مزهر جبر الساعدي: للشعوب الحية.. قوتها في تغيير دورة الاحداث في جميع مراحلها الانتقالية

 

 

مزهر جبر الساعدي

في اخر كلمة للرئيس الروسي بوتين، امام اعضاء الجمعية الفدرالية الروسية، تحدث بأمر لافت للأنتباه، أخذ شكل الدعوة،من ضمن امور كثيرة تطرق اليها في الكلمة تلك، ألا وهي؛ دعوة الدول الخمسة النووية في العالم  للتفاهم، حول ألية وضع الحلول لمشاكل العالم وتجنيب البشرية حربا نووية تؤدي الى الخراب والدمار في الكرة الارضية، (وقد استثنى قاصدا الدول النووية الاخرى، الهند وباكستان واخرى، لأنها ليست اعضاء دائميين في مجلس الامن الدولي).ان هذه الدعوة، في قرائتنا المتواضعة لها؛ الغرض الاساس منها، هو وضع ترتيبات واقعية وموضوعية لتقاسم النفوذ والمصالح في العالم الثالث. وفي سياق كلمته هذه؛ نبه الى ان روسيا لاتريد وليس في نيتها ولا في تفكيرها ان تعتدي على احد او تشن حربا، وتطمح الى حل جميع المشاكل بينها وبين الاوربيين والامريكيين بالتفاهم وبالحوار وبتعزيز فرص السلام والتنمية وفي ضمان مصالح الدول النووية الخمسة وتجنيب العالم حربا مدمرة.

هنا وفي هذه الكلمة وعلى ضوء ما جاء فيها؛ يتولد لدينا مجموعة من الاسئلة التى لابد منها لفهم مرامي هذه الدعوة واهدافها الحقيقية، من بين هذه الاسئلة؛ هل ان روسيا في وارد تهديد دول الاتحاد الاوربي او تهديد الولايات المتحدة!؟ وهل ان امريكا في تفكيرها ونيتها سواء الان او في المستقبل، تهديد جدي وفعلي لروسيا!؟ وهل هناك خلافات حدود ونقصد هنا الخلافات العميقة ذات الابعاد الاستراتيجية، ( وليس مخاوف دول البلطيق من الاتحاد الروسي..) التى تستدعي التلويح بالقوة أو استخدامها عند الضرورة من كلا الطرفين!. حتى مايجري على الحدود بين الاتحاد الروسي والاتحاد الاوربي، من نشر للصواريخ الامريكية النووية في بولندا  وفي غيرها من دول الاتحاد الاوربي التى تشترك مع الاتحاد الروسي بالحدود المشتركة ، هو هدف امريكي، لأخافة الاتحاد الاوربي من روسيا ولحيلولة او قطع طريق التفاهم بين الاوربيين والروس، الأخذ في الفترة الاخيرة بالازدياد في الطاقة والاقتصاد والتفاهم والمشاركة في وضع الحلول للدول التى تشهد ومنذ سنوات؛ حروبا داخلية كما هو حاصل الان في الحرب الليبية الليبية وبتدخلات عربية واقليمة ودولية.. وهل ان هناك امكانية على تحمل نتائج حرب نووية على تلك الدول وعلى شعوب العالم!؟ وهل هناك اهداف اخرى!؟ غير التى اعلنها الرئيس الروسي من وراء دعوة التفاهم هذه للدول النووية الخمسة لوضع آلية لتفاهمات مقبولة من جميع الدول النووية الخمسة، اذا قدر واستجاب الاربعة او بالحصر الثلاثة الاخرون للدعوة الروسية بأستثناء الصين التى هي اصلا في المحور الروسي الصين .

اولا لايمكن ان تكون هناك حرب بين الدول النووية انفة الذكر مهما كان حجم الخلاف، فهو وفي جميع الاحوال والظروف، سوف يحل بالحوار والجنوح الى عدم رفع سقف المواجهة مهما كان ظرفها وعوامل تأجيجها، لأن هذه الدول تدرك حجم الخراب الذي سوف يطالها والعالم ايضا وهناك امثلة كثيرة، من بينها، واحدة مسك العالم فيها انفاسه على ايقاع حرب باتت في وقتها على الابواب، حيث اشتد فيها الخلاف واقترب الامر من المواجهة التى توقفت في ذلك الوقت عند سقف، ارتفاعه محدد ومعلوم، ولم ترفع هذا السقف لتنطلق نحو الحرب كما حدث ايام الاتحاد السوفيتي في ازمة خليج الخنازير. اذن لاوجود لخلافات حدودية بين الدول العظمى والكبرى، الخمسة النووية ولانية في اشعال حرب نووية عند جميع الدول النووية الخمسة. يبقى السؤال المهم ما الغاية من الدعوة الروسية؟

