مراهقون.. أحذية وشعوذة.. ومهرجون

كمال خلف

لم نكن لنتصور أن يصل الخلاف بين الدول الخليجية إلى هذا الحد ، ظننا أن الأمر سيقف عند حدود الحملات الإعلامية المتبادلة ، وأن كانت عنيفة وحملت كل أنواع الاتهامات والتخوين . مع فنيات وحذاقة وخبرة في اصطياد الهنات والعثرات . وجعلها مادة تسوق للرأي العام  العربي على أنها قضايا مفصلية مهمة أو تحويلها إلى قسم المهرجين ليصاغ منها مادة للضحك و الشماتة . كل هذا يمكن تفهمه على عبثيته.

بيد  أن ما تابعناه خلال بطولة كأس آسيا لكرة القدم ، فاق التصور ، ونزل إلى درجة من المراهقة ، الضارة  بجميع العرب والمسلمين . لم يكن مشهد إلقاء الاحذية و” الشباشب أو الشحاطات” كما نسميها في بلاد الشام ، على لاعبي المنتخب القطري بعد فوزه على نظيره الإماراتي بأربع أهداف مقابل لاشيء في بطولة آسيا ، إلا قطعة من مشهد له خلفياته السياسية ، ضمن معارك استخدمت فيها كل المحرمات ، وقذفت فيها الاعراض والكرامات ، ولكن المشهد في بطولة آسيا  دلل بلا شك على أن الاحتقان السياسي وصل إلى قلب المجتمعات وتحول حقدا بين الشعوب الشقيقة .

 إنها آلة الإعلام ايها السادة عندما يعميها الحقد و تقدم وجباته الساخنة على مدار اليوم للجمهور ، دون حساب لما يتسلل إلى النفوس ويوغل الصدور .

هربنا من هذا المشهد المؤلم للغة الأحذية ، لنقع في حبائل المشعوذين . يقول أحدهم للناس على الشاشة في بشاشة   أن الأهداف الأربعة لقطر ليست سوى تعبير عن شعار رابعة الذي يرفعه” الإخوان المسلمون”  ، في إشارة إلى إحداث ميدان “رابعة العدوية” شرق القاهرة واعتصام أنصار الرئيس “محمد مرسي بعد عزله عام 2013 . تسري هذه النبوءة كالنار في الهشيم على السوشل  ميديا  .  وكأن الله أراد ان يظهر حق ضحايا رابعة ، على شكل اهداف ، واختار بطولة آسيا مكانا للحكمة الإلهية . سبحانه .. هل كان في ذهن المنتخب القطري وهو يلعب ميدان رابعة أساسا  ؟

يرد الطرف المقابل بمعايرة المنتخب القطري بأنه من المجنسين وليسوا مواطنين قطريين .

 هل هذا عيب ؟؟ هو ليس عيبا فضلا عن كونه يحسب لقطر ، خاصة أنها  دولة منحت تقديرا عاليا للمقيمين العرب على ارضها . ولماذا لم يجنس الآخرون الكفاءات لحصد الإنجازات ؟ هاهم المجنسون والمقيمون يدافعون عن قطر أكثر من أبناء البلد .

يشطح أحد الاعلاميين في برنامجه “مع تحفظنا على عدم ذكر اسماء”  ليصف المنتخب القطري بأنه المنتخب”  القطري المحتل ” لأن حسب وجهة نظره التي يسوقها  للجمهور بأن قطر محتلة . وهذا منتخب الاحتلال ، بينما يتجاوزه آخر من منبر مناقض في شطحة بهلوانية ذات لمسة أنسانية ليخبرنا أن فوز قطر كان بفضل دعاء أمهات عزة ، بعد وصول المساعدات المالية القطرية إلى القطاع . الله أكبر ، اخيرا استجاب الله لأمهات غزة من أجل قطر .

صحيفة البيان الاماراتية   عنونت بعد فوز قطر على اليابان في المباراة النهائية وحصولها على كأس آسيا ، بالتالي ” خسارة منتخب اليابان لكأس اسيا ” ، مع صورة للمنتخب الياباني .

 أين تاريخ الاخوة والتجاور والتصاهر وقرابة الدم  ؟ هل تمحيه بهذه السهولة  جلدة منفوخة بهواء تسمى كرة  ؟!

