مسرحية حرب الشمال السوري

د. عبد الستار قاسم

تحاول بعض وسائل الإعلام التركية والعربية أن تصور لمتابعيها أن حربا ضروس تجري في الشمال السوري، وأن الطرف الذي تؤيده يحقق انتصارات باهرة. وتنشغل هذه الوسائل بمتابعة مجريات الحدث قليل العنف في الشمال السوري واستضافة المعلقين والمحللين،  وبث الندوات والحوارات بين مختلف وجهات النظر. وسائل الإعلام التركية تبث مشاهد انتصارات تقول إن الجيش التركي يحققها، ومشاهد هروب مجندي قسد من أرض المعركة. وكذلك تفعل بعض وسائل الإعلام العربية. ولا تبخل وسائل العرب والترك في نشر البهجة التي يعبر عنها أهالي القرى والمدن التي يدخلها الجيش السوري أو الجيش التركي.

ما تقوم به وسائل الإعلام هذه يشكل استهتارا بذكاء المشاهد أو المتابع، وتعتبره مجرد صنم يجلس أمام التلفاز دون أن يفقه ما يدور حوله. الافتراض أن المشاهد العربي والتركي أبله ولا يملك قدرة على التمييز، وهو يبلع ما تقدمه وسائل الإعلام على أنه الحقيقة. من المحتمل أن العديد من المشاهدين بلهاء عندما تكون الحقيقة تائهة  وتتقاذفها رؤى متباينة  وقوية في جدليتها، لكن هذا لا ينطبق على ما يجري في الشمال السوري لأن المسرحية واضحة المعالم.

ما يوصف بالحرب في الشمال السوري تم وضع مجرياتها مسبقا على الورق باتفاقيات بين مختلف الأطراف بحيث تتم مراعاة: وحدة الأراضي السورية ما أمكن، وتلبية المطالب الأمنية التركية، والمحافظة على حياة المدنيين من عرب وكرد وممتلكاتهم الخاصة والعامة، وحتى تجنب قتل العسكريين من قسد بقدر الإمكان، وفتح المجال أمام الجيش السوري لدخول بعض التجمعات السكانية الكردية، وأن يعمل الجميع في النهاية على ملاحقة عناصر داعش.

توافق الأمريكيون والروس على وضع الخطوط العريضة لمجريات الحدث. الأمريكيون لا يرغبون بخسارة تركيا لأنها حليف استراتيجي وعضو في حلف شمال الأطلسي، والروس أيضا لا يرغبون بخسارتها بعدما تحسنت العلاقات بين الطرفين.  ونظرا لذلك كان على الكرد أن يكونوا الضحية. الأمريكيون انسحبوا لفتح الطريق أمام الجيش التركي، والروس أقنعوا الكرد بالعودة إلى مظلة الدولة السورية لأنه لا حماية لهم خارجها لا من أمريكا ولا من الأتراك. أيقن الكرد أنه لا نصير لهم، وخيارهم الأفضل هو تسهيل عمل الجيش السوري. تعهد الروس والأمريكيون بأن يضبط كل منهما حلفاءه في المنطقة كي لا تندلع حرب بين الجيش التركي من جهة، والجيش السوري وقسد من جهة أخرى.

المتتبع لما يوصف بحرب لا يجد حربا، وإنما يرى بعض المناوشات العسكرية التي لا تدوم طويلا وذلك نظرا لظهور تفاصيل تتطلب حلا أمريكيا روسيا سريعا. ما يجري في الغالب انسحابات قسدية ودخول جيوش لتجمعات سكانية بدون قتال.

ما هو مهم فيما يجري في شمال سوريا هو ما سنراه بعد أن تضع الحرب المزعومة  أوزارها. هل سيبقى الأتراك في الشمال السوري ويفرضون تقسيما للأرض السورية أم لا؟ هذا يعتمد على ما توافق عليه الروس والأمريكيون. وتقديري أن الروس مصممون على وحدة الأراضي السورية، وهم لا مانع لديهم ببقاء تركي مؤقت في الشمال لغاية الاطمئنان إلى أوضاعهم الأمنية. وفي المقابل، سيطلب الروس من سوريا المحافظة على أمن الحدود السورية التركية. ومن المفروض أيضا أن يصر الروس على أمن سوريا من جهة الحدود التركية لأن الدمار الذي لحق بسوريا قد تم بفعل فتح الحدود التركية أمام المسلحين والسلاح. وإذا كان للمنهج الإحصائي أن يتدخل، واضح أن الأضرار التي لحقت بسوريا من جهة الحدود التركية كبيرة جدا وأضعاف ما لحق بتركيا من أضرار من جهة الحدود السورية. أي أن المحافظة على الأمن السوري أكثر إلحاحا من المحافظة على الأمن التركي. فهل سيتم إلزام الطرفين بحفظ أمن متبادل، أم أن الضغط سيكون فقط على الجانب السوري؟

