مشروع دولة إسرائيل الكبرى.. وكيف بدأ التطبيق له

 

أحمد أهل السعيد

مقدمة

تطمح إسرائيل إلى دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وذلك من أجل إحياء أمجاد مملكة النبي داوود وسليمان، اللتان كانتا تعيش فيهما مملكة إسرائيل في أوج قوتهما،  كما ورد في سفر التكوين 15/18 ” لنسلك…هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”. كما حدد مؤسس الصهيونية هرتزل أرض إسرائيل من وادي النيل إلى الفرات[1].

تحقيق دولة إسرائيل الكبرى يستلزم من إسرائيل أن تكون دولة قوية. من أجل تغيير الخريطة وبناء خريطة جديدة في الشرق الأوسط. ولن يكون السلم هو الوضع المناسب لتنفيذ هذا المشروع، وإنما الحروب التي خاضتها إسرائيل والتي ستخوضها في المستقبل هي التي ستوفر الظروف المناسبة لتطبيق هذه الطموحات، فالحروب تسمح لها بنقل السكان وترحيلهم وإجراء تغييرات ديمغرافية تتوسع من خلالها أكثر فأكثر، ففي سنة 1948 غادر ألاف من فليسطين تاركين ورائهم منازلهم وأعمالهم وأراضيهم، بسبب الأعمال الإرهابية التي ارتكبتها إسرائيل في حقهم، لتستولي على أراضيهم بغية توسيع نطاق دولتها، لذلك فهي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها حدود رسمية معترف بها. ورسم الحدود رهين بالتوسع المستقبلي لها، بحيث لا يتأتى ذلك إلا بالحروب، سعيا وراء ضم أراضي الغير. كما فعلت إسرائيل عندما سعت لضم دول تقع في ما يعرف بالهلال الخصيب باستلائها على الجولان السوري، وسيناء المصرية، وأجزاء من أراضي لبنان والأردن.

إن الصراعات في الشرق الاوسط تدور حول مشروع دولة إسرائيل الكبرى بالأساس، وإسرائيل تريد التخلص من الدول التي تعرقل تنفيد هذا المشروع الذي يمرر بطريقة تدريجية، و لقد ظهرت مؤخرا بوادر من مشروع دولة إسرائيل الكبرى:

– الإعلان  عن القدس عاصمة للإسرائيل،

– الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل،

– الإعلان عن قطع الدعم الأمريكي عن الأونروا،

 – عما قريب سيضمون الضفة الغربية لإسرائيل

لكن هذه الأمور رغم أهميتها تشكل الجوانب الشكلية لمشروع دولة إسرائيل الكبرى، أما الجانب الجوهري سيحسم على الأرض.

  • لكن كيف ستفعل إسرائيل مشروع دولة إسرائيل الكبرى؟

  • الإرهاب : يعتبر الإرهاب من الأسلحة الأساسية التي تعتمد عليها إسرائيل. خاصة إن سلاح الإرهاب هو السلاح المثالي، لأنه غير مكلف ماديا، سهل الاستعمال، ويصعب اكتشافه، كما أنه مميت ومهلك، ويمكن تنفيذ المهمة التي يوظف من أجلها بطريقة سريعة وخاطفة، وفي ذات الوقت فإنه بالإمكان أن يفتح الطريق أمام مكاسب سياسية ومالية طائلة بعد أمد بعيد من تنفيذ المهمة وحتى نسيانها، لذلك الإرهاب سيظل في المستقبل، هو سلاح إسرائيل الفعال[2].

ان إسرائيل تفضل الإرهاب، لأنه لا يحتاج أن يتم الاعلان عنه رسميا. كما قد يتم القيام به عن طريق مؤسسة حكومية أو خارجية. من قبل الأصدقاء أو الأعداء[3].

قال الياهو شريت[4] في مذكراته أن بن غوريون بعث إليه رسالة جاء فيها: “هذه الدولة ليست لديها تعهدات دولية، ومسألة السلام غير واردة…عليها أن تحسب خطواتها بشكل ضيق وتعيش بسيفها، عليها أن ترى أن السيف كأداة أساسية، إن لم تكن الأداة الوحيدة، التي من خلالها تستطيع الإبقاء على معنوياتها عالية والحفاظ على توترها المعنوي. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، قد تضطر، لا بل يجب عليها، خلق الأخطاء، من أجل فعل ذلك يجب أن تتبنى وسيلة الاستفزاز والانتقام. وقبل كل شيء دعونا نأمل في حرب جديدة مع الدول العربية، حتى نتخلص أخيرا من مشاكلنا ونكسب المساحة التي نريدها”.

اعترف شاريت أن الجيش كان يفتعل العديد من العمليات الإرهابية على الحدود الإسرائيلية الأردنية، أو في القدس أو في مصر.  من أجل تبرير الحرب على هاته الدول . كما أكد أن وزير الدفاع بن غوريون اقترح في أحد اجتماعات الوزارة أن تعلن إسرائيل بطلان اتفاقية الهدنة مع مصر، من أجل تجديد حرب 1948-1949. كما كشف ايضا عن الأعمال الإرهابية التي قامت بها إسرائيل في مصر سنة 1954، والمتمثلة في تدمير ممتلكات الأمريكية والبريطانية في مصر . من أجل أن يتم إتهام المصريين بارتكابها. لتقف المفاوضات التي كانت في هذه المرحلة بين الأمريكيين والمصريين. إلى جانب الأعمال الإرهابية التي أشار إليها أيضا شاريت المتمثلة في قيام أفراد من الجيش الإسرائيلي، بقتل العرب بدافع الانتقام دون محاسبة[5].

لكن الإرهاب لم يتم استخدامه بشكل واسع، إلا مع نهاية الحرب الباردة. وبداية النظام الدولي الجديد. خصوصا مع أحداث 11 ديسمبر 2001. التي اتهمت فيها أمريكا العراق بارتكاب الإرهاب ضدها. مما مهد إلى الحرب الخليجية الثانية سنة [6][7]2003.

أما اليوم نفس الإرهاب استمر. لكنه تطور، حيث أصبح لا يعتمد على طرق التدخل المباشر (الاحتلال). وإنما عن طريق الحرب بالوكالة. من أجل تجنب الجيوش الأضرار المادية والبشرية. ففي بداية الحرب بالوكالة على سوريا[8] والعراق، كان يتم تصوير المنظمات الإرهابية في قنوات الإعلام العالمية والإقليمية، التي تقاتل في سوريا على أنهم ثوار يطالبون بالديمقراطية. ومادامت المنظمات الإرهابية تهدم العالم الاسلامي. الذي عجزت جميع الحروب الصليبية أن تحققه. فهذا في مصلحة الغرب. وهو الذي يفسر تشجيع الهجرة العالمية إلى المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق. فقد اطلق الغرب على هؤلاء المقاتلين لقب المجاهدين. لكن عند عودتهم إلى أوروبا لقبوا بالإرهابيين !.