يتحدث شيخ جليل أو هكذا يبدو من برنامجه بحرقة عن خروج منتخب الامارات من  بطولة آسيا ، ويقول” لا بأس خرج من بطولة كرة قدم ، ولكن الآخر خرج من الأمة  بالخيانة ”  . معلق رياضي متحمس  يصرخ بعد هدف قطر في مرمى الإمارات ” دوس عليهم دوس ” . تشتعل منصات التواصل الاجتماعي الإمارتية استنكارا وشتما لكل شيء في قطر .  تنقل وسائل الإعلام وتكرر  فيديو لطفل اماراتي  لا يتجاوز الخامسة من عمره ، يبكي ويصرخ ويشتم قطر والقطريين .

لا تكفي هذه المساحة لسرد الكم الهائل من العبث ، هذه مجرد أمثلة فقط .  هذا الخطاب من على الشاشات ينتقل مباشرة الى وسائل التواصل الاجتماعي على شكل حفلات شتائم وكراهية و تباغض تفوق أي تصور . ما الفائدة ؟؟ ومن الرابح ؟ كلنا مهزومون في حرب انعدام الأخلاق .

من أين طلع علينا هذا الكم من الطبالين ، والمشعوذين  ليحتلوا المنابر ويشعلوا نار الحقد بين الأخوة . كيف نزل مستوى الخطاب في الاعلام إلى هذا الدرك ؟ أليس الإعلام والإعلاميون  والصحفيون  هم قادة الرأي العام والنخبة والطليعة . أم ولى هذا الزمن ؟

 صدق رسول الله عندما قال سيأتي يوم على أمتي يتحدث فيه  “الرويبضة ” قالوا وما الرويبضة يا رسول الله ، قال ” الرجل التافه يتحدث في العامة ” .

 عبر تاريخنا العربي كانت الخلافات السياسية دائما حاضرة ، والحملات الإعلامية أيضا كانت تستخدم في الخلاف ، ولكن ما يحصل اليوم تجاوز كل حد ، وانتقل إلى الشعوب والمجتمعات منذرا  بمخاطر كارثية ، في حين يتابع أعداء العرب كل هذا مندهشين من حجم كرهنا لبعضنا ، ورحمتنا تجاههم . اسود على بعضنا ونعاج أمام الأعداء .

دمرنا بلدننا بالحقد والكراهية ، والتحريض ، الطائفي والمذهبي و القبلي ، صفقنا لقطعنا رؤوس بعضنا ، شوهنا ديننا وعقيدتنا ، وسمعة بلدننا وشعوبنا ، بددنا  ثرواتنا ، حكمتنا الخلافات الشخصية لحكام جرونا وراءهم كالاغنام بل أضل سبيلا . وماذا بعد ؟

كاتب واعلامي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. يا سيدي الخليج وشعوبها يأخذون نصيب من الحقد والفرقة والحسد والفتن وضياع الثروات وتبديدها ، والسبب بعض حكومات الخليج ساهمت بشكل مباشر في دمار وخراب وتهجير وقتل وفتن في الدول العربية والإسلامية ، شعوب الخليج تدفع الثمن لصمتهم عن قول الحق وفي منع حكوماتهم من السياسات العبثية من المحيط إلى الخليج ، لا تتعجب يا أستاذ كمال خلف أن تنحدر شعوب الخليج لهذا المستوى من الكراهية والقذف والفتن وغيرها ، ((احصد خيرا تجني خيرا احصد شرا تجني شرا ))..

    والله العالم يا سيد كمال خلف ماذا تخبئ الأيام القادمة لشعوب الخليج ..

  2. بطولة كأس اسيا عكست الواقع الحقيقي الذي تمر به الدول الخليجية من اختلاف و تمزق لم أكن أتخيل ان تصل الامور الى هذا الحد كنت أظن انه وحدنا عرب افريقيا من نتشاجر من اجل الكرة مثلما حدث بيننا و بين مصر سنة 2009
    لا يمكن الثناء على الامارات لانها نظمت دورة ممتازة بكل بساطة لانها منعت الجماهير القطرية من مآزرة منتخبها و عايرت الجماهير العمانية لانها ساندت قطر وهم بهذا محوا الصورة التي لطالما تغنوا بها من وحدة الدول الخليجية و اخوة و غيرها من الشعارات الرنانة

