مرشّح الرئاسة التونسية نجيب الشابي.. الخاسر الذي لا يهزم

88888888

تونس- ليلى الثابتي- الأناضول

 شخصية سكنت في كلّ سيناريوهات المشهد السياسي التونسي، لكنها أخفقت، رغم ذلك، في الحصول على تأييد شعبي في الانتخابات التشريعية التي جرت بتونس أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.. لم يغب عن تفاصيل الثورة التونسية.. جازف بأن يكون وزيرا في حكومة محمد الغنوشي الأولى (حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في تونس التي تشكّلت في 17 يناير/ كانون الثاني 2011)، واختار أن يكون سندا قويا لحكومة الباجي قايد السبسي الثانية، ثم بات معارضا لحكومة محمد الجبالي (في فترة حكم الترويكا) الثالثة.. إنّه مرشّح الرئاسة التونسية أحمد نجيب الشابي، الرجل الذي قضى حياته مسكونا بهدف الوصول إلى قصر قرطاج، دون ان ينجح في تحقيقه للآن.
إخفاقات الشابي السياسية المتتالية رسّخت اعتقادا سائدا في الأوساط السياسية التونسية مفاده أنّ اعتبارية الرجل الشخصية طغت على اعتباريته الحزبية، وهذا ما يفسّر الشعبية الكبيرة التي يحظى بها شخصه، فيما تضمحلّ هذه الشعبية حتى تتلاشى تماما حينما يتعلّق الأمر باستحقاق انتخابي، يتطلّب دعما شعبيا للحزب الجمهوري (حزب الشابي). فالطبقة السياسية في تونس، وبجميع تلوناتها ومشاربها وأطيافها كانت تحمل قناعة بأنّ المشهد السياسي التونسي لما بعد الثورة لن يتشكّل دون الشابي، إن كان ذلك في شكل وزير أو رئيس منتخب، بيد أنّ تقلّبات الوضع التونسي حكمت عليه بملازمة صفوف المعارضة إلى الأبد.
ولد الشابي في 1944 بتونس، وانخرط مبكّرا في العمل السياسي صلب التيار القومي، وحوكم للمرة الأولى عام 1968 ضمن مجموعة البعث (الخط الثوري). أسّس العام 1983 صحبة عدد من الشخصيات اليسارية والقومية حزبا حمل اسم “التجمّع الاشتراكي التقدّمي”. استطاع  في أوج سطوة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي (1987 – 2011)، وبحزب لم يكن يضمّ أكثر من بضعة مئات من المنخرطين، أن يحوّل “الديمقراطي التقدّمي” (الاسم القديم للحزب قبل أن يصبح الحزب الجمهوري) إلى أهمّ غرفة عمليات في نشاط المعارضة التونسية، فلقد تمكّن هذا الحزب من لمّ شتات المعارضين، ليصبح ملجأ للمضطهدين من الإسلاميين وللمعتدلين من اليسار.
تنوّع سرعان ما تجلّت خطوطه العريضة من خلال انفتاح خطّ تحرير جريدة “الموقف” الناطقة باسم الحزب، على جميع التلوّنات الحزبية والانتماءات الإيديولوجية. معطى كان لابدّ وأن يدفع بشخص الشابي إلى الواجهة، ويحوّله إلى نقطة مرجعية في المفاوضات.
وبما أنّه رجل لا يؤمن بالقطيعة حتى مع ألدّ أعدائه، وبن علي كان أحدهم، كاد الأخير أن يجرّه نحو توقيع ورقة “إنقاذ” لحكمه، ليلة 13 يناير/ كانون الثاني 2011، أي ليلة هروب الرئيس التونسي، وكاد الشابي أن ينسف مسيرته السياسية، لولا انقلاب الموازين في اللحظات الأخيرة وهروب بن علي.