كيف وصلت الألاف من المقاتلين من مختلف بقاع العالم ودخلت إلى سوريا والعراق؟ من فتح الحدود وقدم التسهيلات؟ ودربهم؟ ودعمهم ماديا وبشريا وإعلاميا ؟

اعترف وزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم بتاريخ 25/10/2017، على قناة قطر، قائلا “… أول ما بدا موضوع سوريا توجهت للسعودية وقابلت الملك عبد الله بناء على تعليمات من الأمير الوالد، قال لي نحن معكم، أنتم امشوا في هذا الموضوع ونحن ننسق معكم…كان أي شيء يذهب إلى سوريا يتم عبر تركيا بتنسيق مع القوات الأمريكية، وكان توزيع أي شيء يتم عن طريق القوات الأمريكية والأتراك ونحن والسعوديين، يمكن قد حصل خطأ في تدعيم فصيل معين في فترة معينة، هل كانت لكم علاقة بجبهة النصرة[9]؟ …،يمكن أن تكون لنا علاقة، لكن عندما تبين أن تصرفات النصرة غير مقبولة توقف الدعم الذي كنا نقدم له….”. وقال أيضا في مقابلة أخرى مع الصحفي الأمريكي تشارلي روز”… عندما بدأت الحرب أو الثورة في سوريا، كلنا عملنا من خلال غرفتين للعمليات واحدة في الأردن والثانية في تركيا….”. هو يقصد غرفة العمليات المشتركة في الأردن وتركيا، والتي تقوم بقيادة العمليات العسكرية في سوريا والعراق. فقد كان هناك توزيع للأدوار: بالنسبة للأردن وتركيا كان دورهم هو تدريب واستقبال الجماعات المسلحة وتوفير المعابر الأمنة لهم للوصول إلى سوريا والعراق، وبالنسبة لقطر والسعودية والإمارات والكويت دورها توفير الدعم المادي والبشري والإعلامي. أما أمريكا كانت هي القائدة لغرفة العمليات المشتركة الموجودة في الأردن وتركيا، من خلال توفير المعلومات والغطاء الجوي للإرهابيين ضد الجيش السوري والعراقي، تحت اسم دعم الثورة وأحيانا محاربة الارهاب. وتنسيق العمليات لكي لا تخرج عن الأهداف المحددة لها.

مع بداية الأزمة السورية في سنة 2011، توجه وفد إماراتي إلى سوريا، يطلب منها أن تقطع علاقاتها مع إيران وحزب الله، لكي تتوقف الحرب على سوريا. فقد كان كل هذا الإرهاب العالمي على سوريا من أجل إسقاط الرئيس بشار الأسد، بسبب علاقته الاستراتيجية مع إيران وحزب الله ضد إسرائيل. وإنشاء حكومة جديدة موالية للغرب. ولو افترضنا أن سوريا أعلنت فك ارتباطها بإيران وحزب الله حينها سيسوق الإعلام العالمي والإقليمي الرئيس بشار الأسد على أنه شرعي ونزيه وديمقراطي، يستحق الدعم والمساند، وسيقطعون كافة الدعم عن المعارضة، التي سيصفونها بالمليشيات الانقلابية !.

  • الثورات الملونة: قالت وزيرة الخارجية الامريكية كونديرازايس”…اليوم انضمت أخيرا أمم العالم إلى الولايات المتحدة لدعم قضية الحرية، أننا نقيس نجاحنا من خلال الثورات الديمقراطية، التي أذهلت العالم بأكمله، الثورات النابضة بالحياة والورود والبرتقال والأرجوان والتوليب والأرز. إن مصير الشرق الأوسط مرتبط بشكل وثيق بالانتشار العالمي للحرية، لقد انتهى هذا الاعتقاد بأن المنطقة تمتلك مناعة نوعا ما تجاه الديمقراطية. فمن خلال العمل مع شركائنا في مجموعة ثمانية الكبار تمكنا في الولايات المتحدة الأمريكية من أن ننشئ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على نحو أوسع، كمبادرة لبناء علاقات شراكة مع شعوب تلك المنطقة الساعيين لتحقيق حرية أكبر….”. وهذا ليس تصريح سياسي فقط، بل اكثر من ذلك نظرية علمية بامتياز، لأن تحقيق الشرق الأوسط الجديد يستلزم إسقاط الأنظمة التي تعرقل هذا المشروع وإقامة أخرى جديدة حليفة، وذلك بطريقة مرنة سياسيا وليس عسكريا، حتى لا يظهر تورط أمريكا في الفوضى، باستثناء التدخل من أجل إدارة هاته الفوضى تحت ذرائع إنسانية وتوجيهها حيث تريد. أما العمل العسكري مستبعد لأنه عمل مكشوف ومكلف ونتائجه غير مضمونة. لذلك كانت الثورات الملونة مفضلة عند الدوائر الاستخباراتية. وهو ما يؤكده قول جميس وولسي مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية الذي نشر في القنوات الإعلامية الأمريكية سنة 2006 “إذا نجحنا في إقناع المسلمين في العالم، الذين هم تحت العبودية كما هو ظاهر في كثير من هذه الدول، أننا نحن إلى جانبهم، سوف ننجح في النهاية، كما فعلنا ونجحنا في الحرب العالمية الأولى والثانية، والحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، طالما نفعل ذلك، سوف نجعلهم متوترين، سوف نجعل العائلة الملكية في السعودية متوترة، سوف نجعل نظام مبارك متوتر، وبعد نجاحنا في تحرير العراق، سوف نتفرغ لسوريا وليبيا وباقي الدول، ونضغط عليهم لمحاولة تغييرهم، سوف يلجا إلينا نظام مبارك وكذلك العائلة المالكة في السعودية، ويقولون لنا نحن متوترون، وردنا عليهم سيكون هذا الامر جيد، نحن نريدكم هكذا، نريدكم أن تكونوا  متوترين، نحن نريدكم أن تعرفوا أنه ألان وللمرة الرابعة خلال مائة سنة الماضية أن هذه الدولة وحلفائها الديمقراطيين قادمون للزحف وسوف ننتصر، لأننا إلى جانب هؤلاء الأشخاص الذين يخافون منهم حكام العرب شعوبهم”. هناك منظمات دولية غير حكومية، تتوفر على خبراء محترفين في صناعة الثورات، ومن هذه المنظمات نذكر “اوتبور” الصربية (رمزها قبضة اليد)، يتوافد إليها الشباب من مختلف البلدان التي ستكون هدفا للثورات الملونة. فهي تدرب الشباب في مركز استراتيجيات المقاومة الغير العنيفة على كيفية قيادة ثورات السلمية، وكيفية تأثير في الشعب والتعامل مع قوات الأمن والجيش. والدليل العملي الذي يعتمدونه في تدريب الشباب هو للكاتب الامريكي جين شارب يحمل عنوان: من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، الكتاب المقدس للمقاومة الغير العنيفة.