  3. لم يتوقع انسان عربي ان يحدث هذا الفجور في الخصومه لتصل الي هذا الحد وكانه كان هناك مخزونا من الأحقاد والكراهيه كانت بانتظار حدوث الانفجار !!!!كل من عاش باحدي الدول الخليجيه يعرف انهم جميعا تربطهم علاقات اسريه وقبليه فهناك قبائل ممتده لعدة دول وينتمون لنفس القبيله سعوديين وقطريين واماراتيين !!!! مما يؤسف له فعلا ان هناك من يغذي الخلاف بين الدول الخليجيه لكل طرف بوق قذر ينفخ بالفتنه والبذاءات والتطرق للاعراض ولبعض الرموز الوطنيه والطائفيه واخص هنا اثنان مرتزقه اساؤوا كثيرا للطرفين وهم للأسف الشديد فلسطينيون يملكون كما هائلا من الالفاظ البذيئه الحاقده لا عمل لهم الا بث الفتنه المذهبيه الحقيره من الذي يجلس في الأردن والبذاءات والسباب والاساءات من الطرف المقيم في أمريكا انهم مرتزقه لا يخافون الله فيما يقومون فيه لهذا كنت ولا زلت ادعو الله ان تنتهي الازمه الخليجيه لكي اري هؤلاء المرتزقه ماذا يفعلون بعد انتهاء مهماتهم القذره !!!!!!!

  4. ارى ان هؤلاء القوم قد فقدوا عقولهم . بين المغرب والجزائر خلاف جدي حول اقليم الصحراء، لكن الاحترام والمودة بين الشعبين المغربي والجزائري تابت وحتى الحكومتين المغربية والجزائرية لا تخرجان عن موضوع الخلاف . وتتعاملان باحترام في شؤون أخرى.

  5. ____ ما هو كله من الإعلام الرياضي الخربان .. من ’’ BEIN ’’ .. إلى بان .

  6. وإنما ألأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

  7. ما يحدث بين قطر ودول الخليج هو فجور في المخاصمة. دعهم ينشغلون ببعضهم ففي هذا رحمة لباقي الدول العربية او الاسلامية. هؤلاء لا يجتمعون الا على المؤامرات كما اجتمعوا ضد العراق وسوريا وليبيا واليمن. ثم وبسبب فجورهم بينهم في المخاصمة (هربت الطريدة).

  8. اخ كمال نريد مقالا صارخا عن السوررين في لبنان الى متى هذه الوضع من الاهانه على الحدود ومنع دفاتر السواقه للسيارات المتوسكلات عدا عن تسجليها في حين ان اللبناني معززز محترررم مكرم بسوريا هم حوالي٥٠٠ الف حسب تقدير الجديد

  9. هذا مايريده الأعداء حتى يسهل عليهم التهامنا الواحد بعد الأخر ….. ونحن لغبائنا نسهل لهم

  10. الثقافة العامة هي اولى شروط العمل الصحافي.
    عندما يعمل الصحافي في وسيلة اعلامية لحضارة معينة عليه اقله ان يستخدم تعابير ومفردات تلك الحضارة.
    مثال بسيط: على محطات التلفزة التي التي تتوجه للحضارة الانكليزية، لا تسمع مقدم برامج او مذيع يستخدم كلمة مسيو او مدام عند مخاطبته ضيوفه بغض النظر عن اي حضارة ينتمون.
    كذلك الامر عندما تشاهد محطات تلفزيونية فرنسية، لا تسمع المذيع او المذيعة يستخدمون تعبير مستر او مسز عند مخاطبتهم ضيوفهم.
    وان كان لا بد من استخدام تعبير اجنبي فلا يستخدمون مستر عند مخاطبة ضيف فرنسي بل كلمة مسيو، ولا يستخدمون كلمة مسيو عند مخاطبتهم ضيفا انكليزيا، بل يستخدمون كلمة مستر.
    اما صحافيو اخر زمن على المحطات العربية الذين يريدون ابهار المشاهد بعمق ثقافتهم، فيستخدمون كلمة مستر عند مخاطبتهم ضيوفا روس مثلا متناسين تاريخ التنافس والعداء بين الثقافتين الروسية والانكلوساكسونية.
    لتبسيط الفكرة لفائقي الثقافة والتثقف، هذا كمن يخاطب شيخ ازهري بسماحة الحاخام.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here