مستقبل أردوغان السياسي بعد الانتخابات البلدية

أحمد عبده طرابيك

جاءت الانتخابات البلدية التي جرت في تركيا يوم الحادي والثلاثين من شهر مارس 2019، بمثابة استفتاء علي سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لسببين، الأول: أنها كانت الانتخابات الأولي التي تجري في تركيا بعد التعديلات الدستورية وتحول البلاد من النظام البرلماني إلي النظام الرئاسي، وانتخاب أردوغان رئيساً للبلاد. والثاني: هو أهمية الانتخابات البلدية بالنسبة للمواطن التركي، حيث تتمتع البلديات بصلاحيات واسعة في السياسة الداخلية لكل بلدية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر علي حياة المواطنين، لذلك فإن الرئيس أردوغان كان حريصاً علي قيادة الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الذي يترأسه، والنزول إلي الشارع لدعم مرشحي حزبه.

رغم أن حزب العدالة والتنمية وحلفائه، وأبرزهم حزب الحركة القومية حقق نجاحاً عاماً بنسبة بلغت 51% من مقاعد المجالس البلدية، إلا أنها في نفس الوقت شكلت ضربة مؤلمة، أو إن جاز لنا اقتباس مصطلحات كرة القدم فإننا يمكن القول بأن الانتخابات البلدية أشهرت “البطاقة الصفراء” في وجه الرئيس أردوغان، لأن حزبه خسر أكبر ثلاث مدن في تركيا ” أنقرة، اسطنبول، ازمير”، وهذه المدن لها أهمية خاصة في تركيا، فمدينة أنقره هي العاصمة السياسية للبلاد، واسطنبول هي عاصمة الخلافة العثمانية ومدينة المال والأعمال، وازمير هي قلعة الصناعة الكبري في البلاد. ولذلك فقد شكلت خسارة تلك المدن الضربة المؤلمة للرئيس أردوغان بصفة شخصية ولحزبه، لأن أقرب مساعديه آخر رئيس وزراء في النظام البرلماني، ورئيس مجلس الأمة التركي الكبير “البرلمان” بن علي يلدريم كان هو المرشح الذي خسر رئاسة بلدية اسطنبول، التي بدأ فيها الرئيس أردوغان نفسه حياته السياسة كرئيساً لبلديتها، وهو الذي قال: “أن من يفوز برئاسة بلدية اسطنبول يفوز في كل الانتخابات، ومن يخسرها يخسر في كل الانتخابات”، ومن هنا تأتي أهمية اسطنبول العاصمة الثقافية وقلب تركيا النابض بالنشاط والحيوية.

طالب حزب العدالة والتنمية الحاكم بإعادة فرز عدد من صناديق الاقتراع في بلدية اسطنبول، وقد أدت إعادة فرز الأصوات إلي حصول الحزب ومرشحه بن علي يلدريم علي بعض الأصوات التي لم يتم احتسابها له من قبل، فشجع ذلك قادة الحزب علي المطالبة بإعادة الانتخابات برمتها في اسطنبول، الأمر الذي رفضته المعارضة، واعتبرته إنقلاباً علي الديمقراطية.

خلال الانتخابات السابقة التي فاز بها حزب العدالة والتنمية لم تشكك المعارضة في نزاهة اللجنة العامة المشرفة علي الانتخابات، ومن ثم فإنه كان حري بحزب العدالة والتنمية عدم المطالبة بإعادة الانتخابات حيث يعد ذلك تشكيكاً ضمنياً في نزاهة اللجنة المشرفة علي الانتخابات والعملية الديمقراطية، الأمر الذي يطعن في مصداقية الانتخابات برمتها بما فيها البلديات التي فاز بها حزب العدالة والتنمية.

لعل ما حدث من خسائر لحزب العدالة والتنمية في البلديات الهامة يعد عقاباً للرئيس رجب طيب أردوغان بصفة شخصية، لأنه رغم النجاح الذي حققه منذ وصوله إلي السلطة علي رأس حزب العدالة والتنمية عام 2002، لم يخسر خلالها اي انتخابات خاضها خلال تلك الفترة، استطاع أن يحقق طفرة اقتصادية كبيرة، وهذا يحسب له ولحزبه وقادة الحزب الذين كان لهم دور كبير في هذا النجاح، وخاصة الرئيس السابق عبد الله جول، الذي كان يوصف بأنه حكيم الحزب، وأحمد داود أوغلو مفكر ومنظر حزب العدالة والتنمية، الذي أطاح بهما الرئيس أردوغان في أول اختلاف بينهم علي تعديل الدستور والانتقال إلي النظام الرئاسي، وبعض قضايا الفساد التي تورط فيها عدد من أعضاء الحزب.