فعندما تكون أي دولة ضعيفة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، تكون ظروفها مؤهلة جدا لنجاح الثورة الملونة، لأن الشعب يكون يشعر بالظلم والرغبة في الانتقام، لذلك فالأمر لن يكلف سوى تدريب مجموعة من الأشخاص على كيفية قيادة الشعب بالوسائل الخطابية والسلمية والدعائية كما تقوم به منظمة “اوتبور”، لترى الأنظمة تسقط واحدة تلوى الأخرى. وسقوط أي نظام سيؤدي إلى الفوضى. لتتدخل أمريكا باسم الحرية والديمقراطية لتوجيه الشعب عن طريق الدعم المالي والبشري والإعلامي إلى حيث تريد. فالشعب عندما يكون في حالة طبيعية يصعب التحكم فيه، عكس كونه في حالة فوضى وما ينتابه من غضب ومشاعر يسهل نفسيا التحكم فيه. تفسير ذلك ان لاشعور الشعوب يسهل إدارته  بطريقة لا تشعر انها متحكم فيه، وبالتالي تكون فاقدة للعقل ويتحكم فيها اللاشعور (المشاعر).               ان الثورات الملونة التي أسقطت بها أمريكا العديد من الدول، استخدمت فيها الشعوب كبش فداء،  وطبقت عليها دون أن تعلم. فعندما  تكون في حالة هيجان تسيطر عليها المشاعر ولا تتيح لنفسها وقت للتفكير في إذا كان ما يقومون به صائبا أو لا !. أو لماذا الغرب يدعمهم ؟ أو الأهداف التي تقف وراء ذلك !. لا تزال الشعوب تعتقد أن أمريكا أو الغرب عموما يدعم الثورات حبا فيها أو تعاطفا مع ظروفها. لكن التجارب كفيلة بتغيير مواقف الشعوب النظرية، والتاريخ زاخر بها، نتذكر كيف استغلت بريطانيا الشعوب العربية لقيادة ثورة عربية سنة 1916، لإسقاط الامبراطورية العثمانية في مقابل أن تمنحهم  الاستقلال والحرية ! . بعد انهيار الامبراطورية العثمانية لم تنل  الشعوب العربية لا استقلال ولا حرية. بل قسمت بريطانيا وفرنسا الدول العربية وفقا لاتفاقية سايكس بيكو. وبالتالي الغرب لا يهمه حرية أو استقلال العرب، لكنها تستغل فقط ظروف وحماسة الشعوب  لتدمير الدول التي تهدد المصالح الأمريكية. وإذا أرادت الشعوب أن تقوم بتقييم الثورات تقييما موضوعيا، يتعين عليها أن تدرس نتائج هذه الثورات. هل تحسنت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية بعد الثورة؟

إننا نعتبر الثورات الحقيقة؟ هي ثورات النفوس، التي يجب أن تطهر نفسية المجتمع من رذائل السيئة، لتمهيد الطريق للثورات الفكرية والسياسية”، لأن الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ماهي إلا انعكاس لنفسية الشعوب وليس العكس. إن الشعوب التي تحمل نفسيات مستبدة، تنتج أنظمة سياسة تشبه نفسية شعوبها، ومادامت نفسيات الشعوب مشبعة بالديكتاتورية لن تتغير الانظمة السياسة وستظل على حالها حتى ولو قامت الشعوب بمئات من الثورات، ولا يمكن لأي ثورة سياسية أن تنجح إذا لم تسبقها ثورة نفسية، وحتى إذا قامت ثورات عفوية في ظل نفسيات الديكتاتورية، في هذه الحالة الثورات ستؤدي إلى تعقيد الوضع أكثر فأكثر(حلقة مفرغة). وليس كل خطورة إلى الأمام تؤدي إلى الخير. فالكثير من الخطوات الغير المدروسة أدت إلى الهاوية. تغيير النفسيات نحو الأحسن مسألة بطيئة ومتدرجة، تتحكم فيها التجارب والأزمات وليس النظريات السياسية أو القانونية. ولكل شعب طبائعه النفسية. والتاريخ يخبرنا أن أغلب الثورات السياسية لم تقم بها الشعوب. بقدر ما قامت بها جهات تمتلك قوة تنظيمية ومالية (الجيش، الطبقات البورجوازية، منظمات سرية…) أما الشعوب فهي مجرد وقود في الثورات.

أما النفسية الديمقراطية، بالنسبة لنا، يتوقف تحقيقها على مسار من التراكمات والتضحيات، حتى ترتقي نفسيات الشعوب إلى الديمقراطية، وهذا الأمر قد يأخذ من الوقت قرون ليتحقق. لأن نفسية المجتمعات تتغير تدريجيا حسب مستلزمات الواقع. وعندما ترتقي نفسيات الشعوب إلى الديمقراطية حينها يمكن بناء دولة ديمقراطية تعكس نفسية المجتمع الديمقراطي. وخارج هذا الإطار لن تتحقق الديمقراطية. لأنه لا يمكن لنا أن نبني ديمقراطية في الأعلى (الحكومة) والديكتاتورية في الأسفل (المجتمع) مادام الأعلى سوى انعكاس للأسفل. باستثناء الديمقراطية الشكلية.