هذا ومطلوب من الكرد أن يعيدوا التفكير بتكتيكاتهم السياسية والعسكرية، وألا يبقوا أنفسهم أدوات بأيدي دول غير مؤتمنة وعلى رأسها أمريكا والكيان الصهيوني. الأفضل لهم عدم استيراد قوى خارجية لا هم لها سوى تحقيق مصالحها. المفروض أنهم تعلموا من تجاربهم السابقة الخائبة.

اكاديمي وكاتب سياسي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. منذ البدايه ترامب انتقد التدخل في الشأن السوري كونه غير مجدي ماديا له كتاجر لانه يريد التدخل في مناطق تدر عليه العوايد كما في مشيخات الخليج حيث تدر البلايين على خزانته. اردوغان التقط هذه الرساله وهو الذي بداء يفقد السيطره على حزبه وفي الداخل عندما اضاع إسطانبول . وايضا عنده ما زالت طموحات استعماريه خارجيه كسابقيه الذين التهموا لواء الاسكندرون اوشمال قبرص. ولكن الوضع في سوريا التي عانت الممارسات التركيه الفاشية بمسمى الحكم العثماني والذي أسس للكيان الصهيوني وهناك روسيا وإيران بالمرصاد وتهمهما المحافظة على وحده التراب السوري هذا بالاضافة لجوهر الموضوع وأساسه وهو اراده السوريين أنفسهم بوحده ترابهم واستعدادهم لبذل الغالي والرخيص في سبيل ذلك وهم الأساس في التصدي لطموحات الاردوغان وغيره وهذا ما مارسوه على مدى التسع سنوات السابقه.

  2. هذا هو زمن الذل والهوان والعار، الانظمه العربيه التي تنخر باجسادنا فسادا و ظلما وقهرا على مدى عشرات السنيين هاهي تستميت وتدفع بكل مالديها للبقاء على العرش.
    ماتت سوريا والسوريين ولكن النظام يتمسك بالعرش والسلطه او مابقى منها بعد أن ارتهن للغير ومازال يعزف على نفس الاسطوانه المشروخه من سياده ووطن ومواطن؟
    ال سعود يحتمون خلف ثلاثه آلاف جندي أمريكي يتقاضون رواتب ملكيه لحمايه للمملكه في حين يموتوا اهل العقالات والجلاليب من الطفر والجوع والحرب على اليمن؟
    لبنان الطائفي بامتياز قرف الطائفيه وكفر بمعادله توزيع الحقائب ويريد ان يصبح مواطن يحترم ببلده بدون وصايه من احد.
    وضفه عباس وغزه حماس والناس الي بتنداس بالكابونه والمئه دولار لشراء للذمم والتنسيق الأمني للافراح عن المستحقات الضريبه والعوائد الماليه لسلطه الشماته.
    ولسا ياما نشوف من هولاء من خسه ونذاله، هذا ماقدمت ايدينا وتركناهم يتلاعبوا بحاضرنا وماضينا ومستقبل قاتم جاثم بيستنا فينا.
    استنوا لما النيل يجف والصحراء تتوسع وصدونا تجف وتضمر وعيونا لاتجد دموع تذرفها في حينها يبقى لنا فقط الأمل مادام هناك نفس وعرق ينبض.

  3. حتى الاجتماع الذي جرى بين وزيري الدفاع والخارجيه الامريكيين والنظام التركي كان مسرحيه ، وكل التصريحات الناريه ، والشتائم والكلام البذيء ، كانت كلها تمثيليه ، وضحك على الذقون !.
    ترامب اراد ان يُظهر انه سيد الموقف ، بعد ان غدر بحلفائه وتعرض لانتقادات داخل الولايات المتحده !.
    واردوغان اراد تحقيق اهداف ، ببثه مشاهد آليات عسكريه، لعلها تُعيد اليه الامجاد بمحاربته الاكراد !.
    اما اجتماع الخمس ساعات ، لم يكن في الحقيقه اكثر من خمسة دقائق !، والباقي كان مجرد استمتاع بحفله عشاء تخللها رقصات واغاني تركيه !.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here