مزهر جير الساعدي: قراءة في رواية رمل الماية للروائي الجزائري واسيني الاعرج

مزهر جير الساعدي

-(التاريخ يكتبه المنتصرون). هناك في كتابة التاريخ، لحظات يجري دفنها في مطمر عميق وبحرفية في اكثر الاحيان مما يؤدي الى تحريف مقصود في مدونة التاريخ مما ينتج عنه للاجيال القادمة؛ تاريخ غير التاريخ الفعلي الذي جرت فيه الاحداث وانتجت ما انتجت….لذا تغيب الرؤية او يجري بقصدية تغيب الرؤية الصحيحة والواقعية عن عوامل صناعة الاحداث والتى كونت بمجوعها؛ تاريخ مرحلة بجميع ما تحمل من مساويء وضيم وقهر، والاهم ضياع فرص التطور والحرية والحداثة…بالتاكيد كتابة الرواية بهذا المنحى والاتجاه، تحتل حيز كبير جدا في كتابة التاريخ وبالذات تاريخ المسكوت عنه. وهنا ليس في خانة التاريخ فقط بل ما يجري للبشر بنتيجة سياسة مرحلة، انتجتها مراحل تاريخية سابقة….كتابة الرواية وعندى انا برؤيتي المتواضعة؛ اعتبرها من اعقد واصعب الاعمال الانسانية واكثرها ملامسة للهم الانساني…وهي بهذا تحتاج في كتابتها ليس كما يتصور البعض على اهمية هذا التصور واعني بهذا الفنية والفضاءات واللغة…والحبكة وانساقها…بل الاهم من كل هذا على اهميته كما اسلفت؛ هو الألمام بمكونات الاحداث وعوامل تاسيسها الاول وحطبها ووقودها.

بمعنى اخر ان يكون من يتصدى لفعل او لكتابة رواية بهذا الاتجاه،على دراية بعلم السياسة والاجتماع وصراع القوى في المجتمع والعالم….ولو في الاطار العام في ابسط تحصيل وإلا كيف يكون بمقدوره رصد الاحداث والشخصيات بعلمية كي يعطيها حقها وهي تتعرض للظلم وهي تبتئس او وهي تفرح وما تاثير ذلك على الوطن…وبخلاف ذلك اعتقد ب رؤيتي المتواضعة هذه،فهو يساهم في تسطيح الشخصيات وافقار الاحداث من ثراءها المرجو…ليس العبرة في الكم الكبير المنتج من الروايات بل العبرة في عمقها وثراءها وقوتها المتأتي من قوة وضرواة الصراع فيها وانسانيته وجدواه ….في رواية رمل الماية للروائي واسيني الاعرج، نقرأ تاريخ مرحلة مهمة، وهي متواشجة ومتولدة من مراحل عديدة بجميع ما تحمل من اوجاع والم…. نقرأ الالم والقوة والتصميم في عيون ابطالها وهم يعانون من الخذلان والخديعة، وكأنك تتعايش معها وتشاركها معاناتها من دون ان يترك السارد العليم المشارك اي من مدخلات وعوامل صناعة تلك المرحلة من التاريخ والمراحل التى سبقتها، واحزان ادواتها من الناس والابطال المخذولين…..سواء في الوقت الحاضر الذي نحن فيه والذي لم يزل يسير على ذات الاتجاه الذي كان قبل مايقارب الاربعة عشر قرنا، من حيث ادارة الحكم وعلاقة الحاكم بالشعب وعلاقته بقوى الهيمنة الدولية من الدول العظمى، امريكا مثلا، والتى تضمن له وتسند بقاءه على كرسي الحكم.. الرواية فن عظيم تحتاج في كتابتها الى الصدق والمعاناة والهم الوطني والمجتمعي والنزاهة والتراكم المعرفي والمشاركة في متحسسات الخسران والفقدان..رواية رمل الماية او فاجعة الليلة السابعة بعد الآلف للروائي واسيني. تبدأ من النهاية..أذ سلط السارد الضوء على راوية حكاية الليلة السابعة بعد الآلف، دنيازاد، الفارسية الاصل واخت شهرزاد.