  • الحرب الاقتصادية: يستلزم تحقيق هدف دولة إسرائيل الكبرى أن تكون هاته الاخيرة قوية على الدول التي تريد أن تهيمن عليها، بمعنى إضعاف الدول المعنية بدولة إسرائيل الكبرى. وهناك عدة طرق تستخدم لهذا الغرض، فإسرائيل لا تجد أية مشكلة في الحرب الاقتصادية، لأنها هي التي تقف خلف المؤسسات المالية الدولية التي تمنح قروض لدول مقابل إملاء شروط عليها، الهدف من هذا الاستعمار الاقتصادي هو ألا تكون الدول مستقلة ماليا عن المؤسسات الدولية كي لا يجعلها مستقلة في القرار السياسي، وهذا لا تريده إسرائيل، فهي تسعى إلى جعل الدول في وضع التبعية ليسهل تطبيق الإملاءات عليها[10]. وهذه السياسة تطبق على جميع الدول العربية بما فيها الدول التي تعتبر صديقة للغرب. هناك العديد من الدول طبقت إملاءات المؤسسات المالية الدولية وتسبب ذلك في اندلاع حركات احتجاجية. وعندما تحقق الحرب الاقتصادية هدفها تجد الدولة نفسها منهارة اقتصاديا، وغير مؤهلة للصناعة والإنتاج، بالتالي اللجوء للاقتراض، ليعطي المؤسسات المالية الدولية مجالا أوسع للتدخل في الشؤون الداخلية للدول. مما يفسر ان إسرائيل لن تسمح بقيام أي دولة عربية أو اسلامية قوية اقتصاديا وعسكريا، ولعل نموذج ايران خير مثال بحيث تحاول إسرائيل تطبيقه على هاته الدولة، التي تعيش أربعين سنة تحت العقوبات الاقتصادية ووصلت بمجهوداتها الذاتية في مجلات البحوث العلمية النووية والفضائية والعسكرية إلى مستوى لم تصل إليه أي دول عربية أو خليجية تعيش في الرخاء. كل هذه الإنجازات تهدد مشروع دولة إسرائيل الكبرى، لأنه ليس من حق المسلمين التقدم، فهم في نظر الإسرائيليين يجب أن يبقوا فقط مستهلكين للغرب… امتلاك الأسلحة النووية محرمة على المسلمين، لكن من حق إسرائيل والغرب امتلاكها، لكن أن تقوم إيران بتطوير البحوث النووية مسألة غير مقبولة، لذلك أعلنوا الحرب الاقتصادية والسياسية والإعلامية والديبلوماسية على إيران منذ 1979 لتبقى ضعيفة، وليسهل استعمارها.

كما أن الحرب الاقتصادية طبقت أيضا على العراق و سوريا، بحيث شنت من قبل من يدعون أنهم جاءوا لمساعدة الشعب السوري ! وحاولوا تدمير الاقتصاد والعملة السورية، ليعيش الشعب السوري في الفقر والمجاعة،

وإذا فشلت الحرب الاقتصادية في تحقيق أهدافها. ينتقل الغرب إلى الحرب العسكرية، لكن بالنسبة لإسرائيل هذا الخيار صعب التحقق، لأنها لا تتوفر على جيش كبير، فهي دولة صغيرة محاطة بملايين من الجيوش العربية، لذلك ستتجنب الحرب المباشرة قد الإمكان، وتعتمد إلى جانب الحرب الاقتصادية الحرب الاستخباراتية والإعلامية سواء من خلال صناعة ثورات أو انقلابات أو دعم الأقليات.

  • سياسة الخطورة خطورة: إن مشروع دولة إسرائيل الكبرى يمرر تدريجيا تطبيقا للسياسة “الخطوة الخطوة” التي جاء بها هنري كيسنجر، التي طبقتها إسرائيل في علاقتها بالعرب. وهي سياسة تعتمد على موازين القوى. فقد طبقت في البداية أثناء الحرب العالمية الثانية عندما طالبت المنظمة الصهيونية العالم السماح لليهود باللجوء إلى فلسطين من أجل حمايتهم من محارق هتلر. تحت ذريعة و كحجة للعالم أن هدفها إنساني وليس لها أي أطماع أو نية إقامة دولة يهودية. لكن استمرت في الهجرة السرية والغير الشرعية وقاموا بشراء الأراضي، حتى أصبح اليهود يشكلون ثقل سكاني في فلسطين، حينها طالبوا بإقامة دولة، لذلك وافقوا على قرار التقسيم سنة 1947[11]، الذي يقوم على فكرة حل الدولتين. و عندما ازدادت إسرائيل قوة غيرت سياستها وأصبحت تفرض سياسة الأمر الواقع وهو الدولة الواحدة، بحيث قامت بالاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وطرهم من قراهم، وحول هذا الموضوع يقول بن غوريون “…من شأن الهجرة أن تعزز قوتنا كثيرا، أكثر من أي شيء أخر. وفي ما يتعلق بالاحتلالات ربما كان في وسعنا احتلال المثلث والجولان والجليل كله، بيد أن هذه الاحتلالات ما كانت لتعزز أمننا بمقدار ما قد يعززه استيعاب المهاجرين، مضاعفة المهاجرين تمنحنا المزيد من القوة، ومن جهة أخرى الهجرة تنقذ اليهود من فناء تام يمكن أن يحيق بهم في المستقبل….على الهجرة يتوقف مصير الدولة.. صحيح أنه تسنى لنا إنجاز احتلالات، لكن من دون استيطان، ليس لهذه الاحتلالات قيمة حاسمة لا في النقب، ولا في الجليل ولا في القدس، والاستيطان هو الاحتلال الفعلي…”[12]. والهدف من السياسية الإسرائيلية أن تكون إسرائيل هي الدولة الفعلية وفلسطين دولة شكلية، ليسهل إخضاع هاته الاخيرة. وتصبح دولة بدون سيادة تقوم بأدوار خدماتية فقط للشعب الفلسطيني. مثل ولاية داخل إسرائيل. ولم تقف سياسة إسرائيل عند هذا الحد. حيث بعدما أصبحوا يسيطرون على أغلب فليسطين، بدأوا بالتوسع خارجها لاحتلال أجزاء من أراضي الدول المحيطة بها.

 وبالتالي، فإسرائيل كانت سياستها تحدد حسب ميزان القوة مع خصومها، عندما كانت فليسطين قضية العرب الأساسية، كانت في هذه المرحلة تطالب فقط بحل الدولتين، لكن عندما لم تعد فليسطين من اهتمامات العرب، إلى جانب ضعف العرب (بسبب خلافاتهم الداخلية)، هنا اختلت موازين القوى لصالح إسرائيل، وهذا وفر مناخ مناسب لتنفذ  سياسة التوسع، و تحقيق دولة اسرائيل الكبرى، فهي تريد البحث عن مجال حيوي مستقبلي لتوسيع رقعتها الجغرافية. لذلك الحل سيكون على حساب  جيرانها، الذين سيكونون ضحية هذا المشروع . وقد قدم الياهو حسب الياهو ساسون[13] إلى المنظمة الصهيونية مشروعه قائلا ” مشروعنا له العديد من الايجابيات:

  • إسقاط النظام السوري المعادي لنا. تقسيم العرب في فليسطين بين مؤيد ومعارض، مما سيضعف المعرضين لمشروعنا.

  • تحقيق الخطة الأمريكية والبريطانية الهادفة إلى إقامة دولة يهودية في جزء من فليسطين

  • تغيير موازين القوى في العالم العربي.

  • إن الدول العربية الكبيرة ستقسم وربما تهدم الجامعة العربية[14].

