مروان سمور: سيناريوهات الصراع بين امريكا والصين

 

 

 

مروان سمور

اصبح من المعروف ان مراكز الابحاث والتفكير الامريكية او ما يطلق عليه  ” think tunks” لم تجمع على شكل وكيفية الصراع بين الولايات المتحدة الامريكية والصين في المرحلة المقبلة , وماهية السيناريو المرتقب للعلاقة بين الدولتين , على اعتبار ان الصين – حسب اعتقاد بعضهم – اصبحت المنافس الأكبر والخطر القادم للولايات المتحدة , وانه يجب التصدي لها بشكل مباشر قبل ان يتفاقم الخطر بشكل اكبر .

 وبالطرف الاخر هناك من ان اختلف بالتوصيف ومدى خطورة هذا الوضع , واعتبر الصين من النوع المتوسط الخطورة , واشار بان افضل اسلوب ناجع للتعامل مع الصين هو التفاهم معها على ارضية مشتركة , وخلق مساحة للاتفاق بين الطرفين .

وبالمقابل هذه المراكز البحثية وباحثيها لم يترجموا وجهات نظرهم إلى رؤى وتوقعات حاسمة بشأن المستقبل وبطريقة مفصلة .

 وعلى سياق اخر ظهرت هناك “ نبوءة في العام الماضي تتحدث : عن حرب عالمية وشيكة بين الصين والولايات المتحدة في عام 2020 , وتناقلتها وسائل الاعلام المختلفة وبزخم شديد .

  ويبقى السؤال ؛ الذي اصبح ملحا , هل تلك التوقعات والتنبؤات تاتي في سياق المبالغة ام هو واقع سيحدث وامر لا مفر منه ؟

   واذا اردنا ان نعرف التوقعات يجب ان نبحث في انواع الخيارات المتاحة امام الدولتين للتعامل بينهما . والواقع اننا امام اربع سيناريوهات فقط , وهذه السيناريوهات هي :

السيناريو الاول : حرب عسكرية بين امريكا والصين

الواقع ان الولايات المتحدة والصين كلتاهما دولتان تملكان أسلحة نووية مدمرة ، وصواريخ عابرة للقارات تحمل رؤوسا نووية , لذلك من الصعب أن تكون بينهم حرب عسكرية مباشرة , وانها ان قامت يعني بكل بساطة هلاك الطرفين ومعهم البشرية جمعاء .

فلذلك فان الطرفان يعلمان ذلك جيدا . وان الحرب العسكرية المباشرة بين الدول الكبرى لن تعود مرة اخرى او تتكرر بشكل من الاشكال , وخاصة بعد التجربة المريرة التي عاشتها الدول الكبرى وعاشها العالم خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية . والدمار الذي احدثتاهما تلك الحروب على كل الاطراف المتنازعة وغير المتنازعة وبدون استثناء .

السيناريو الثاني : قيام حرب باردة بين امريكا والصين

  لقد عجز الاتحاد السوفييتي عن منافسة الولايات المتحدة – اثناء الحرب الباردة بينهما –  اقتصادياً وتكنولوجياً واعلاميا وثقافيا , وحتى في حربه الناعمة كان قد اخفق فيها . وبالمقابل فإن الصين اليوم يختلف وضعها وحالها عن الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت , وهي منافس قوي على جميع الاصعدة  .

  ومستبعد ان يكون هناك سباق نووي وصواريخ موجهة لأهداف بالدولتين , ونموذج “حرب الفضاء وتحشيد واصطفاف كامل لكلا الدولتان وحلفائهما ضد بعضهما البعض” , هذا السيناريو لن يتكرر كما كان ابان وجود الاتحاد السوفيتي  .

   وان دخول الطرفين في حرب باردة ؛ سيكون له تأثير سلبي جدا على الاقتصاد العالمي , وتأثيره على أسعار البترول , وحركة النقل والتامين …الخ .

 وقد شاهدنا كيف ان العالم تأثر سلباً خلال فترة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ؛ في السنوات والاشهر القليلة الماضية . وان قيام حرب باردة هي خطوة غير مرغوبة من كلا الدولتين .

 السيناريو الثالث : استمرار سياسة الاحتواء الامريكي للصين

 ان الحرب القادمة ستكون حرب تموقع واعادة تموضع في النظام العالمي الجديد وفق خريطة التنافس بين الولايات المتحدة والصين ,وتلمس كل منهما لوضعه ولموقعه الجديد في هذا العالم.

  وان الولايات المتحدة ستستمر في حربها الباردة الاقتصادية نحو الصين ؛ من اجل عرقلة نمو الشركات الصينية الرائدة , وحضورها في الأسواق الغربية , كالقيود على شركة هواوي لمنعها من التوسع في عمل شبكات “الفور جي” , ولكن الصين في المقبل لن تصمت وسترد  .

وايضا من الممكن ان تستخدم الولايات المتحدة كل الوسائل الممكنة لإضعاف الصين وشن حرب اعلامية عليها لتشويه سمعتها, وربما خلق المشاكل السياسية الداخلية والخارجية لها , والقيام بدعم مجموعات ارهابية لتهديد امنها .

ولكن هنا من الوارد جدا اتفاقهما ببعض الملفات والوصول لتفاهمات معينة , او قيام احد الطرفين بتسخين بعض الملفات او  تبريد لملفات اخرى .

 السيناريو الرابع : الوصول الى التهدئة والاتفاق بينهما

– ان كلا الدولتين على رأس الاقتصادات العالمية وعلى ذروة القوة العسكرية , فالنتيجة اذن ان هناك ردع متبادل من كلا الطرفين , وأن خيار اتفاقهما بشكل شامل , اقرب من وقوع اي خيار اخر .

وان من يراهنون على هذا السيناريو , يقولون : بان كل ما يحصل الان هو مزاج دولي غاضب , ومتعاظم من الصين , وسيزداد وصولا إلى حرب تجارية فقط ومؤقتة وستنتهي بشكل قريب . وربما يصل الامر لمطالبات من الصين بتعويضات  ليست كبيرة , لو ثبت ان فيروس كورونا خرج من مختبرات صينية .

   وبالنهاية , ارى ان خيار استمرار سياسة الاحتواء التي تنتهجها الولايات المتحدة في التعامل مع الصين (السيناريو الرابع) , هو الاقرب للتحقق في المدى المنظور , وممكن ان تحدث تهدئة وعمل صفقة بينهما ببعض الاوقات ومن ان لاخر , وتسخين هنا او تبريد  هناك على بعض الجبهات  .

 وهذا يذكرنا بمبدأ : الواقعية السياسية  في العلاقات الدولية : الذي طبقته الولايات المتحدة سابقا مع الصين , وكسر جبل الجليد في علاقاتهما عندما قام الرئيس نيكسون بزيارة الى الصين عام 1972 .  وعما عرف لاحقا بدبلوماسية “البنغ بونغ” ,

وقد انعكس ذلك ايجابا فيما بعد ؛ عندما اقاموا العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1979 , وهذا هو السيناريو المرجح والذي سيحصل عما قريب على ما اظن .

باحث سياسي اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here