أراد الراوي كلي المعرفة، والذي ما سوف نكتشفه في النهاية من انه يشترك في صناعة الاحداث وكذا تدوينها.. ان يقول لنا بأن الف ليلة وليلة فارسية وليست عربية، عراقية..الروي تناوب فيه السارد العليم الذي اختفى وراءه الكاتب..ودنيا زاد راوية حكاية الليلة السابعة التى تمتد لزمن فيه الكثير من الاوجاع وحتى حين تنتهي تظل النتائج غيرحاسمة اي ان الوضع العربي مفتوح على الكثير من الاحتمالات.. ولزمن عير معلوم..( الرواية تاريخية وسياسية بامتياز..). الراوية دنيا زاد، تحكي للحاكم شهريار عن عبد الرحمن المجدوب، القوال المجنون في الاسواق والشوارع الشعبية والمنسية، يحدث الناس عن الاولين وعن القوال، البشير الموريسكي، الهارب من محاكم التفتيش. الذي نام لأكثر من ثلاثة قرون واستيقظ الآن. من اللحظة التى سلمه فيها القرصان الايطالي الى القائد التركي واتهامه بالجوسسة لصالح السفن الاندلسية وتعذيبه من قبل الاخير ومن ثم دفنه في كهف، نام فيه كما اهل الكهف؟….الى اللحظة التى يظهر فيها البشير.

في هذا الظهور الذي يظهر فيه البشير في الوقت الحاضر كمخلص وحامل لسر الاسرار. في كنفه جميع عوامل الخلاص من الظلم كما يسوع المخلص. لكنه يعود الى الاختفاء مرة اخرى في نهاية الرواية؟..( الذين رووا في الكتب القديمة عن عودته الى الكهف لم يكونوا مخطئين ابدا…………… ” أنت حي. ما قتلوك. ماصلبوك. ولكن شبهت لهم يا سيدي العظيم.”..).البشير وهو القوال قبل سقوط غرناطة وبعدها.يحاصره القشتاليون مما دفعه الى الهروب على ظهر الارمادة بورقة سمح له فيها بمغادرة الاندلس. الورقة سوف لاحقا تكون الدليل بيد القرصان الايطالي على اثبات جاسوسيته لصالح السفن الاندلسية..بعملية متفق عليها بين التاجر اليهودي سامويل الذي ساعد اخا البشير  بالحصول عليها من محاكم التفتيش وكذا القرصان الايطالي. السرد في هذه الرواية وكما هي عادة واسيني، سرد بلغة الشعر، لغة جميلة جدا ومدهشة على الرغم من انها في غاية التعقيد، أذ، تتداخل فيها مراحل التاريخ والازمنة بانتقالات غير ممهدة ومقنعة فنيا في آن واحد.

تبدأ دنيا زاد تحكي حكاية الليلة السابعة بعد الآلف للحكيم وحاكم الجملكية، نوميدا- أمدوكال، اي نظام الحكم الجمهوري في الاطار العام والملكي القرو وسطي في الممارسة والتنظيم وأدارة الحكم. يستمع الحاكم إليها مأخذوا ليس بما تحكي عن البشير الموريسكي والحكماء السبعة في القلعة ومريدوهم من عمال البحر في تشفير مفهوم وواضح عن اليسار والثوريين العرب في الوقت الحاضر وما قبل الحاضر في حساب زمن الروي الذي يمتد لأكثر من أربعة عشر قرنا. ينصت بأنبهار ليس للكلمات وما تحمل من معاني ومضامين وانما الى جسدها الرخامي والذي صب صبا عجيبا. وهي تحكي له، نقلا عن القوال البشير الموريسكي، عن عبد الله الصغير وكيف ضاع وضيع ملكه.. لذا يغفوا بين الفينة والاخرى او يغيب في تداعيات مخيفة عن مآلات وضعه ووضع جملكية نوميدا.. سرد غرائبي مبتنى على سحر الواقع وفجعيته.. تمتلئ الحكاية بمحاطات التاريخ العربي وعلاقة الحكام بالناس وباصوات الناس الفقراء والمهمشين؛ من امثال ابوذر الغفاري وكيف نفي الى صحراء الربدة من قبل الخليفة الرابع او في رواية اخرى اقل ثقة الخليفة الثالث كما جاء في الرواية وعلى لسان راوية الحكاية، حكاية الليلة السابعة بعد الآلف..وعن الحلاج الذي كان صوت العقل في عصره والذي قُطِعَ جسده ومن ثم احرق ونثر رماده في سماء بغداد.