ويمكن القول أن إسرائيل نجحت نوعا ما في تحقيق جزء من مشروعها، حيث فككت في بداية الأمر الدول العربية من خلال عقد اتفاقات ثنائية (سلام ثنائي) معها لتحفظ موازين القوى لصالح إسرائيل. وذلك بإغرائها بتقديم مساعدات عسكرية وحماية الأنظمة العربية. كانت مصر أول دولة طبقت عليها هاته السياسة، بحيث خرجت بموجب اتفاقية كامب ديفيد من الصراع العربي الإسرائيلي،  اكثر من ذلك لم تقم أي حرب عربية أخرى ضد إسرائيل بعدها، وهذا كان الهدف من الاتفاقية.  لأن مصر كانت القائدة للدول العربية (الإسرائيليين يعتبرون العرب بدونها لا يفعلون شيئا).  وقد عممت هاته السياسة على باقي دول المنطقة: الأردن، وفلسطين ماعدا العراق وسوريا ولبنان لم يبرما أي اتفاقية سلام مع اسرائيل، وهذا كان أحد أسباب العداء الإسرائيلي لهذه الدول.

فإذا قمنا بحساب عدد الصراعات التي خاضها العرب، سنجد أن أغلبها كانت حروب داخلية وإقليمية بين دول عربية وليس خارجية مع دول أجنبية. هذه الصراعات الداخلية  جعلت العرب في حالة ضعف وغباء سياسي، حفز ودعم إسرائيل على أن تتقوى، ومادام العرب في هذا الطريق، سيستيقظون يوما ما وسيجيدون إسرائيل أقامت دولتها الكبرى من النيل إلى الفرات.

العرب سهلوا المهمة على إسرائيل، لأن حالتهم لا تحتاج من العدو خلق أزمات أو انقسامات، لأنها موجودة أصلا، ما عليها سوى إدارة هذه الصراعات في سبيل تحقيق أهدافها، وهذا يتوقف على العمل الاستخباراتي والسياسي وليس العسكري. إن طموح إسرائيل هو أن لا تخوض أي حرب عسكرية مع أعدائها، مادام الأعداء سيحاربون محلها، ويحققون أهدافها. وإسرائيل تشكر العرب على الخدمات المجانية التي يقدمونها لها[15].

فمادامت هذه الصراعات الداخلية والاقليمية مستمرة، ستقسم العرب وتدمر العالم العربي، فهذا يعني أن القوى الفاعلة في هذه الصراعات تخدم مشروع دولة إسرائيل، سواء عن علم أو بدون علم[16].

الخاتمة

وبالتالي مصلحة إسرائيل في بقاء الانقسامات العربية والاسلامية، واستغلالها لإبقاء العرب ضعفاء، مما يمكنهم من تحقيق مشروع دولة إسرائيل الكبرى، دون أي عراقيل. يقول ساسون (20-11-1946) “…يتوجب علينا أيضا تشجيع العناصر الطامحة لتقسيم لبنان إلى دولتين مسيحية وإسلامية، أو العناصر الطامحة لإعادة لبنان إلى حدوده في العام 1918 وإقامة دولة مسيحية نقية من العنصر الإسلامي داخل هذه الحدود، وإن دولة كهذه في حال قيامها ستدعم الأهداف الصهيونية في فليسطين..”[17]. “…إذا تم تقسيم لبنان وإقامة دولة مسيحية في أحد أجزائه قبل إقامة الدولة اليهودية، فإن هذا الوضع سيستغل من جانبنا كنموذج لحل مشكلة فلسطين، وسيضعف إلى حد كبير المعارضة العربية لتحقيق أهدافنا السياسية. أما إذا تم تقسيم لبنان وإقامة الدولة المسيحية بعد إقامة الدولة اليهودية، وهذا ما تظهر ملامحه ألان، فهذا الوضع سيسهل إقامة تعاون مخلص بين الدولتين الجديدين المسيحية واليهودية من جهة، وبين الدولة الديمقراطية العظمى وهاتين الدولتين من جهة أخرى..”[18].

  والاتحاد الذي كان عند العرب في السابق، مكنهم من قوة حكمت العالم خمسة قرون، والتفرقة الموجودة عليها العرب اليوم أدت إلى إضعافهم.  فالقوة التي كانت من أسباب عظمة العرب أصبحت أيضا من أسباب ضعفهم. عندما أصبحوا يستخدمونها ضد بعضهم البعض. وما يخيف إسرائيل هي قوة العرب الناتجة عن اتحادهم، نظرا للقواسم المشتركة الموجودة بينهم، لكن لا يستغلونها، لأنهم أصبحوا يستخدمونها في غير محلها. في  هذا الإطار، قال دافيد بن غوريون يجب أن “…نأخذ في الحسبان جيراننا فقط والعالم العربي في الدرجة الأولى، إنهم يشكلون خطرا كبيرا، فهذا عالم موحد من ناحية اللغة والدين والثقافة، ونحن عنصر غريب، وربما عنده رغبة في الانتقام، وربما تداعت إلى دهنه الحملات الصليبية…”[19]. أمام هذا الواقع لا تحتاج إسرائيل إلى استخدام القوة العسكرية. فتفريق العرب والمسلمين وتقسيمهم، هدف أهم من المعارك العسكرية.

ملاحق

استراتيجية من أجل إسرائيل في الثمانينات[20]

ركزت هذه الاستراتيجية أساسا على تقسيم الدول العربية، أهم ما جاء فيها:

  • لقد تم تقسيم المنطقة الى 19 دولة كل منها تضم عدة مجموعات من الأقليات والجماعات الاثنية التي تكن مشاعر عدوانية تجاه المجموعات الأخرى، وهكذا تواجه كل دولة عربية إسلامية ألان، عوامل تدمير اثنية واجتماعية من داخلها. وفي بعض الدول تتأجج بالفعل حرب أهلية…مما يجعل من الصعب أن تكون أمة واحدة.

  • أما الأردن فهي في الواقع فلسطينية، تحكمها أقلية من البدو القادمين من الضفة الشرقية، ولكن معظم أفراد الجيش، وبالتأكيد الطبقة البيروقراطية، هم اليوم من الفلسطينيين. وفي حقيقة الأمر، تعتبر عمان مدينة فلسطينية مثلها مثل نابلس.

  • هذه الصورة للأقلية الاثنية، القومية التي تمتد من المغرب وحتى الهند، ومن الصومال وحتى تركيا، تدل على غياب الاستقرار وعلى تحلل سريع في المنطقة بأكملها. وإن أضفنا تلك الصورة إلى الصورة الاقتصادية، نرى كيف تم بناء المنطقة كلها مثل منزل من الورق، بحيث تصبح غير قادرة على تحمل مشاكلها الحادة.

