مزهر جبر الساعدي: محاكمة حرية الرأي والكلمة والموقف الانساني.. جوليان اسانج.. إنموذجا

مزهر جبر الساعدي

مما لاشك فيه؛ ان الولايات المتحدة الامريكية من اكثر القوى الدولية الكبرى بل أكثرها تفردا، بتحويط سياستها الخارجية، بحائط الكتمان الفولاذي من السرية، (ولانقصد هنا؛ السياسة المتعارف عليها في العلاقات الدولية..) او بلغة هي الأقرب الى فعلها في الواقع أو الأدق تعريفا لها؛ هي سياسة يتغاير الظاهر منها أو يختلف اختلافا كليا، مع الكم الهائل الغاطس منها، في دهليز متبناتها الكونية او مخططتها الكونية. الولايات المتحدة الامريكية، في اغلب ممارستها السياسية والعسكرية وحتى الدبلوماسية؛ لاتعير اية اهمية لسلامة الدول واحترام كيانها السياسي أو نظامها السياسي وحياة شعوب هذه الدول التى تستهدفها في سياستها، فهي وفي سياستها هذه وحين تقتضي الضرورة لها أو حين يجبرها الواقع وتنغلق جميع الطرق امام تحقيق ما تريد من اهداف واطماع غير مشروعة، بالتأكيد في تلك الدول والشعوب، تضرب عرض الحائط القانون والانسانية والأخلاق، وهنا نقصد الغزو او التدخل سواء المباشر او غير المباشر في شؤون الدول الاخرى وعلى وجه الخصوص دول العالم الثالث، لذا تظل اغلب هذه الاعمال محاطة بالسرية التامة وتجري خلف الابواب المغلقة ومن الطبيعي بالستتر والتعاون مع الحكومات العميلة،( دول الخليج العربي وغيرها من دول المنطقة العربية) او الحكومات التى يجبرها وضعها السياسي الهش او البنية الهيكلية لنظامها السياسي، الذي فيه الكثير من الهشاشة وربما المخترقة من الولايات المتحدة الامريكية او من القوى الدولية والاقليمية، اصلا؛ على السكوت والصمت، مجبرةً على جرائم الولايات المتحدة بحق ابناء شعبها.

الولايات المتحدة الامريكية تسوق سياستها تلك على انها هي السياسة التى تحمي حقوق الانسان وحرية الكلمة والرأي والديمقراطية في مختلف دول العالم، في مخاتلة واضحة في الالتفاف على هذه القضايا الانسانية، بإخفاء الحقيقة التى تجسدها سياستها في قهر الشعوب ومصادرة حرية الشعب والدولة معا، وجعل تلك الدول والشعوب، التى، حظها العاثر، جعل منها، ميدانا لسياسة الولايات المتحدة الامريكية، لتبعية حكامها لسياسة الولايات المتحدة الامريكية.

وبالاتفاق معهم على ظلم الناس وارهابهم حتى يستمروا في الحكم. وكي تصل الى هذا او كي يكون في امكانها بسط السيطرة على دول العالم مع توفير الضمانات على ديمومتها؛ تعمل وبكل بقوة على اخفاء تحركاتها هذه، ودفنها في ادراج محكمة الاغلاق. إمريكا وعلى الرغم من ادعائها في الزور والبهتان؛ من انها تحترم حق الانسان في الحياة والحرية وحرية الوصول الى المعلومة وهنا وفي الجملة الاخيرة؛ نقصد الصحافة الاستقصائية وكتاب الرأي، فأنها تعاقب باشد ما عندها او ما في امكانياتها من العقوبة واحيانا وحسب جرم من يتطاول ويكشف المخفي من هذه السياسة العدوانية والظالمة، بأقسى العقوبات وربما الاعدام او السجن مدى الحياة.

وأكبر مثل على هذه السياسة ما تعرض وما سوف يتعرض له؛ جوليان اسانج الذي تعرض للقهر والمطاردة والظلم ولاحقا السجن في لندن وربما سوف وفي القادم من الايام، يجري تسليمه الى السلطات الامريكية بالتواطيء او الاتفاق مع بريطانيا. جوليان اسانج لم يكن عميلا لأي دولة، ولكنه في الوقت عينه، كان عميلا لأنسانيته ومحبته للناس وفي جميع اركان الكرة الارضية من الذين تعرضوا الى ظلم الولايات المتحدة الامريكية، وقسوة جنودها وأجرامهم في تعاملهم مع اصحاب البلد الذي غزته وأحتلته، دولتهم ودمرته.