والنينوي الذي احرق هو الاخر.. ظل الحكيم او الحاكم شهريار بن المقتدر يستمع او يغفو.. فهو لايستطيع حين تحضر دنيازاد، ألا ان يصاب بسحر انحناءات جسدها البض، لذا يفقد التركيز ويهرب منه ما انتوى عليه، بقتلها والتخلص منها بعد ان يسفدها.. دنيازاد واعية جدا وصاحية لما كان يدور في رأس شهريار ونواياه. لذا، كانت الغلبة الغير المكتملة، في النهاية لها ولأبنها غير الشرعي. حملت به من الوراق الذي كان يستعين به في تدوين تاريخ مزيف للجملكية، نوميدا.. هو من دفعها الى مضاجعة واحد من اصدقاءه الشماليون وهنا المقصود الاوربيون والامريكيون. لكن الاوربي او الامريكي كان عنينا او تظاهر بهذا.. لذا اشار لها، ان تنظر الى الوراق الذي كان يراقب المشهد من وراء الستار.. فقد كان عشيقها بترتيب من الشماليين. عليه تكون الولادة الحديثة في التحول الجديد ما هي ألا استنساخ عن الذي كان وصار ثوبا باليا وممزقا، وحلت ساعة الحقيقة في التخلص منه بثوب جديد لم يستعمل ابداً..قبل هذه اللحظة، قبل قطع رأسه بسيف أبنه قمر الزمان، في اللحظات السابقة؛ تتداعى ذكرياته، عن الطريقة التى ذبح بها عنق ابيه وجز رأسه..يقترب منه، أبنه غير الشرعي ويقطع رأسه بسيف مرصع بالجواهر.. يعلن نفسه الحاكم الجديد للجملكية. لكن الامور جرت في اتجاه في غير الاتجاه الذي خطط له الشماليون ( الامريكيون..) فقد واجه ثورة مسلحة من العلماء وعمال البحر والفرقة الانتحارية الاولى في اشارة واضحة لليسار العربي والثوريين العرب. تصدت لها الطائرات الامريكية( ركامات البنايات التى هُدت تحت قصف الطائرات القادمة من القاعدة الامريكية، ومدافع مشاة القصر..).

لينتهي عندما حوصر، وليمة للاسود بعد ان فتح باب السرداب ليسقط في افواه السباع الجائعة والذي كان هو من يحتفظ بها لأفتراس معارضيه..اما امه دنيازاد ( ..سافرت على متن طائرة خاصة وضعت تحت تصرفها هي والحاشية والاصدقاء الشماليين والمؤرخ الجنرال الذي اعلن اعلانية بعد موت الملك أنها زوجته على بركة الله ورسوله..)..وهنا يخاطب واسني، الروائي والراوي في عين القوت، الثوار:(لقد انتهت الليلة السابعة والبقية يجب أن تصنعوها انتم، إما ان تنقذوا المدينة او ترموها بدوركم للكلاب..). في خاتمة الرواية يفاجئنا الروائي واسيني بأن الامور والاوضاع لم تتغير ابداً، التغيير الوحيد في الوجوه والمسميات والاقنعة. حتى هذه احتفظ بها اي  بذات الاسماء والاوصاف، ليقول لنا ان ما هو كائن الآن مستنسخ عن ما هو كان، ليس في الزمن القريب بل في الزمن البعيد والبعيد جدا، لأربعة عشر قرنا انقضت..حتى هو الراوي المشارك، يتم استدعاه من قبل الامن بسبب كتابة هذه الرواية (-  عندي دعوة من الامن. أنا ذاهب الى محاكم التفتيش المقدس يا ماريوشا..).(….ربما رموني في سراديب الحكيم شهريار او سيد الدنيا…)

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here