  • كان من ممكن تجنب كل الصراع المؤلم والخطير منذ ذلك الوقت إن كنا أعطينا الأردن إلى الفلسطينيين الذين يعيشون على الضفة الغربية من نهر الأردن.

  • لقد قضي على أسطورة مصر كزعيم قوي للعالم العربي منذ عام 1956، وبالتأكيد لم تستمر تلك الأسطورة بعد 1967، ولكن سياستنا مثل تلك التي تعمل على استعادة سيناء، عملت على تحويل الأسطورة إلى واقع، ولكن حقيقة الامر، قوة مصر بالمقارنة بقوة إسرائيل وحدها وبقوة سائر العالم العربي سقطت بنسبة 50% ، منذ عام 1967. لم تعد مصر القوة السياسية القائدة في العالم العربي، واقتصاديا باتت على شفا أزمة. وبدون المساعدات الأجنبية فإن الأزمة ستتفجر غذا لا محال. مصر في صورتها السياسية الداخلية الحالية، باتت بالفعل جثة خاصة مع الأخذ في الاعتبار الصدام المتزايد بين المسيحيين والمسلمين. أن تفكيك مصر إلى أقاليم جغرافية منفصلة هو هدف إسرائيل السياسي الذي تسعى إلى تحقيقه في الثمانينات على جبهتها الغربية. مصر منقسمة وممزقة إلى عدة بؤر ذات نفوذ. إذا تفككت مصر، فإن دولا مثل ليبيا والسودان، أو حتى الدول التي تقع أبعد من ذلك، لن تستمر في الوجود في شكلها الحالي، وسوف تنظم إلى سقوط وتحلل مصر. إن تصور بوجود دولة مسيحية قبطية في مصر العليا متاخمة لعدة دول ضعيفة ذات سلطان شديدة المحلية وبلا حكومة مركزية، هو مفتاح التطور التاريخي الذي تأخر فقط بسب اتفاقية السلام، ولكن الذي يبدو حتميا على المدى الطويل.

  • إن تفكك لبنان بالكامل إلى خمسة أقاليم يمثل سابقة للعالم العربي بالكامل بما فيه مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية، ويعمل بالفعل نحو هذا الهدف. وتفكك سوريا والعراق فيما بعد الى مناطق أثنية ودينية فقط مثلما حدث في لبنان، هو هدف إسرائيل الرئيسي على الجبهة الشرقية على المدى الطويل، بينما يعد تحلل القوة العسكرية لتلك الدول الهدف الرئيسي على المدى القصير. سوريا ستفكك وفقا لكيانها الاثني والديني، إلى عدة دول مثلما حدث في لبنان في الوقت الحالين بحيث يصبح هناك دولة شيعية علوية على طول الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، ودولة سنية أخرى في دمشق معادية لجارتها الشمالية، والدروز يقيمون دولتهم، ربما في هضبة الجولان التابع لنا، وبالتأكيد في منطقة جولان وفي شمالي الأردن. هذا الوضع سيكون هو الضمان لتحقيق السلام والأمن في المنطقة على المدى الطويل، وهذا الهدف يمكن تحقيقه بالفعل اليوم.

  • العراق، الغنية بالبترول من ناحية والتي تعاني من التمزق الداخلي من الناحية الأخرى، ستكون مؤكدا المرشح لتحقيق أهداف اسرائيل. إن تفكك العراق أهم لنا من تفكك سوريا. العراق أقوى من سوريا. وعلى المدى القصير، فإن قوة العراق هي التي تمثل أقوى تهديدا أكبر لإسرائيل. وحرب العراقية الإيرانية سوف تمزق العراق، وتسبب سقوطها داخليا حتى قبل أن تتمكن من تنظيم صراع ضدنا على جبهة عريضة. كل نوع من أنواع المواجهات العربية الداخلية سيساعدنا على المدى القصير وسيقلص الطريق نحو الهدف الأهم، وهو تفكيك العراق إلى قواسم متعددة مثلما حدث في سوريا وفي لبنان، وفي العراق، يمكن تقسيم البلاد إلى أقاليم غبر خطوطها الاثنية /الدينية مثلما حدث في سوريا خلال عصر العثمانيين، لذلك فإن ثلاث دول سوف توجد حول المدن الرئيسية: البصرة، بغداد، الموصل، والمناطق الشيعية الجنوبية سوف تنفصل عن الشمال السني الكردي، من الممكن أن تؤدي المواجهة الحالية بين العراق وإيران إلى تعميق تلك القطبية.

  • ليس هناك أي فرصة لأن تستمر الأردن في الوجود بشكلها الحالي لمدة طويلة، ويجب أن توجه إسرائيل سياستها، سواء في الحرب أو السلام، إلى تصفية الأردن بنظامها الحالي، وتحويل السلطة إلى الاغلبية الفلسطينية

  • يعد السكان هدفا استراتيجيا داخليا على أعلى مستوى، وإلا لن يكون لنا فرصة في البقاء داخل أي حدود. يهوذا (جنوب فليسطين)، السامرة (الضفة الغربية) والخليل هي الضمان الوحيد لنا لتحقيق وجودنا القومي، وإن لم نصبح الأغلبية في مناطق الجبال، فلن نحكم في البلاد وسنصبح مثل الصليبيين الذين فقدوا هذه البلاد، والتي لم تكن بلادهم على كل حال، وحيث كانوا أجانب. واليوم، الهدف الرئيسي الأول والأساسي هو إعادة التوازن للبلاد سكانيا واستراتيجيا واقتصاديا. والهدف القومي هو السيطرة على منابع المياه في الجبال من بير سبع إلى الخليل العليا، وهذا الهدف أدت إليه اعتبارات استراتيجية رئيسية، وهي توطين المناطق الجبلية في البلاد وهي مناطق خالية من اليهود اليوم.

استراحة نظيفة: استراتيجية جديدة لتأمين العالم[21]

أهم ما جاء في هذه الاستراتيجية، نذكر مايلي:

  • هو أن تنتهز إسرائيل المبادرة الاستراتيجية على طول حدودها الشمالية من خلال إشراك حزب الله وسوريا وإيران، بوصفهم عملاء العدوان الرئيسيين في لبنان، بما في ذلك عن طريق:ضرب البنية التحتية للمخدرات والتزييف في سوريا، والتي تركز جميعها على رازي كنعان.

  • ضرب أهداف عسكرية سورية في لبنان، وإذا ثبت أن ذلك غير كافٍ، فإنه يجب ضرب أهداف محددة في سوريا.

  • يمكن لإسرائيل أن تغتنم هذه الفرصة لتذكير العالم بطبيعة النظام السوري.

