مروان ياسين الدليمي: في العراق الخطر يلاحق العقول والأطباء في مقدمتهم

marwan-delami77

 

مروان ياسين الدليمي

لمْ يحدث شيء في عراق مابعد العام 2003 بالصدفة،فكل شيء قد تم التخطيط له بدقة متناهية تليق بأمهر اللصوص المحترفين، فالتخريب والتدمير طال كل شيء، مبتدأ بالبشر ومنتهياً بالحجر.

لو نظرنا في صورة المشهد العراقي نظرة سريعة لما وجدنا فيها مايشير الى ايّة علامة تؤكد لنا على أنَّ حجرا واحدا قد وضع لبناء مستقبل مشرق للبلاد،بل على العكس من ذلك، ما كان مبنيا تم تدميره وماكان مخططا ان يتم بناءوه في عقول العلماء لم يحظى بفرصة التنفيذ.

ليس في هذا الكلام تجنِّيا على الوقائع والحقائق،ولايحمل نظرة سوداوية منطلقها حقد اسود على النظام القائم لأسباب طائفية او قومية، او غير ذلك من الاسباب التي يمكن ان تكون دوافع لارتكاب فعل التزييف كما فعل حكام العراق الجدد انفسهم ايام كانوا معارضين للنظام السابق، إذ لم يترددوا انذاك من ارتكاب هذه الخطيئة، فقدموا عشرات الادلة والوثائق المزورة على انها اصلية وغير مشكوك في صحتها الى الدوائر الاستخباراتية الاميركية بهدف استخدامها لتبرير غزو واحتلال العراق وتدميره والوصول الى الحكم،وهذا ماتحقق فعلا .

لربما الوقائع التي تكتُب عنها الصحافة وتطرحها القنوات الاعلامية عن حجم الفساد المستشري في مؤسسات النظام السياسي الحالي في العراق هي غيض من فيض كما يقال،ولاترقى الى مستوى مايخفيه الواقع من كوارث.

وماهو شبه مؤكد أن الواقع اشدُّ قسوة وضراوة مما قيل ويقال وسيقال.

واستناداً الى تقرير كانت قد نشرته منظمة “ميد-أكت” (Medact) الخيرية البريطانية المستقلة في مطلع هذا العام 2015  فان 75% من الاطباء والصيادلة والعاملين بالتمريض تركوا العراق بسبب تهديد حياتهم.واضافت ميد-أكت “يوجد حالياً في العراق 9 الاف طبيب فقط اي بمعدل طبيب لكل 3000 مواطن تقريباً”.

كما افادت مجلة لانسيت الطبية البريطانية في 5 حزيران 2015  في تقرير عن اوضاع الاطباء في العراق،إن “أكثر من 2000 طبيب عراقي قتلوا منذ عام 2003 وحتى الآن”.

ورغم كل ماتم فضحه من مفاسد وانتهاكات إلاّ أنّ الذي لم يتم الكشف عنه كثير جدا  خشية القتل والتصفية الجسدية .

ليس سهلا في بيئة لم تعد تقيم وزنا لأي اعتبارات انسانية،وملغمة بالمخاطر والمخاوف وتحكمها سلطات خارجة عن القانون،أن تتوقع فيها مستقبلاً مطمئنا للناس.

ازاء هذا لابد أن تنشأ بين قوى المجتمع العراقي المدني حالة من الاستيقاظ واليقظة،تبدأ في مكاشفة النفس ومحاسبتها على خدرها وخضوعها واستسلامها،والخروج من شرنقة الأوهام التي تفنن في صنعها ساسة محترفون.فالقادم من الايام على العراقيين لن يكون افضل مما هو كائن،ولن يكون اجمل ولاأعدل،طالما سلطة الخوف تحاصر الجميع،وفي المقدمة منهم العلماء والاطباء،وكل العاملين في ميدان المعرفة.

لايمكنُ لِعاِلمٍ أن يُقدِّم علمه للناس وهو محاصر بحفنة مجرمين  يتربصون به ليخرج من عيادته حتى يختطفوه ويساوموه مابين أن يدفع لهم مايطلبونه من مال أو يرمى جثة هامدة في احدى المزابل.

هذا زمن يحياه الانسان في العراق بعيدا عن الزمن الانساني،يصلح ان يكون للوحوش وللقتلة لكنه لايصلح للعلماء والمفكرين والمبدعين الذين يعملون من اجل الارتقاء بمستوى حياة الناس الى مستوى افضل يليق بكرامتهم وآدميتهم.

هل ستبقى الاوضاع على ماهي عليه ؟

وإلى متى سيبقى  القانون غائبا عن الشارع بعد أن اصبح الناس اسرى بأيدي حفنة من الجهلة والقتلة يسرحون ويمرحون في وضح النهار؟

لربما سيقول قائل بأن الذنب ليس ذنبهم في أن يكونوا جهلة وقتلة وهم يعيشون في مجتمع ودولة لاتوفر لهم فرصة العيش بشكل لائق وتحرمهم من فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية.

يبدو هذا الكلام في جانب منه صحيح ودقيق جدا ولاغبار عليه،لكنه في الجانب الآخر لن يكون مبررا مقبولا عندما يتحول احتجاج هؤلاء الجهلة /القتلة على واقعهم المؤلم الفاسد باتجاه الاطباء والعلماء وبقية شرائح المجتمع، بينما هؤلاء في مقدمة من يسعى لأن يقف الى جانبهم ويعلم اولادهم ويطمئن على صحتهم..

تبقى المسؤولية أولا وآخرا في عُنق الدولة ومن يدير شؤونها من حكومات وانظمة،فهم وحدهم مسؤولون عن كل هؤلاء القتلة وعن شيوع مظاهر الجريمة والفساد.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here