إثر انهيار النظام الحاكم سابقا في تونس، أصبح الشابي وزيرا للتنمية في حكومة محمد الغنوشي الأولى. كانت مجازفة بأتمّ ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث طوّقته اتهامات المشاركة في حكومة بملامح تجمّعية (نسبة إلى التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ، حزب الرئيس التونسي السابق)، غير أنّ تشبّثه بمبدأ استمرارية الدولة، والتدرّج الإصلاحي، لم يمنحاه فرصة لإلقاء نظرة على الجزء القاتم من قراره ذاك، وجعله هدفا لاعتصامات القصبة حيث مقر الحكومة 1 و2.
وبعد سقوط حكومة محمد الغنوشي الهشّة، عمد الشابي إلى مهادنة غير منتظرة مع حكومة الباجي قايد السبسي التي تلتها، بينما غدت مواقفه إزاء الاسلاميين  حلفاء سنوات الجمر، شبيهة بمواجهة شرسة. تحوّل كلّفه الكثير، حين ظهر، عقب ذلك، كأبرز فرسان انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011. فقد الشابي حظوظه الانتخابية، فلم يحصل على أكثر من 16 مقعدا (المرتبة الخامسة)، ليجد نفسه في صفوف المعارضة من جديد.
مشروع لمّ شمل الطيف الحداثي والوسطي، أو فكرة “الحزب الوسطي الكبير” كانا مطبقين على عقل الرجل، إلى درجة قبل معها بالتضحية بهويته السياسية الأصلية. غيّر اسم حزبه من “الديمقراىطي التقدّمي” إلى “الجمهوري”. غير أنّ حتى هذه الخطوة لم تفلح في رأب الصدع الذي لحق بتركيبة مكتبه السياسي وبقواعده، إذ تتالت الاستقالات، لتشمل، في مرحلة متقدّمة، الكتلة النيابية للحزب.
ورغم الارتباك الواضح الذي غدا عليه “الجمهوري”، لم يفقد مؤسّسه الأمل في أن يجعل منه مركزا يجذب إليه جميع الغاضبين والمناهضين لحكم الترويكا، ونقطة تجميع لأطياف الليبراليين واليساريين والدساترة القدامى.
لكن مشروع التقارب المستحدث ذاك سرعان ما انقلب على باعثه، فحركة “نداء تونس” التي كان الشابي يخطط لاستقطابها والاستفادة من أنصارها، كانت، في الآن نفسه، تسعى لتحقيق الهدف ذاته. “كارت” خاسر آخر فقده الشابي، ليتحوّل بمقتضاه حزب الجمهوري من مركز استقطاب واسع إلى أحد روافد التحالفات التي بدأت تطفو إلى السطح من حين لآخر.
ضربة قاضية أصابت الشابي في الصميم، والواقع أنها أصابت حزبه أكثر من شخصه. فرغم النكبات المتتالية، لم يفقد الشابي وزنه السياسي في البلاد، وحافظ على دور “صمام الأمان” للوضع العام المنتصب فوق رمال متحرّكة في ذلك الوقت. كان يصنع الحدث، بميزاته الاستيعابية المنافية للقطيعة، وهو ما منحه إمكانية اللعب على مختلف الارضيات، ومع الجميع، إلاّ أنّه كان يمرّ بجانبه كأن لم يكن طرفا أو سببا فيه.. هكذا علّق معظم النقاد التونسيين على خيبة الجمهوري في الانتخابات التشريعية لعام 2011.
خرج الشابي من حسابات المناصب والمواقع، وانهمك يعدّ العدّة لخلق فرصة حكم جبهة الوسط من جديد، غير أنّ المفاتيح سرقت منه في المرة الأولى، لكنه عاد مصرا على فتح قصر قرطاج للمرّة الثالثة، مقدّما نفسه هذه المرة مرشحا للرئاسة التونسية، ممثلا عن الحزب الجمهوري، معوّلا في ذلك على كاريزمته السياسية التي لا تقاوم، ورصيده النضالي الطاغي . فهل سينتصر وزنه الشخصي الكبير هذه المرة، وهو الذي ترشح في 2004 وفي 2009 للانتخابات الرئاسية في عهد بن علي ثم أقصي لشروط مجحفة وضعت قصد إقصائه، والذي لطالما كان قادرا على تليين صخرة الهزيمة، خصوصا عقب فشل حزبه في الحصول على مقاعد برلمانية في انتخابات 2014 الاخيرة.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here