  • بالنظر إلى طبيعة النظام في دمشق، فمن الطبيعي والمعنوي أن تتخلى إسرائيل عن شعار “السلام الشامل” وتتحرك لاحتواء سوريا، وتلفت الانتباه إلى برنامج أسلحة الدمار الشامل، وترفض صفقات “الأرض مقابل السلام” على مرتفعات الجولان.

  • يمكن لإسرائيل أن تشكل بيئتها الاستراتيجية، بالتعاون مع تركيا والأردن، عن طريق إضعاف سوريا واحتوائها وحتى التراجع عنها. يمكن أن يركز هذا الجهد على إزاحة صدام حسين من السلطة في العراق – وهو هدف استراتيجي إسرائيلي مهم بحد ذاته – كوسيلة لإحباط طموحات سوريا الإقليمية.

  • كثير من العرب مستعدون للعمل مع إسرائيل. تقديم المساعدة لهم ضروريا. قد تجد إسرائيل أيضًا أن العديد من جيرانها، مثل الأردن، لديهم مشاكل مع عرفات وقد يرغبون في التعاون.

  • قد يكون هذا الدعم الواسع مفيدًا في الجهود المبذولة لنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس.

  • كانت الاستراتيجية السابقة تقود الشرق الأوسط نحو حرب عربية إسرائيلية أخرى. يمكن لأجندة إسرائيل الجديدة أن تشير إلى حدوث كسر نظيف من خلال التخلي عن سياسة افترضت استنفادًا وسمحت بتراجع استراتيجي من خلال إعادة تأسيس مبدأ الاستباق، بدلاً من الانتقام وحده والتوقف عن امتصاص الضربات للأمة دون رد.

[1] – ثيودور هرتزل، يوميات هرتزل، ترجمة هلدا شعبان صايغ، مركز الابحاث منظمة التحرير الفليسطينية، بيروت، ص 711.

[2] – جاك تايلور، أوراق الموساد المفقودة، ترجمة إلياس توفيق، ص 71

[3] –   قال جاك تايلور “…نقوم بدفع طرف أخر لكي يتولى تنفيذ العمل الإرهابي نيابة عنا، إن الحالة المثلى هي أن يكون هذا الطرف هو أحد أعدائنا حيث نستغل طمعه وجشعه أو نستغل غروره وكبرياءه الكاذبة، أو رغبته في الانتقام، أو نستغل مثاليه غير الواقعية أو الزائدة عن حدها، ومن الممكن أن نستغل خليطا من هذه الدوافع، كل هذا يعتمد على البراعة التي نلعب بها ورقتنا وعلى درجة سذاجة ضحيتنا…”.

جاك تايلور، أوراق الموساد، ص 74.

[4] – رئيس القسم السياسي بالمنظمة الصهيونية 1933- 1948، أول وزير خارجية إسرائيل 1948- 1956، ورئيس وزراء اسرائيل 1954- 1955.

[5] – من يريد التعمق في تفاصيل الإرهاب الاسرائيلي اتجاه الدول العربية، انظر: موسى شاريت، إرهاب إسرائيل المقدس، من مذكرات موسى شاريت، ترجمة ليلى حافظ، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الاولى، القاهرة، 2009.

[6] – قال الجنرال الامريكي وسلي كلارك في مؤتمر الديمقراطية الان، في مقابلة تليفزيونية ” حوالي عشرة ايام بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، ذهبت الى وزارة الدفاع (البنتاغون) وبعد أن قابلت الوزير دونالد رامسفيلد ونائبه بول ولفويتس، هبطت إلى الطابق السفلي لمقابلة بعض الأشخاص، الذين كانوا تحت إمرتي، أحد الجنرالات ناداني قائلا: سيدي ، عليك القدوم والتحدث معي لفترة وجيزة، قلت له لكنك مشغول، لا لا، لقد اتخذنا قرار خوض الحرب على العراق. كان هذا في حوالي 20 من ديسمبر، قلت له: نحن ذاهبون للحرب في العراق لماذا، قال لا ادري، ثم قال لي: أظن أن ليس لديهم ما يفعلونه غير هذا، قلت له هل وجدوا أي دليل يربط صدام حسين بالقاعدة؟ قال لا لا، لا جديد في هذا، ولكنهم بكل بساطة قرروا الحرب على العراق، ثم قال : ولكن أظن أننا لا نعلم ماذا نفعل مع الإرهاب، ولكن عندنا قوة عسكرية قوية، ويمكننا إسقاط الأنظمة.، ثم قال: أظن أن الإدارة الوحيدة التي لديها القوة العسكرية هي مطرقة وكل مشكلة يجب أن تبدوا وكأنها مسمار،  عدت لرؤيته بعد عدة أسابيع، وفي ذلك الوقت كنا قد بدأنا القصف الجوي في أفغانستان، قلت له: هل لا نزال على قرارنا بالحرب على العراق؟ ثم انحنى على مكتبه وتناول مذكرة وقال: لقد استلمت هذه من الأعلى، (مكتب وزير الدفاع)، ثم قال هذه المذكرة تصف كيف علينا احتلال 7 دول في مدة 5 سنوات: نبدأ بالعراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، ثم ننتهي بإيران.

[7] – قبل أحداث 11 سبتمبر سنة 2001، أخبرت المخابرات الأمريكية البيت الأبيض أن هجوم إرهابي وشيك الوقوع وقدمت التفاصيل المتعلق بذلك. لكن البيت الأبيض رفض ذلك. وبعد وقوع أحداث 11 سبتمبر. كان بيت الأبيض يطلب من المخابرات الامريكية، إثبات تورط صدام حسين في أحداث 11 سبتمبر. لكن المخابرات الامريكية أكدت أن  صدام حسين ليس له أي علاقة بأحداث 11 سبتمبر.

للمزيد من التفاصيل: أنظر كتاب سوزان لبنداور العميلة السابقة في المخابرات الامريكية التي كانت مكلفة بملف العراق.

سوزان لبنداور، عندما تصبح الحقيقة خيانة، ترجمة سليمان القرنة، الطبعة الأولى، ، العبيكان، الرياض، 2016.