قبل الاجابة على هذا السؤال، نبين ان التلويح بالقوة وابرازها من خلال المناورات او من خلال الكشف عن اخر ما توصلوا له من ادوات الحرب والفناء والتدمير الكلي الهائل، كما هو هدف الرئيس الروسي، عندما اعاد ما كشفه قبل اشهر، للمرة الثانية في هذه الكلمة فقد كشف؛ عن امتلاك روسيا للصواريخ فرط صوتية؛ “وهي الصواريخ التى تمتلكها روسيا ولاتوجد دولة في العالم تمتلك ما نمتلك، وهي المرة الاولى في تاريخ روسيا، الذي فيها لانحاول اللحاق بالاخرين، وهي ضمانة لأمن روسيا لعشر سنوات قادمة وعلينا ان لا نركن ونطمئن لهذا بل علينا القيام بالتطوير المستمر” كما وصف تفوق روسيا في الصواريخ بالمعنى وليس حرفيا، والغاية من هذا الكشف ينطبق على الولايات المتحدة والاخرين بنفس درجة انطباقه على روسيا؛ وهي للتهديد وتخويف الاخر باجباره على عدم الاقتراب من مناطق نفوذه اي رسم خطوط فاصلة لمصالح هذه الدول وفضاءاتها.. في سياق كلمة بوتين التى تقع اهدافها في هذه الخانة؛ يرمي الرئيس الروسي بوتين في تنظيم هذه المصالح على قاعدة مُرضية لجميع القوى الدولية الخمسة في تفاهمات عقدية ذات التزام لحفظ تلك المصالح في دول العالم العالم الثالث، حتى النووية منها، لكنها لاتحوز على ما في حيازة الدول الخمسة الكبار من قوة في التقنيات المتطورة جدا وفي الاقتصاد القوي وفي القوة العسكرية ذات التدمير الهائل التى هي في حيازة امريكا وروسيا بفارق كبير جدا عن الاخرين، وفي التحكم بمصير العالم من خلال منصة مجلس الامن الدولي.

في الفحص العميق والمتواضع في آن واحد، لهذه الدعوة التى تشير الى ما اسلفنا في ذكره؛ تشير ايضا وهو اهم ما تشير إليه؛ الى ان العالم الذي يتغير الان بسرعة نحو عالم غير ما تآلفنا معه واعتدنا عليه حتى الان، الى حاجة هؤلاء الى وضع قاعدة رصينة يتجنبون فيها مناطق الاحتكاك في علاقة ضدية لجهة المصالح ومتعاونة في تنظيم تلك المصالح في وقت واحد، على مسارات تنافسية، متوازية. هذا يعني وفي جوهر ما يعني؛ هو وضع منصات للتفاهم، متفق عليها، لضمان مصالحهم بطريقة متضامنة، فيها المنافسة على النفوذ والمصالح، في دول العالم الثالث التى يعتبرونها مشروعة وان كانت غير مشروعة او لها ظل باهت من المشروعية لذر الرماد في عيون الناس، ليحجبوا عنها رؤية صلب الهدف.. السؤال هنا كيف يواجه العالم الثالث، هذا الاستفراد في تقاسم مناطق النفوذ والمصالح، وهي كلمة مهذبة للاستغلال والتبعية الاقتصادية التى تنتج ارتهان السيادة والقرار المستقل، وهنا نحن لانقصد الدول الصاعدة في العالم الثالث او الدول التى حققت استقلالها الاقتصادي حتى تحولت الى دول كبرى كالهند وتركيا والبرازيل ودول جنوب شرق اسيا وايران بدرجة معقولة حتى الان والبعض الاخر من دول اخرى، نقصد الدول التى لايزال اقتصادها وحتى سيادتها مثلومة  في البعض منها مع تبعية في المال والاقتصاد وفي (بناء القوة العسكرية!؟) في افريقا واسيا وامريكا اللاتينية والمنطقة العربية.

يبقى السؤال الملحاح حول ماهية، دعوة الرئيس الروسي للدول الخمسة النووية، الاعضاء الدائميين في مجلس الامن الدولي، للتفاهم في وضع ترتيبات متفق عليها من قبل الدول الخمسة النووية؛ هل هي دعوة لأعداد كما اسلفنا؛ منصات توافقية في تفاهمات؛ تنتج، خارطة طريق لتقاسم النفوذ في دول العالم الثالث في محيط عالمي مضطرب وقلق الى اقصى حدود الاضطراب والقلق في المرحلة الانتقالية التى فرضتها، حكما ضروريا، انتقاليا، الثورة المعلوماتية، على سطوح ساخنة من الحروب الاهلية والتهديد بالحرب في امكنة كثيرة من المعمورة، في عالم عولمي وحداثوي في جميع مداخيل الحياة التى سوف ينتج عنها لامحال، عالما جديدا لناحية نوعية الحكم وهياكله الرسمية والقانونية والطريقة التى يساهم فيها الشعب في وسائل بناءها واخراجها، وهنا سوف تعمل الدول العظمى والكبرى على فتح دروب لها في المجتمع بوسائل التاثير الثقافي والسياسي باستثمار قدراتها في المال والاقتصاد والقوة العسكرية والاعلام ومراكز البحوث والكتب.. وهل ان هذه التفاهمات المفترضة سوف تشمل دول المنطقة العربية التى تشهد ومنذ سنوات حروبا اهلية طاحنة او انتفاضات وثورات ضد حكومات فاسدة…. تظل الاجابة مختفية في العقول التى تتحكم في مصير العالم الى ان تتحول الى وقائع جديدة، تتحرك على الارض..لكن تظل للشعوب الحية قوتها في تغيير دورة الاحداث في جميع المراحل الانتقالية..

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here