في هذا السياق الأخير من هذه السطور المتواضعة،نترك جانبا جميع ما جاء به او ما كشفه، جوليان من رسائل واتصالات وكانت في اغلبها؛ تعكس التأمر الخفي والمستتر مع الحكومات العميلة او التابعة بمفردة اخف ثقلا من الاولى أو لنقل، مع حكومات مناطق النفوذ الامريكية، لنجعل منها،أكثر تهذيبا وخفة في توصيف علاقة هذه الحكومات مع الولايات المتحدة الامريكية؛ ولنأخذ الجريمة البشعة التى ارتبكتها، مروحية امريكية، قبل انسحابهم من العراق أو بالشكل الأكثر تمثلا لمجرى الواقع، أجبارهم على الأنسحاب، فقد قامت المروحية الامريكية، في قلب بغداد العاصمة وفي وضح النهار بأطلاق الرصاص على مجموعة من المدنيين العزل وكان عددهم  18 وقد تم قتلهم من قبل طيار المروحية، بعقل بارد وبروح مات الحس الانساني فيها، موتا كاملا وتاما. مع أن الطيار كان قد تسلم اتصالا، بُلغَ فيه، من ان هؤلاء الناس ليسوا من الارهابيين بل هم عراقيون مدنيون، لكنه على الرغم من هذا، وجه الرصاص على هذه المجموعة من العراقيين العزل الا من الكرامة وعزة النفس وحب العراق؛ لتتناشر جثثهم على سطح الشارع. كانت هذه الحادثة وما جرى من مكالمة مع الطيار، مخفية عن الاعلام وعن الناس في المعمورة، لكن شجاعة وانسانية جوليان اسانج، كشفتها الى الراي العام العراقي والى الراي العام العربي والى الراي العام الاقليمي والى الراي العام الدولي.

ونحن نكتب هذا السطور المتواضعة، تجري وفي هذه الايام، محاكمة جوليان اسانج، محاكمة الانسان او تجري محاكمة انسانية الانسان، أي الانسان العالمي، بمعنى ان ما فيه من انسانية، عابرة للحدود والجنسيات، تماما كما هي الشركات الامبريالية العابرة للحدود والجنسيات او رأس المال العابر في العلومة، للحدود، الفرق بين الاثنين؛ الاول يدافع عن انسانية الانسان من جبروت الثانية وظلمها وتوحشها؛ كي يحميه من قسوتها وشراستها بتعرية وكشف هذه القسوة والشراسة. يتوقف مصير جوليان الانسان على قرار المحكمة البريطانية بالتسليم او بعدم التسليم. نعتقد ان المحكمة وتحت الضغط الامريكي وطبيعة العلاقة الامريكية البريطانية، من المحتمل جدا، ان يتم تسليمه الى الولايات المتحدة الامريكية. محامي جوليان اسانج، اكد للمحكمة من ان موكله ربما ينتحر بسبب حالته النفسية..وفي السياق نبه او اثار امامها؛  خوفه على حياة موكله ان قررت المحكمة تسليمه الى الولايات المتحدة، فهو سوف، ربما يتم اعدامه او في اقل احتمال وتقدير، سوف يسجن مدى الحياة. نعتقد نحن، في هذه السطور المتواضعة؛ من انه وفي الخاتمة، سوف يسجن مدى الحياة.

الولايات المتحدة الامريكية التى تصدع رؤوسنا او الاصح، انها صدعت رؤوسنا خلال عقود وعقود، بحديثها الممل عن الحرية وكرامة الناس وعن حقوقهم الانسانية وعن حقهم في الحياة الافضل لهم كبشر، تمارس مع من يتجرأ ويكشف الى الراي العام الامريكي والدولي، ابشع انواع العقوبات بل اقساها في العرف الامريكي او في القانون الامريكي، كما هو الوضع مع جوليان اسانج، حتى تجعل منه او ترسل رسالة الى جميع الصحافة الاستقصائية ورجالتها؛ لكم كل الحرية في الكشف والتناول وفي الموضوعات كافة بشرط ان لا تصلوا او تحاولوا الوصول الى المدفون في ادراجنا من ذوات السرية الفائقة اي لا تقتربوا من الخطوط الحمر والا فان ما ينتظركم من مصير لايختلف عن مصير جوليان اسانج الذي تجرأ واقترب من الخط الاحمر وكشف المخفي او الذي في الدرج فائق السرية.

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here