[8] – قال تشارلز شوبريدج، ضابط سابق في المخابرات البريطانية في مكافحة الإرهاب، قال في برنامج قصارى القول، على قناة الروسية RT” …إن المخابرات البريطانية مرتبطة بتنظيم الدولة “داعش” وجبهة النصرة في كل من سوريا والعراق، يقدر الجهاديون البريطانيون ب2000 وهم يحاربون إلى جانب النصرة أو داعش، خلال سنوات الثلاث الماضية كان الجهاديون يتنقلون بحرية الى سوريا وهذا مخالف للقانون كما أنه مخالف للقانون البريطاني…إن المخابرات البريطانية والأمريكية هما المسؤولان عن ظهور داعش، بالإضافة إلى الممولين العرب، والأمر قد لا يكون له علاقة بسوريا بشكل مباشر،  بل بالشرق الأوسط ككل وبالصراع بين السنة والشيعة  والذي تم استغلاله  من قبل الغرب بالإضافة غلى السعودية التي لعبت دورا كبيرا في تمويل ودعم داعش وتنظيمات مشابهة، وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لعبت أيضا دورا في ذلك وإن لم تقم بدعم تلك المجموعات  بشكل مباشر إلا أنها  سمحت بدعمهم. وهنا نرى أن ظهور داعش وأهدافها متوافقة مع السياسية البريطانية والأمريكية والسعودية في المنطقة…وأن الحكومة  البريطانية لم تفعل شيئا، غلا مؤخرا لمنع الجهاديين من الذهاب الى سوريا، بعكس الإجراءات التي تقوم بها لمنعهم من التوجه إلى أفغانستان  واليمن وغيرها، وهكذا أصبحت سوريا المكان الوحيد يستصرف فيه الإرهابيون وعناصر القاعدة كما يشاؤون، بلا خوف  من تعرض لضربات من قبل الطيران بدون طيار. وجود بعض الساسة في السعودية وقطر وبريطانيا والولايات المتحدة، يرون منفعة في استمرار هذه الحملة لفترة طويلة.  القوات الأمريكية بإمكانها تدمير داعش بسرعية  وتحرير المناطق  التي تسيطر عليها ، كما هو الحال بالنسبة لتركيا،  التي تستطيع  تدمير قوات داعش الموجودة على حدودها مع سوريا، لكن هناك منافع من داعش والجماعات الأخرى التي تحارب  الأسد خلال السنوات الأخيرة والهدف زعزعة الاستقرار في العراق وسوريا حلفاء إيران في المنطقة والتي ينظر إليها كعدوة بالنسبة لإسرائيل والسعودية أي أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومن المنطقي عدم القضاء على داعش أو تركها تسيطر على زمام الأمور،  فالهدف بالنسبة لهم هو  الإبقاء على الأزمة مشتعلة، وبالتالي نستنتج أن الغرب كان مهتما بالإبقاء على الحرب الدائرة  في سوريا وهذا ما يحدث في العراق، حيث هناك حكومة شيعية ودولة تحكم من قبل الاغلبية الشيعية  وهي قريبة من الحكومة  في سوريا ومن مصلحة السعودية واسرائيل إضعاف تلك الدول سوريا أو العراق وقد يكون من  مصلحتهم  تقسيم هذه الدول  أيضا”.

[9] – قال محمد خير صالح الحربات قائد المجلس العسكري السابق في الجيش الحر في وثائقي لقناة الميادين حول موضوع ” الجنوب السوري لهيب الإقليم”: “… المخابرات  الأمريكية وغيرها، جابوا أبو محمد الجولاني رئيس جبهة نصرة من الشمال إلى الجنوب ودخل إلى الأردن  تم نقلوا من الحدود  في سيارة مصفحة  إلى أحد الفنادق وكان الفندق خالي من الجميع إلا فريق المخابرات الأمريكية له فقط. العالم كله يعرف أننا مستعدين أن نحط أيدينا بيد الشيطان للقضاء على النظام، نحن ليس عملنا إسرائيل بل سوريا، نحن بعيدين كل البعد عن إسرائيل…”.

[10] – للمزيد من التفاصيل حول الحرب الاقتصادية انظر: جون بركز، اعترافات قرصان اقتصادي للأمم، ترجمة مصطفى الطناني وعاطف معتمد، دار الطناني للنشر، الطبعة الثانية، 2010.

[11] – صوت لقرار التقسيم 33 صوت ضد 13 صوت

[12] – دافيد بن غوريون،  يوميات الحرب، 1948- 1949، ترجمة، سمير جبور،  مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الأولى، بيروت 1993، ص 744.

[13] – المسؤول عن العلاقات السياسية التابعة للقسم السياسي للمنظمة الصهيونية.

[14] – بدر الحاج، قراءة في مذكرات الياهو ساسون والياهو ايلات، ترجمة اديب ابو علون، دار مصباح الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1982، ص 139.

[15] – قال جاك تايلور “…سيكون هناك عداء مستفحل وواضح بين العراق وإيران، أو السعودية والكويت، والأردن والفلسطينيين، أو لبنان وسوريا، ولكن نحن من جانبنا لا نود أن نورط أنفسنا في هذه الصراعات، وهذا لا يعني أننا سوف لن نساعد أحد طرفي النزاع ضد الأخر. لقد قيل قديما ‘إن الأعور في مملكة العميان ملك’ يمكن القول أن العمياء هم أولئك الذين لم يتعلموا من دروس التاريخ، وهؤلاء سوف تقودهم القلة التي قرات التاريخ واستوعب دروسه.

 جالك تايلور، المرجع السابق، ص 152.

[16] – قال جاك تايلور “…قد تكون هناك حروب في مستقبل، وقد يكون البعض منها بتصعيدنا نحن، ولكن أيا ما كان أصل هذه الحروب وسببها، فإننا سوف لن نكون نحن طرفا، وسنبقى بعيدا عنها إلى اللحظة التي نتأكد فيها بأن هناك فائدة يمكننا أن نجنيها من اشتراكنا فيها. هذا لا يعني أننا لا يمكننا التأثير على السير هذه النزاعات والحروب. نحن لدينا جهاز مخابرات هو الأول من نوعه في العالم. كما لدينا مستشارين ذوي نفود وتأثير على أغلب رؤساء العالم من واشنطن الى الخليج الفارسي. أحيانا نقوم بتأييد جانب وأحيانا نؤيد جانبا أخر، ويتوقف ذلك في جميع الأحوال على مدى فائدته لإسرائيل…”.

جالك تايلور، نفس المرجع، ص 155.

[17] – بدر الحاج، قراءة في مذكرات الياهو ساسون والياهو ايلات، المرجع السابق، ص 32.

[18] – بدر الحاج، نفس المرجع، ص 33.

[19] – دافيد بن غوريون،  يوميات الحرب، المرجع السابق، ص 746.

[20] – الخطة التي نشرها أوديد إينون، صحفي إسرائيلي، وموظف سابق بوزارة الخارجية الإسرائيلية.

[21] – هذه هي الوثيقة الرسمية التي قدمها معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة التابع لمعهد الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية في سنة 1996، بناء على طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بن يمين نتنياهو، كخطة استراتيجية ستعتمدها إسرائيل على تنفيذها في المستقبل حتى سنة 2000.

باحث في العلوم السياسية، جامعة محمد الخامس، المغرب.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. أصبحت كل الاشياء واضحة وضوح الشمس
    ولكن نحن ما زلنا نعيش في الظلام.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here