراحل لكان افضل
    للمناقشة وللفهم سأقوم على دراستها ومحاولة فهمهما وإيجاد اجابة تليق بهذه المقالة
    شكرا جزيلا يادكتور

  4. أظن أن الكاتب المحترم قد عرف عقلية القوم من خلال التعليق رقم 1 فمجرد أن طرحت فكرة أن العربية لا ترتبط بعرق أو دين و الذي قصدت منه كما وضحته في مقالك أن الهوية العربية لا تكون مرتبطة بالعرق فيمكن أن تتسع للكردي و الأمازيغي و التركماني و جنوب السودان كما أنها لا ترتبط بالدين فهي تتسع للمسلم و المسيحي و دأيضا بين الدين الواحد سني شيعي إباضي أو حتى يهودي غير صهيوني بيد أ، القوم عندنا مثل صاحب التعليق الأول يريد أن يجعلخا عرقية و إثنية و سلالية تكتسب أبا عن جد فمن كان من بني هلال فهو عربي و من لم يكن من صلبهم كابرا عن كابر فلا عروبة له و أمام هذا التعريف الإقصائي و هو السائد في معظم الدول التي تدعي العروبة فيكون من حق الأكراد و الأمازيغ أن يبحثوا لهم عن كيانات خاصة بهم ما دام صدر العروبة التي ساهموا فيها بقسط وافر و معظم من حمل لواء نشر الثقافة العربية من الأعاجم اصبحوا بجرة قلم خارج إطار العروبة لكون هذا المفهوم احتكره أصحاب الفكر القبلي العنصري في جزيرة العرب و شمال إفريقيا من هنا نفهم فشل فكرة المواطن في الدول العربية لهيمنة الفكر العرقي السلالي و نفهم منه أكثر استعصاء النموذج الديمقراطي عن أن يجد طريقا له في هذه الدول فكان أ، ساد نظام الحاكم الإثني و العرقي. و التعليق الأول خير شاهد.

  5. تحية واحتراماً للاخ غندور وبعد : ان جميع ملاحظاتكم وتساؤلاتكم يكمن وراءها مؤتمر كامبل الذي عقدته الدول الغربية في لندن 1905 ــ 1907م ، حيث قررت في نهاية المؤتمر : تفتيت وتفتيت ثم تفتيت الفتافيت الى ان يصلوا الى اصغروحدة ممكنة وهي ان يعيش الفرد العربي وحيداً حى عن اسرته ، ويدخل ضمن هذا الاطار تنمية الانتماءات العرقية وتغذيتها لتصبح منعزلة عن الجسم العربي ، خذ مثلا ً الامازيغ : انهم عرب يمنيون لغتهم وحروفهم من محافظة ظفار حاليا في سلطنة عُمان وكانت سابقاً يمنية ، اسماؤهم واسماء قبائلهم يمنية كتامة وصنهاجة ، لكن فرنسا عملت على تقسيم الشعب الجزائري ليسهل استعماره بالضرب على وتر الاثنية فعلمتهم ان لا صلة لهم بالعرب وحاولت ان تجد لهم اصولا مختلفة واحيانا تعتبرهم اصليون في بلادهم دون اي دليل اثري تاريخي حتى ان بعضهم تشبع بالفكرة فراح يطالب بالانفصال . وما كان هذا ليحدث لولا الجهود المدمرة التي بذلتها الدول الاستعمارية وعلى هذا قس . المشكلة انها وجدت في شعبنا العربي من ينفذ لها برامجها عن جهل وسذاجة او منافع شخصية . وهكذا فعلت بالديانات والمذاهب .

  6. جاء بالمقال ما نصه:
    فالهويّة العربية لا ترتبط بعرقٍ أو دين
    برجاء التدقيق فيما تكتب والالتزام بامانة بقيم العرب والعروبة والا فلا تحدث باسمها ولا تطرح مشاريع بديلا عنها

  7. الى الدكتور صبحي غندور المحترم
    بعد التحيه
    نعم مقال صحيح عن الهوية العربية لكن أين ذات الإنسان و الإنسان و بدون انسانية لا هويه له
    و الإنسان في بدايته رضيع ثم طفل و ماذا يتعلم الطفل العربي سوى الجبن من مربيه
    عندما نسائل الطفل العربي ماذا تريد أن تصبح في سن الكبر يقول دكتور او مهندس الخ
    لا تسمعه يقول أريد أن أكون قائد أو رئيس حاكم و اذا قال أريد أن أكون رئيس أو حاكم ماذا سوف يحصل له و الهويه العربيه بحاجة إلى قيادة قائده و هم اطفالنا بحاجة إلى التحرير و هم من يحافظ على الهوية العربية
    يجب التوقف عن قتل القيادة العربية في الطفل العربي .
    و نعم يجب زرع في الطفل العربي القيادة
    و الهويه العربيه .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here