رغم الكاريزما التي يتمتع بها الرئيس أردوغان كسياسي وخطيب بارع، إلا أن ذلك لا ينفي تمتع كل من عبد الله جول، وأحمد داود أوغلو بثقة واحترام كبيرين ليس داخل حزب العدالة والتنمية وحسب بل في تركيا كلها وخارج تركيا أيضاً، فقد استطاع الرئيس عبد الله جول إذابة الكثير من الجليد مع أرمينيا، العدو التقليدي لتركيا في الشرق، وذلك عندما طرح مبادرته الشهيرة “دبلوماسية كرة القدم” وقرر الذهاب إلي يريفان لحضور مبارة كرة القدم بين المنتخبين الوطنيين التركي والأرمني عام 2009، في تصفيات كأس العالم لكرة القدم، والتي رد عليها الرئيس الأرمني بيرج سركيسيان بالذهاب إلي اسطنبول لحضور مباراة العودة بين الفريقين، ومن ثم بدأت بين الطرفين محادثات في سويسرا أسفرت عن توقيع اتفاق لوزان الذي كان بمثابة أساس جيد لتسوية الخلافات التاريخية العالقة بين البلدين. إلي جانب ذلك فقد عمل الرئيس عبد الله جول بحكمته علي حل الكثير من المسائل الداخلية سواء داخل حزب العدالة والتنمية، أو داخل تركيا بين الحزب وأحزاب المعارضة الأخري.

أما الدكتور أحمد داود أوغلو الذي جاء بنظريته الشهيرة “صفر مشاكل” عندما كان وزيراً للخارجية، فقد استطاع تسوية مشكلات تركيا الخارجية والتي كان معظمها وصل إلي مرحلة يتسعصي عليها الحل، ورغم عدم استطاعته تسوية بعض المشكلات الكبري بشكل نهائي كالمشكلة الأرمينية أو الخلافات مع اليونان، أو المشكلة القبرصية، إلا أنه عمل علي تهدئة تلك الجبهات، وفتح قنوات للتعاون مع هذه الدول بشكل أو آخر، كما عمل علي إقامة علاقات قوية مع العالم العربي، والانفتاح علي الخارجي بشكل كبير، كما كان لداود أوغلو عندما كان رئيساً للوزراء فضل كبير فيما حققته تركيا من طفرة اقتصادية انعكست بشكل كبير علي أنشطة الحياة المختلفة في تركيا.

ربما عملت السنوات الطويلة من النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية علي اصابة الرئيس رجب طيب أردوغان بشئ من الغرور، وهذا ما انعكس علي سياساته الاقصائية لرموز الحرب، واحاطته بأهل الثقة من المقربين له مثل بن علي يلدريم وصهره بيرات البيرق الذي كان وزيراً للطاقة ثم وزيراً المالية، بدلاً من أهل الخبرة مثل عبد الله جول وأحمد داود أوغلو، الذين ظلوا علي ولائهم للحزب ووفائهم لصديقهم أردوغان وآثروا الابتعاد والصمت، لكن البعض الآخر من الذين أقصاهم الرئيس أردوغان أعلن تمرده وعزمه علي تكوين حزب منافس لحزب العدالة والتنمية، الأمر الذي ينذر باقتراب أفول حزب العدالة والتنمية ومعه الرئيس رجب طيب أردوغان.

تبقي هناك فرصة واحدة أمام الرئيس رجب أردوغان، وهي الفترة المتبقية حتي اجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة عام 2023، وهذه فترة كافية لإعادة ترتيب الأوراق، وعمل مراجعة شاملة لسياسات الحزب، ومن ثم إعادة هيكلة حزب العدالة والتنمية مرة أخري من الداخل، ولم شمل صفوف الحزب والعمل علي عودة الشخصيات التي تركت الحزب، والابتعاد عن سياسة فرض الصوت الواحد، فالديمقراطية التي تعيشها تركيا، لابد أن يعيشها الحزب الحاكم أولاً.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here