مركز القرار العربي من مصر إلى العراق فسورية… إلى السعودية.. فهل تكون الرياض مركزاً للقرار العربي؟

يعقوب الاسعد

تاريخياً، ومنذ ما قبل الإسلام،كانت مراكز القرار في العالم العربي تتركز في العراق، في الشام و في المحروسة مصر. وبعد إنتشار الإسلام، كانت مراكز القرار العربي تنتقل بين الشام والعراق و مصر ، والأمر ذاته حصل بعد إنهيار الدولة العباسية و قيام الدويلات.  بالطبع مع قيام الدولة العثمانية إنتقل مركز القرار الإسلامي من العرب إلى الأتراك العثمانيين، ومع ذلك وكله فإن مركز القرار العربي ظل في مصر و العراق و الشام. لم يكن إختيار عواصم تلك الدول للقاهرة أو لبغداد أو لدمشق من باب الصدفة أو إختيار عشوائياً ، فالعاصمة تختار لميزاتها الإستراتيجية و على رأسها الثقل السكاني النخبوي ، و  الموقع الحيوي.

كان من الطبيعي جداً أن تكون أول ثورة على الدولة العثمانية، من باب القاهرة ، تلك التي قادها محمد علي باشا ، والتي كادت أن تنجح لو لم يتأمر الغرب و يقضي عليها، لإبقاء السلطنة العثمانية الضعيفة الواهنة، ليصار إلى اضعافها أكثر و تقسيمها وذلك ما حدث.  حتى على المستوى الديني فإن المدارس الإسلامية ارتكزت في تلك البلدان، في الأزهر و في النجف الأشرفين، بالرغم من وجود أطهر المقدسات الإسلامية في الحجاز.

عندما قامت الثورة العربية على رأس الشريف حسين فإنها انتهت بتنصيب ابنائه على الشام و العراق. بعد قيام ثورة تموز يوليو في خمسينيات القرن الماضي ، قاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ثورة التحرر العربي، جاعلاً من مصر مركزاً للقرار العربي. و ظلت مصر محافظةً على هذا المركز حتى العام ١٩٧٩ عندما وقع رئيسها السادات إتفاق كامب ديفيد، ليحيد بمصر ليس فقط عن ريادتها للعالم العربي والإسلامي لا بل حتى عن التضامن العربي وعن العمل العربي المشترك لتنتقل الريادة للعراق وسورية . حاول طبعاً الرئيس الليبي الراحل أن يتربع بليبيا على زعامة العالم العربي بصفته أميناً للعروبة ليجد أن ليبيا ورغم الإمكانيات المادية ليست قادرة على لعب هذا الدور.

كان العراق و كانت سورية مراكز القرار العربي حتى العام ٢٠٠٣ عندما احتل العراق ومزقت لحمته الإجتماعية و دمر لتنفرد سورية بمركز القرار مدعومةً بليبيا وبالجزائر، لتخسر ليبيا بأحداث ما سمي الربيع العربي ، فتدخل هي الأخرى ، أي سورية ، في العام ٢٠١١ في أتون الحرب فتخسر معها مركز القيادة لتهتم بشؤونها الداخلية ململةً معها جراح الحرب، لينتقل مركز القيادة في العالم العربي إلى قطر. دأبت قطر والسعودية إلى إضعاف دول الشمال العربي في سورية والعراق ومصر وإخضاعها، فتآمرت مع أميركا للقضاء على العراق، ومن ثم تآمرت لقلب نظام الحكم في مصر ودعمت الجماعات المسلحة في سورية كما وكانت رأس الحربة في وقف تمثيل سورية في الجامعة العربية وما زالت تتابع حربها على النظام حتى يومنا هذا!

إن التجربة الليبية في الزعامة العربية اثبتت بأن الأموال غير كافية للتربع على تلك الزعامة وأن المال ، ورغم الحاجة الملحة له ، لا يصنع الريادة. إن ما يصنع الريادة هو الثقل السكاني النخبوي  ، وقطر ليست لديها بالطبع ذلك الثقل، ففشلت الزعامة القطرية لتنتقل الى السعودية. بعد تدمير دول الشمال العربي ، وبعد حصار قطر التي حلمت بموقع أكبر من حجمها ، انفردت السعودية بمركز القرار العربي.

إن عدد سكان مصر يقارب  ال ١٠٠ مليون، و عدد سكان العراق يقارب  ال٤٠ مليون و عدد سكان سورية يقارب  ال ٢٠ مليون أما عدد سكان السعودية فيقارب ال ٣٣ مليون. لدى السعودية إذاً المال ، ولديها الأماكن المقدسة ولديها العدد السكاني فهل تنجح في ريادة العالم العربي، الجواب من وجهة نظرنا لا .  إن النخب العربية موجودة في الشمال العربي والثقل السكاني هو أيضاً في الشمال. لا تزدهر الدول العربية وتتقدم إلا بتوحيد جناحي الأمة الشرقي في الشام والعراق والغربي في مصر والسودان، وذاك كان سبب وضع ذاك الجسم الغريب إسرائيل في الوسط منعاً للتوحد وذاك موضوع آخر!

لا لن تنجح في نقل مركز القرار إلى الرياض ، لأن السياسة التي تتبعها تتنافى مع صفات القيادة و مع التضامن العربي من تدمير البلدان العربية القوية والتدخل في شؤونها العربية  إلى إطلاق يد أمريكا وإسرائيل في المنطقة. لا لن تنجح لأن من يفرط في القدس وبالمقدسات الإسلامية و يضع يديه بيدي قتلة الأطفال و يبيع قضايا الأمة و يفرط بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، لن تنجح قيادته. لا لن تنجح لأن من ينشء حلفاً لقصف اليمنيين تحت مسميات عدة ولا يطالب إسرائيل بإحترام المعاهدات والقرارات الأممية ، لن نقول ينشئ حلفاً ليرجع للفلسطينيين حقوقهم على غرار الحلف العربي في اليمن  ، لن تنجح قيادته.  لا لن تنجح ، بإختصار ، لأن مركز القرار ، يتطلب مؤهلات عربية لا نجدها في النظام السعودي الحاكم ، وسيشهد القادم من السنين وجهة نظرنا.

على دول الشمال العربي أن تستعيد عافيتها ، و على مصر تحديداً أن تتنصل من المعاهدات التي كبلتها ، عندها فقط تكون الزعامة العربية لها ، وينتقل إليها مركز القرار أوتوماتيكياً … نأمل أن يأتي اليوم التي تفعل فيه مصر ذلك، ونتمنى أن يكون هذا اليوم قريباً ليس ببعيد.

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال واقعي وممتاز
    صحيح لايمكن للسعودية ان تكون مركز القرار العربي لانها تدعم اسرائيل التي تحتل ارضن ومقدسات العرب اي انه السعودية تقف في خندق الد اعداء العرب لذلك يجب كف يدها تماما عن سورية ولبنان وفلسطين وكل الدول التي ترفض الاعتراف بالاحتلال الصهيوني
    اما بالنسبة لعدوانها الهمجي على اليمن فهدا سيبقى وصمة عار في تاريخ صهاينة ال سعود

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here